الخميس 22 صفر 1424 هـ الموافق 24 ابريل 2003 مع تنامي مطالب الشيعة العراقيين بتولي دور مهيمن في مستقبل العراق، يقول مسئولون في ادارة بوش انهم قللوا من اهمية القوة التنظيمية للشيعة وانهم غير جاهزين لاحباط محاولة اقامة حكومة اسلامية اصولية معادية لاميركا في البلاد. لقد دفع تفجر القوة الشيعية ـ كما ظهر من خلال زحف مئات الالوف من الشيعة في رحلة حج كانت محظورة منذ امد بعيد إلى مدينة كربلاء المقدسة ـ دفع بالمسئولين الاميركيين إلى البحث عن حلفاء في صراعهم من اجل ملء فراغ السلطة الذي خلفه سقوط صدام حسين. وصرح مسئولون اميركيون مؤخراً بأنه بينما كانت الادارة تخطط للاطاحة بحكومة صدام فإنها لم تقدر تماماً قوة تطلعات الشيعة وهي الآن قلقة من احتمال ان تندمج تلك المشاعر لتشكل حكومة اصولية. وكان بعض مسئولي الادارة مبهورين باحمد الجلبي المنفي العراقي البارز والذي هو من الشيعة ومن انصار الديمقراطية العلمانية. وكان تركيز مسئولين آخرين منصباً اكثر على الهدف الطاغي وهو الحاق الهزيمة بصدام حسين ولم يعطوا اهتماماً كبيراً لديناميكيات الدين والسياسة في المنطقة. ما الذي نبحث عنه بعد صدام؟ قال مسئول في وزارة الخارجية: «انها معادلة صعبة، والحكومة الاميركية غير مؤهلة لمعرفة الكيفية التي ستستقر عليها الامور. انا لا اعتقد ان احداً تراجع خطوة إلى الوراء وسأل نفسه: ما الذي نبحث عنه؟ فقد كان التركيز منصباً على الاطاحة بصدام حسين». ومما يصعب الامور هو ان الولايات المتحدة لا تقيم فعلياً علاقات دبلوماسية مع ايران، وهو ما يترك المسئولين الاميركيين في حالة من الجهل فيما يتعلق باهداف ونوايا الحكومة في طهران. وتعتبر الحكومة الايرانية راعية للمجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق، وهو الجماعة الشيعية البارزة في العراق. ومنذ حدوث الثورة الايرانية في عام 1979 كان احد الاهداف الاستراتيجية الرئيسية للولايات المتحدة هو احتواء الاصولية الشيعية المتطرفة. وفي الثمانينيات، دعمت الولايات المتحدة صدام حسين باعتباره مترساً في وجه ايران. ولكن بحلول هذا العام، لاح الدافع للاطاحة بصدام حسين ـ الذي مارس القمع ضد الاغلبية الشيعية في العراق طوال عقود ـ لاح كهدف اكثر اهمية للادارة. وافادت التقارير الاستخبارية الاميركية المرفوعة لكبار المسئولين في الحكومة مؤخراً، بأن الشيعة يبدون اكثر تنظيماً مما كان يعتقد، وقد تطور احد الاجتماعات الذي عقد مؤخراً للجنرالات والادميرالات في «البنتاغون» وزارة الدفاع الاميركية إلى ندوة حول الشيعة في العراق والاستراتيجية الاميركية لاحتواء الاصولية الاسلامية في العراق. مجازفة اميركية لربع قرن مقبل وتأمل الادارة بأن تقود الحرب الاميركية في العراق إلى تشكيل هلال من الانظمة الديمقراطية في العراق وايران وسوريا ولبنان والمناطق الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة والسعودية. ولكنها قد تشعل بنفس القدر من السهولة حماسة متجددة للحكم الاسلامي في ذلك الهلال، بحسب تصريحات مسئولين اميركيين. وقال ضابط برتبة جنرال بثلاث نجوم: «هذا مشروع يستغرق 25 عاماً. والكل متفق على انه يشكل مجازفة كبيرة والنتيجة غير واضحة على الاطلاق». لقد استطاعت وكالة الاستخبارات الاميركية «السي آي إيه ان تصادق بعضاً من رجال الدين الشيعة، ولكن ليس الكثيرين منهم، وليس لفترة طويلة. وتساعد السي.آي.ايه على ادخال رجال الدين هؤلاء بأمان إلى المدن حيث يمكنهم ان يؤسسوا قاعدة سياسية. وفي النجف على سبيل المثال، عمل ضباط في الوكالة مع اثنين من رجال الدين. ادارة بوش تفتش عن المعتدلين وصرح مسئول كبير في الادارة الاميركية قائلاً: «لا نريد ان نسمح للاصوليين «الفرس» بالحصول على اي موطيء قدم. ونريد ان نجد المزيد من رجال الدين المعتدلين وننقلهم إلى مواقع النفوذ». احدى المشكلات الرئيسية هي ان صدام حسين قام باعدام المئات من رجال الدين الشيعة ونفى ألوفاً آخرين ولم يترك سوى قلة من الزعماء المدنيين او الدينيين الشيعة ذوي المكانة المحلية. بعد وقت قصير من سقوط بغداد، قتل عبدالعزيز الخوئي، وهو رجل دين شيعي مقره لندن كان يعمل مع القوات الاميركية الخاصة، طعناً بالسكين في ضريح بالنجف، على ما يبدو من قبل اتباع زعيم شيعي شاب معاد للاميركيين. كما انهم قاموا بمحاصرة منزل آية الله علي السيستاني، وهو ابرز رجال الدين الشيعة في البلاد، وامروه بمغادرة المدينة قبل ان يقنعهم شيوخ القبائل بالتفرق. التعليم العلماني .. بديل أميركي ويأمل مسئولون اميركيون بمكافحة الاصولية عن طريق مساعدة العراقيين على بناء نظام تعليمي علماني. فقبل عام 1991، كان لدى العراق ما كان يعتبر بأنه احد اروع الانظمة التعليمية في المنطقة، ولكن سنوات من العقوبات الاقتصادية ادت إلى تدميره. وقال احد المسئولين ان «الجوانب الاكثر تطرفاً في الاسلام تلاحظ في الاماكن التي تخلو من اي تعليم باستثناء القرآن. فليس هناك من وجود لمبحث الرياضيات ولا الثقافة. وانت تواجه تلك «الاصولية» من خلال فعل شيء ما بالنظام التعليمي». يشكل الشيعة في العراق حوالي 60% من السكان مقارنة بأقل من 20% للسنة التي هيمنت على الحياة السياسية في العراق لفترة طويلة. وكان المسلمون الشيعة، الذين يشكلون اقل من 15% من مسلمي العالم البالغ عددهم المليار مسلم، قد شكلوا طائفتهم بعد فترة قصيرة من وفاة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في عام 632 للميلاد. وبينما يشكل الشيعة الغالبية في ايران والعراق، فإن الشيعة في العراق هم من العرب وليس الفرس، الامر الذي يمنح المسئولين الاميركيين الامل بأن يحجم الشعور القوي بالوطنية العراقية والتقليد بمقاومة فكرة وجود حاكم شيعي اعلى الاصولية الفارسية. وقال مسئول اميركي بهذا الخصوص: «هناك فرق كبير، وفرق هائل، بين الشيعة الفرس والشيعة العرب». وبالتأكيد فإن بعض الخبراء يعتقدون ان انهاء اضطهاد الشيعة العراقيين سيبدأ بتحويل مركز الطائفة بعيداً عن ايران. فضريحا الامامين الاكثر تبجيلاً لدى الشيعة ـ وهما الامام علي والحسين ـ موجودان في النجف وكربلاء. تحذير مسبق لبوش من الفراغ بعد صدام ومن جانبهم، قال محللون في الاستخبارات الاميركية وخبراء في شئون العراق انهم حذروا ادارة بوش قبل اندلاع الحرب من الاطاحة بحكومة صدام بدون وجود شيء يحل محلها. ولكن مسئولين قالوا ان المخاوف ربما لم تجد آذاناً صاغية او انها احتلت مرتبة متدنية على قائمة اولويات التخطيط لما بعد الحرب. وقال بعض المسئولين ان نفوذ الجلبي، وبخاصة لدى كبار صناع السياسة في البنتاغون، ساعد في التقليل من احتمالات وقوع المشكلات. وصرح احد المسئولين الاميركيين قائلاً: «لقد اعتقدوا حقاً انه زعيم شيعي. مع انه كان خارج البلاد منذ 45 عاماً. وكان لسان حالهم يقول: اننا مستعدون، فنحن لدينا زعيم شيعي». وصرح والتر بات لانغ، وهو اخصائي سابق في شئون الشرق الاوسط في وكالة الاستخبارات الدفاعية، بهذا الخصوص قائلاً: «اننا نحلق على غير هدى حول هذه المسألة. وهذه قضية كلاسيكية تتعلق بالسياسة والاستخبارات. وفي هذه الحالة، قام المجتمع السياسي بجلد مجتمع الاستخبارات او شوه سمعته بدرجة كبيرة». لقد حاول مسئولون اميركيون ان يفتحوا قنوات اتصال مع اهم مجموعة شيعية في العراق، وهي المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق، بدءاً باتصالات جرت في الكويت قبل حوالي خمسة اعوام. وكان مندوب كبير من المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق قد التقى بنائب الرئيس ديك تشيني في اغسطس الماضي عندما قام مسئولون اميركيون بجمع قادة جماعات المعارضة العراقية في واشنطن. ولكن المجلس الاعلى، الذي يتخذ من طهران مقراً له ومرتبط بشكل وثيق بالحكومة الايرانية، قاطع اول اجتماع برعاية اميركية للقادة الدينيين والسياسيين العراقيين في مدينة الناصرية لبحث المستقبل السياسي للبلاد. وقال مسئول في وزارة الخارجية معلقاً: «على مر السنين الماضية، لم يكن هناك اتصال بالقدر المطلوب». وقال كينث بولاك وهو باحث في معهد بروكنجز، وكان احد ابرز الاخصائيين في شئون العراق في عهد الرئيس بيل كلينتون: «لقد توقعوا (الاميركيون) استقبالاً اكثر حرارة، وبالتالي، فإنه لن يكون من الضروري بالنسبة لهم الخوض في بعض من هذه القضايا. وكذلك الافتراض الخاطيء يعتبر في جوهر بعض الاسباب التي تجعلهم يتخبطون الآن». ترجمة: ضرار عمير عن «واشنطن بوست»