الثلاثاء 20 صفر 1424 هـ الموافق 22 ابريل 2003 أبلغ عالم عراقي يزعم انه عمل في برنامج الأسلحة الكيماوية العراقية لأكثر من عقد فريقاً من الجيش الأميركي، مؤخراً، ان العراق قام بتدمير الأسلحة الكيماوية ومعدات الحرب البيولوجية قبل أيام فقط من اندلاع الحرب، بحسب ما أفاد أعضاء في الفريق لصحيفة «نيويورك تايمز» أمس. وقال أعضاء الفريق ان العالم قاد الأميركيين الى مخزون من المواد، تبين انه مواد صناعة الأسلحة غير المشروعة، والذي زعم انه قام بدفنه باعتباره دليلاً على برامج الأسلحة العراقية غير المشروعة. وأبلغ العالم مفتشي الأسلحة الأميركيين ان العراق قام سراً بارسال أسلحة غير تقليدية وتقنية عسكرية الى سوريا بدءاً من منتصف التسعينيات، وان العراق كان يتعاون في الآونة الأخيرة مع تنظيم القاعدة. وقال الأميركيون ان العالم أبلغهم ان حكومة صدام حسين الرئيس العراقي المخلوع قامت بتدمير بعض المخزون من العوامل البيولوجية القاتلة منذ منتصف التسعينيات، ونقل البعض الآخر الى سوريا، وانه ركز جهوده مؤخراً عوضاً عن ذلك على مشروعات البحث والتطوير التي تعتبر من ناحية عملية منيعة على الاكتشاف من قبل المفتشين الدوليين، وحتى على القوات الأميركية على الأرض التي تمشط مصانع الأسلحة الكبرى في العراق. ومن جانبه، امتنع الفريق العسكري الأميركي الذي يبحث عن الأسلحة غير التقليدية في العراق، وهو فريق الاستثمار المتحرك ألفا، أو إم إي تي ألفا، الذي عثر على العالم ـ امتنع عن كشف هوية ذلك العالم قائلاً انهم يتخوفون من احتمال تعرضه لأعمال انتقامية، ولكنهم قالوا انهم يعتبرونه مصدراً للثقة وان المواد التي استخرجت على مدار الأيام الثلاثة الماضية في المواقع التي قادهم اليها تبيّن انها مواد أولية لغاز سام محظور بموجب معاهدات حظر الأسلحة الكيماوية. ان الرواية الرسمية لتأكيدات العالم العراقي واكتشاف المواد المدفونة، التي وصفوها بأنها أهم اكتشاف حتى الآن في اطار البحث عن الأسلحة المحظورة، تدعم اتهامات ادارة بوش بأن العراق استمر في تطوير تلك الأسلحة وكذب على الأمم المتحدة بشأنها، يذكر ان العثور على الأسلحة المحظورة وتدميرها كان المبرر الرئيس للحرب. وقدمت الروايات الرسمية كذلك تفسيراً للسبب الذي جعل القوات الأميركية غير قادرة حتى الآن عن كشف أسلحة محظورة في العراق. وكان الفشل في العثور على هذه الأسلحة أصبح قضية سياسية في واشنطن. ووفقاً للشروط التي يمنحها التفويض بكتابة تقارير عن نشاطات فريق «إم إي تي ألفا»، فإن هذه المراسلة الصحفية لم يسمح لها بمقابلة العالم أو زيارته في بيته، كما لم يسمح لها بالكتابة عن اكتشاف العالم لمدة ثلاثة أيام، وتم تسليم نسخة من التقرير لكي يتم فحصها من قبل مسئولين عسكريين. وطلب أولئك المسئولون بأن يتم حذف التفاصيل المتعلقة بالمواد الكيماوية التي تم اكتشافها. وقالوا انهم يتخوفون من أن هذه المعلومات قد تعرض سلامة العالم للخطر عن طريق تحديد القسم الذي عمل فيه من برنامج الأسلحة. وقال فريق «إم إي تي ألفا» انه أبلغ واشنطن بالنتائج التي توصل اليها بعد فحص المادة المدفونة والتحقق من هوية العالم مع خبراء في الولايات المتحدة. وأفاد خبراء بأن التقرير تم ارساله الى البيت الأبيض الجمعة الماضي. ومن جهتهم، قال المتحدثون العسكريون في البنتاغون ومقر القيادة الوسطى في الدوحة بقطر انهم لا يستطيعون تأكيد قيام عالم عراقي بالأسلحة الكيماوية بتزويد القوات الأميركية بمعلومات جديدة. وكان العالم العراقي عثر عليه من قبل فريق يرأسه ضابط الصف الأول ريتشارد غونزاليس، رئيس فريق «إم إي تي ألفا»، وهو واحد من فرق عديدة تتولى مسئولية البحث عن الأسلحة غير التقليدية في العراق. وفي خروج عن المهمة المناطة بفريقه، قام غونزاليس وفريق من الأخصائيين من وكالة الاستخبارات الدفاعية بتعقب العالم يوم الخميس الماضي من خلال سلسلة من المقابلات والزيارات الخاطفة والسريعة بشكل متزايد للموقع. وفي حين لم تتمكن هذه المراسلة الصحفية من اجراء مقابلة مع العالم، إلا انه سمح برؤيته من بعيد في المواقع التي قال ان المواد من برنامج الأسلحة قد دفنت فيها. وأشار العالم الذي كان مرتدياً ملابس غريبة ومعتمراً قبعة بيسبول، الى نقاط عديدة في الرمل، حيث تم دفن عناصر كيماوية أولية ومواد أسلحة أخرى، كما قال. وقامت هذه المراسلة أيضاً بمرافقة فريق «إم إي تي ألفا» في البحث عن العالم وسمح لها بالاطلاع على رسالة كتبت باللغة العربية كان قد مررها الى الجنود الأميركيين يعرض فيها تقديم معلومات عن البرنامج ويطلب حمايتهم. وقال مسئولون عسكريون ان العالم أبلغهم ان مسئولين عراقيين أضرموا النار في مستودع كانت تجرى فيه عمليات البحوث والتطوير المتعلقة بالأسلحة البيولوجية قبل أربعة أيام من اعطاء الرئيس بوش لصدام حسين مهلة 48 ساعة لمغادرة العراق أو مواجهة الحرب. ونقل المسئولون عنه قوله انه راقب العراقيين على امتداد أشهر عدة قبل اندلاع الحرب، وهم يدفنون المواد الكيماوية الأولية ومواد أخرى حساسة لاخفائها وحفظها للاستخدام مستقبلاً. وقال المسئولون ان العالم العراقي أطلعهم على وثائق وعينات وأدلة أخرى من البرنامج الذي زعم انه سرقها لاثبات وجود البرنامج. ويعتبر فريق «إم إي تي ألفا» واحداً من فرق عديدة تم تشكيلها في وقت سابق من هذا العام للتفتيش عن الأسلحة غير التقليدية في العراق. وبدعم من قوة المهمات الخامسة والسبعين، وهو لواء مدفعية ميداني مقره في فورت سيل بولاية أوكلاهوما، أنيطت بالفرقة مهمة زيارة حوالي 150 موقعاً رئيسياً حددتها وكالات الاستخبارات الأميركية كمواقع مشبوهة. ولكن الفرق التي يقودها البنتاغون، والتي تضم أخصائيين من عدد من وكالات البنتاغون، تعرض عملها للاعاقة بفعل قلة المصادر والجغرافيا. ونظراً لأن قوة المهمات لديها مختبران متنقلان باهظا التكلفة ومتطوران جداً يمكن أن يتم فيهما تحليل عينات كيماوية وجرثومية بسرعة، فقد تم ابقاؤها على مسافة آمنة من مواقع القتال وذلك في معسكر صحراوي في الكويت في الجهة المقابلة من الحدود العراقية. وفي ضوء عدم قدرتها على تحريك قوة المهمات الى مكان أقرب من بغداد، حيث تقع معظم المواقع المشبوهة والعلماء الذين عملوا فيها، فقد اضطرت فرق الاستثمار المتنقلة الى الاعتماد على عدد قليل من المروحيات في الوصول الى مواقع مشبوهة في منطقة بغداد. وحتى وقت قريب، كانت هذه المروحيات محجوزة بشكل أساسي للجنود الذاهبين الى المعركة، ونتيجة لذلك، فإن معظم الفرق لم تقم بأية أعمال تفتيش عن الأسلحة الى أن انتهى القتال تقريباً. وقبل أسبوعين، كلّف فريق «إم إي تي ألفا» أخيراً بمهمة معاينة براميل مملوءة بمواد كيماوية كانت مدفونة في ضواحي بلدة المهاوش، وهي بلدة صغيرة تقع جنوب بغداد. فقام فريق صغير مزود بمعدات قليلة وبدون امدادات عملياً بالسفر الى البلدة للقيام بما كان يفترض أن يكون مسحاً لا يستغرق أكثر من نصف يوم. وقد تبيّن ان البراميل لا تحتوي على عناصر أسلحة كيماوية. ولكن أثناء المسح الذي أجري لذلك الموقع، أبلغ الميجور جنرال برايان ليش، الضابط المسئول عن الأسلحة الكيماوية في الفرقة 151 المحمولة جواً، أبلغ أعضاء فريق «إم إي تي ألفا» عن تقرير لحاويات مشبوهة مدفونة في المنطقة التي تطابق وصف المختبرات المتنقلة. وذكر ضباط آخرون ان رجلاً قال انه عالم عراقي سلم الجنود رسالة عن برنامج الأسلحة الكيماوية العراقية. وقالوا انه لم يتابع أحد حتى الآن ذلك التقرير بسبب القتال ولأن معلومات مماثلة لم تسفر عن اكتشاف أدلة على وجود أسلحة غير تقليدية. انطلق الفريق، بمركبات وامدادات من الفرقة 151 المحمولة جواً، لوحده بهدف اجراء مسح لمواقع أخرى ومتابعة المعلومات التي تحدثت عن الحاويات المدفونة والعالم العراقي. وبعد اتمام مسح مطوّل لاحدى المنشآت، قرر غونزاليس وأعضاء آخرون في الفريق من فريق الاسناد الاستخباري الكيماوي البيولوجي التابع لوكالة الاستخبارات الدفاعية ـ قرروا أن يحاولوا العثور على العالم. وقال مسئولون عسكريون ان غونزاليس قام بتعقب رسالة العالم، التي لم يتم تحليلها رسمياً، وكانت لاتزال في مقر أحد الألوية، الى جانب عنوان العالم. وفي صباح اليوم التالي، وجد خبراء الأسلحة في فريق ألفا العالم في منزله بالاضافة الى بعض الوثائق من البرنامج وعينات كان دفنها في فناء منزله ومواقع أخرى. وأبلغ العالم أعضاء فريق ألفا انه نظراً لأن برامج الأسلحة العراقية غير التقليدية كانت مقسمة الى أجزاء، فإنه لا يملك معلومات مباشرة إلا عن قطاع الأسلحة الكيماوية الذي عمل فيه. وقال أعضاء الفريق ان العالم العراقي قدم للأميركيين معلومات عن نشاطات تتعلق بأسلحة أخرى غير تقليدية، بالاضافة الى معلومات عن تعاون في الأسلحة العراقية مع سوريا ومع جماعات ارهابية من بينها القاعدة. ولم يكن من الواضح كيف عرف هذا العالم بوجود مثل هذه الصلات. ومن جانبه، قال الميجور جنرال ديفيد بتراوس، قائد الفرقة 151 المحمولة جواً ان الامكانات المتعلقة بعمل فريق «إم إي تي ألفا» تعتبر «هائلة». وأضاف قائلاً: ان ما اكتشفوه قد يتبين انه ذو قيمة عالية جداً، ومع انه لايزال يتعين القيام بعمل كثير للتحقق من المعلومات التي اكتشفها فريق «إم إي تي ألفا»، إلا ان الاكتشاف إذا ما ثبتت صحته فسيكون بوضوح أحد أبرز الاكتشافات في هذه العملية، وقد يكون الاكتشاف الرئيسي. ترجمة: ضرار عمير عن «نيويورك تايمز»