الاثنين 19 صفر 1424 هـ الموافق 21 ابريل 2003 قالت محافل اسرائيلية ان ورطة أميركا في العراق ابتدأت الآن، فعلى أبواب بدء المقاومة ضد الاحتلال الأجنبي فإن الولايات المتحدة لا تستطيع فرض نظام موال لها في العراق، لأنه لن يحظى بالشرعية العربية والاسلامية، وان انسحبت غداً سيصبح العراق نهباً لجيرانه، وبالتالي فإنه لا مخرج لها سوى بناء حزام من الدول المجاورة يحفظ أمن العراق، وهو ما يتطلب تغييرات في دول هذا الحزام. وقال تسفي برئيل المختص الاسرائيلي في الشئون العربية في مقال كتبه أمس في «هآرتس» نقلاً عن مصارد عبرية: كبار الضباط الذين يعلقون على الحرب في العراق صرحوا بأنها قد انتهت تقريبا. شبكات التلفزة العالمية أكدت ما يقولونه عندما أخذت تبدأ نشرات الأخبار بقضايا القتل ومرض الالتهاب الرئوي اللانمطي الفتاك أو المؤتمرات الحاشدة لرؤساء الاتحاد الاوروبي. يبدو ان الانفجار الكبير الذي كان من شأنه ان يهز الشرق الاوسط آخذ في التقلص في اطار قائمة مطلوبين وأعمال سلب ونهب لا تثير اهتمام أحد بعد نهب المتحف الكبير وتوجيه التوبيخات الادارية لسوريا. حتى احتمالية ايجاد سلاح دمار شامل لم تعد تثير أحدا بصورة استثنائية. ذلك لانه اذا كانت الحرب قد نجحت فلن يكون هناك من يستخدمها وكشف النقاب عن هذه الاسلحة لن يكون هاما الا لتحقيق أهداف وغايات تاريخية. ولكن الحرب ضد العراق ليست فصلا عابرا أو عملية مع بداية ونهاية معروفتين. ذلك لانهم لا يستطيعون مغادرة العراق الآن، ليس فقط للحفاظ على النظام واعادة بناء البنية التحتية والخدمات وانما لأن فراغا استراتيجيا خطيرا لتوازن القوى في الشرق الاوسط قد نشأ هناك. وهذه مسألة تتطلب وجود جيش اميركي كبير. العراق من دون جيش ونظام حاكم مركزي هو دولة غنية ومعرضة لكل شيء. آبار النفط هناك من دون حراسة، والجيران يملكون بطاقات ملكية تاريخية على أجزاء منها. من الناحية النظرية نتساءل من الذي سيوقف تركيا من الدخول الى كركوك والموصل من دون تواجد جيش اميركي أو جيش عراقي، وما الذي سيمنع ايران من السيطرة على حقول النفط شرقي الدولة، ومن سيمنح الكويت مثلاً اذا شعرت انها تستطيع ان تبتلع آبار النفط في الرميلة. هذا خطر نظري الآن لان الدول كلها لن ترغب في التورط مع الادارة الاميركية. الولايات المتحدة تحولت الى كنز استراتيجي بالنسبة للعراق الجديد وهي مسئولة عن الحفاظ على أمن الدولة ليس في داخل المدن فقط وانما على حدودها الخارجية. هذا هو الشرك الذي وقعت فيه اميركا لان هذه المهمة تعني السيطرة ليس فقط على الدخول والخروج من الدولة وانما على سياسة العراق الخارجية ايضا. الحكومة الجديدة لم تتشكل في بغداد بعد، ولكن على افتراض ان هيئة حاكمة ما ستظهر لادارة العراق في نهاية المطاف فانها ستطمح الى ادارة دولة مستقلة وليس محافظة من المحافظات الاميركية. العراق هو دولة عربية سترغب بالحصول على الشرعية الدولية والعربية والاسلامية، وهنا يكمن شرك آخر: فهذه الدولة لن تحصل على الشرعية اذا كانت دولة خاضعة لوصاية اميركا. ومن الناحية الاخرى قد يفقد العراق صفة الدولة من دون السيطرة الاميركية المباشرة عليه، فهذا البلد قد يغرق في صراعات وانقسامات دموية داخلية عنيفة قد شاهدنا مثلها خلال الاسبوعين الاخيرين، وقد يتمزق الى محافظات مستقلة عرقية عشائرية أو دينية. سيطرة حكم اجنبي على العراق بصورة مباشرة ستحمل في رحمها بذور حرب العصابات المناهضة له. هذه الأنباء ليست مفاجئة للولايات المتحدة ـ التي جربت المسألة في لبنان والصومال وافغانستان ـ والآن نرى المظاهرات في العراق ضد هذا الوجود. من هنا ستضطر الادارة الاميركية في فترة قريبة جدا للتساؤل حول كيفية الخروج من العراق مع إبقائه مع توجه اميركي على الأقل. واذا لم يحدث ذلك فستبقى اميركا مع انجاز هام واحد فقط - إزاحة نظام صدام حسين - ولكنه انجاز ليس كافيا من حيث الخطر الذي قد يشكله العراق في المستقبل غير البعيد. هذه هي المرحلة التي ستضطر فيها اميركا للشروع في حملة دبلوماسية شاملة في الشرق الاوسط حتى تبني حول العراق حزاما عربيا داعما. هذه الحملة قد بدأت مع حوار التهديدات الموجهة لسوريا والرحلات المكوكية التي سيقوم بها كولن باول للمنطقة. المسألة ليست حملة لترسيخ الديمقراطية أو عملية «دومينو» لتغيير أنظمة اخرى، وانما محاولة لانشاء تحالف استراتيجي عسكري وسياسي ستضطر اسرائيل ايضا لدفع رسوم العضوية فيه. القدس ـ «البيان»: