الاثنين 19 صفر 1424 هـ الموافق 21 ابريل 2003 أكد خبراء وعسكريون اميركيون، ان دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي أخذ يوسع نفوذه بشكل كبير ومختلف عما سبقه من وزراء الدفاع، مستغلاً الانتصارات العسكرية التي تحققت في العراق وأفغانستان. وأضافوا انه بعد سنتين من تقلده منصبه، أصبح لرامسفيلد حاشيته الخاصة من العسكر في المناصب العليا في وزارة الدفاع، مشيرين الى النجاح العسكري في العراق والذي استند لخطة مثيرة للجدل شارك هو في صياغتها، دفعته الى أن يطل بوجهه خارج البنتاغون، ليحشر نفسه في القضايا الاستخباراتية أكثر من أسلافه، كما انه أضحى يلعب دوراً كبيراً على غير المعتاد لهذا المنصب في رسم سياسة ادارة بوش الخارجية، اضافة الى تحجيمه للعلاقة المتوترة مع الكونغرس. يقف رامسفيلد الآن في موقع لم يسبق أن حققه من قبل يمكنه من اعادة رسم العسكرية الأميركية وفق الخطوط التي دأب على الحديث عنها منذ تسلمه منصبه و«تحويلها» الى قوة أكثر رشاقة ودقة تقوم على المعلومات والاستعداد لخوض المجازفات من أجل النصر وليس قوة النيران. وأكثر وجهات نظره وضوحاً هي دفعه بقيادة العمليات الخاصة من الدور الهامشي المميز الذي كان لها طويلاً الى وسط المشهد العسكري في «الحرب العالمية على الارهاب» وغيرها من العمليات العسكرية الأميركية. فبعد حرب العراق التي شهدت قيام قوات العمليات الخاصة بتنفيذ أكبر عمليات لها في تاريخها، يقول أحد المسئولين في وزارة الدفاع انها «ستكون نجمة الموسم». تحديات كبيرة غير ان رامسفيلد لايزال يواجه تحديات كبيرة، وأوضحها تلك التي تأتيه من جانب الجيش الأميركي الذي جمعته بمكتبه علاقات متوترة لأكثر من عام حتى الآن. ومع ان الدور المركزي الذي لعبه الجيش في العراق قد يخفف بعضاً من هذا التوتر، فإن هذه الحرب قد أثارت تساؤلات جديدة عن برنامج سلاح رئيسي للجيش وهو مروحيات الآباتشي الهجومية. قلة من وزراء الدفاع السابقين تمتعوا بهذا القدر من النفوذ الذي يمارسه رامسفيلد الآن بعد خروجه من حربين ناجحتين في أفغانستان والعراق. يقول إليوت كوهين خبير الاستراتيجيات في جامعة جونز هوبكنز الأميركية ومؤلف كتاب «القيادة العليا» يبدو لي انه في موقف بالغ القوة. قبل عام من الآن ورغم نجاحه في أفغانستان كان رامسفيلد يستجمع لانتقادات قوية في الكونغرس. وحتى بعض الجمهوريين قالوا علناً انهم يشعرون بالسخط من التجاهل الذي يحسون انه يعاملهم به وبالتخوف من نزاعاته مع كبار الضباط. لكنه حين وقف أمام النواب في الكونغرس ليلقي خطاباً يوم 9 ابريل الذي سقطت فيه بغداد، وقف أكثر من 500 نائب ليحيوه بالتصفيق. ويقول الجمهوري جيري لويس الرئيس القوي للجنة المشتريات العسكرية في الكونغرس ان رامسفيلد غير طريقة تعامله مع المجلس. وبعد أن كان الاثنان قد خاضا نقاشاً عنيفاً لتسعين دقيقة في الخريف الماضي، يقول لويس الأسبوع الماضي «علاقتنا أصبحت أفضل بكثير الآن». في حرب أفغانستان عام 2001 كان البنتاغون لا يوفر سوى معلومات قليلة لأعضاء الكونغرس، مما يسبب كما يقول الجمهوري آيك سكلتون. وعلى العكس من ذلك، يقول الآن، ان رامسفيلد طوال الشهر الماضي كان وباقي مسئولي البنتاغون يقدمون ايجازات دورية وعميقة. ويضيف «كانت المعلومات تأتي صباح مساء، أشعر ان رامسفيلد أفضل الآن. قلوب الضباط كما أخذ رامسفيلد أيضاً قلوب المزيد من الضباط الذين كانوا أميل لمقاومة توجيهاته سابقاً. يقول ضابط استخبارات في الجيش «أنا من المعجبين برامسفيلد، لقد وجه ضربة لبعض الضباط الذين لم يكونوا معروفين بتميزهم ووضع ثقة في بعض جنرالاتنا الرائعين حقاً». لقد حول رامسفيلد قيادة القوات المشتركة التي كانت من مؤسسات الصف العسكري الثاني الى وكالته لتغيير القوات المسلحة. وفي العام الماضي عيّن رئيساً لها مساعده العسكري الأدميرال ادموند غيامباستياني، الذي كان قائداً سابقاً لغواصة ويشتهر ببيروقراطيته البالغة، وكلف الآن بمهمة صياغة «دروس حرب العراق»، وهي المهمة التي كان يقوم بها سابقاً كل فرع من فروع القوات المسلحة بنفسه، والتقرير الذي سيقدمه سيصوغ على الأغلب الموازنة العسكرية للعام المقبل، مما جعله عملياً واحداً من أكثر أصحاب النفوذ في القوات المسلحة.كما اختار رامسفيلد ولأول مرة جنرالاً من المارينز هو جيمس جونز ليكون قائداً للقيادة الأميركية الأوروبية، وهو المنصب الذي كان يعطى تقليدياً لضباط الجيش، ولم يمض على تعيين جونز سوى أسابيع حتى بدأ يهز المسرح الأوروبي وفيه حلفاء قديمون، بالحديث عن تخفيضات كبرى في الوجود العسكري الأميركي في ألمانيا وتحريك القوات الأميركية شرقاً الى قواعد جديدة في دول حلف وارسو السابقة. الثعلب الرمادي ان التعيين الثالث فربما يكون الأكثر أهمية، ففي الشهر الماضي أرسل رامسفيلد واحدا من أقرب مساعديه، هو ستيفن كامبون، ليصبح وكيل وزارة الدفاع لشئون الاستخبارات، وهو المنصب الذي شكله بمكتب وحيد يشرف على تنظيم وتخطيط وتنفيذ مهمات الاستخبارات العسكرية. كما ان منصب كامبون الجديد سيشرف أيضاً على مقدرات كانت تتبع سابقاً سلطات أخرى، وأهمها منظمة استخبارية سرية متخصصة في عمليات «الاختراق العميق» الكبرى في الدول الاجنبية، وخصوصاً التنصت على الاتصالات وتجهيز الميدان للعمليات العسكرية السرية، وهذه المنظمة، المسماة حركياً «الثعلب الرمادي»، تمارس عملها بنجاح تحت ادارة مباشرة من مكتب وزير الدفاع. وحين سألنا كامبون عن اعطائه السيطرة على الثعلب الرمادي قال «لن نتحدث عن هذه الأشياء». ويعول مصدر مطلع على الشئون الاستخبارية ان «رامسفيلد على ما يبدو يخوض صراعاً مريراً مع مدير الاستخبارات المركزية لكسب السيطرة على المقدرات الاستخبارية وحتى الآن هو المنتصر في هذا الصراع. وحينما تحدث الرئيس بوش في كلية سانت لويس عن معاني حرب العراق،و لم يشر بالاسم سوى لجزء واحد فقط من القوات المسلحة الاميركية للدور الذي لعبته قيادة العمليات الخاصة، أي القبعات الخضراء وقوة دلتا والقوات الخاصة البحرية وبعض الوحدات الاخرى المختصة في القتال غير النظامي مثل العمليات خلف خطوط العدو والعمل مع محاربي العصابات المحلية. ورامسفيلد هو صاحب الفضل في جعل ذلك يحصل، لقد كانت حرب العراق هي التي شهدت اكبر العمليات الخاصة، حيث نزل الف جندي من قوة دلتا والجوالة في الغرب والف اخرون من القوات الخاصة في الشمال والجنوب، وبعض هذه العمليات فتحت افقا جديدا، فبعض الوحدات التي ادخلت الى العراق انطلقت من بلغاريا العضو السابق في الكتلة السوفييتية، وفي شمال العراق وضعت وحدات مظليون ودبابات من الجيش تحت امرة جنرال من العمليات الخاصة، اما في الجنوب فقد وضعت قوة من العمليات الخاصة تحت امرة جنرالات الجيش. هذه الترتيبات الجديدة تعكس ضغوط رامسفيلد لازالة هذه الحواجز بين فروع القوات المسلحة وجعلها جميعا تعمل معا بقوة هجومية، يقول كامبون «اعتقد ان ما ترونه هو الاستفادة من امكانياتهم، اليوم هناك اشياء ممكنة كانت مستحيلة بالامس. قواعد السلامة تتمتع العمليات الخاصة بصورة هوليوودية عن جنود متفوقين يقتحمون الميدان وسكاكين الصيد بين اسنانهم، لكن رامسفيلد وجد عمليا ان قيادة هذه القوات تعاني من حذر مزمن وقلق دائم ازاء القواعد والسلامة كما تقول مصادر من داخل البنتاغون. وبشكل يعكس هذا الاحباط فقد طلب مكتب رامسفيلد اجراء دراسة سرية لمعرفة اسباب عناد اوساط العمليات الخاصة في مواجهة دفعه لهم لفعل المزيد في مهاجمة القاعدة وغيرها من التنظيما، ويقول احد المصادر ان الدراسة التي اجراها ريتشارد شولتز الخبير في الحرب غير النظامية في اجامعة تافتس توصلت لنتيجة مفادها ان المشكلة الرئيسية هي ثقافة «تجنب المجازفة» التي جعلت قوات النخبة هذه «فيراري لم تخرج من الكراج». ويعمل رامسفيلد المصمم على جعل العمليات الخاصة اكثر فاعلية وفتكا على اختيار رئيس جديد لها، والى جانب ثلاثة مرشحين رئيسيين هناك ايضا من يقول ان رامسفيلد يفكر ايضا باختيار جنرال شاب من الصف الثاني ممن لعبوا دورا بارزا في العمليات الحربية على مدى العامين الماضيين لاحداث تغيير جذري فيها. وايا كان من سيختاره رامسفيلد، يسود اجماع على ان العمليات الخاصة هي المنتصر البيروقراطي في حرب العراق، اذ يقول مسئولو البنتاغون انها ستحصل على دفق جديد من الكوادر البشرية والمزيد من الاسلحة والطائرات والمهمات ايضا. سقطات الأباتشي ونجاح الحرب في العراق ربما لن يحسن علاقة رامسفيلد بالجيش وخصوصا نتيجة للنقد اللاذع الذي لقيته خطة الحرب من ضباط الجيش المتقاعدين، يقول دانييل غور نائب رئيس معهد لكزنفتون للبحوث العسكرية ان «الجيش هو الخاسر السياسي الاكبر في هذه الحرب، وذلك في جزء منه نتيجة لانتقاداتهم رامسفيلد. هذا النزاع قد يكشف عن نفسه قريبا حين تقييم بعض من اهم اسلحة الجيش وهو مروحياته الهجومية، فقد بدأ بضع مسئولي البنتاغون يوجهون اسئلة حادة النبرة حول اداء مروحيات أباتشي الهجومية في الجيش خلال الحرب، واكثر ما يثير اهتمامهم هي معركة 24 مارس التي قامت بها مروحيات اباتشي فوج طيران الجيش 11 بهجوم على قوات الحرس الجمهوري، والتي انتهت بهزيمة المروحيات وانسحابها في مواجهة اسلحة عراقية ضعيفة اسقطت احداها واوقعت اصابات في اكثر من 30 مروحية مهاجمة مما جعلها عمليا توقف العملية وتبدأ بالانسحاب. يقول مسئول في البنتاغون: المروحيات المسلحة ستكون خاسرة جدا على ما اعتقد، ويوافقه لويس على هذا الرأي قائلا: سنتفحص عن كثب اداء المروحيات في الجيش. ويسعى الجيش لدحض هذه المزاعم، ويقول الجنرال ريتشارد كودي رئيس العمليات في الجيش: لا يمكننا اخذ نقاط الضعف الصغيرة هذه لنلقي باللوم على نظام تسلحي بأكمله. ويؤكد الجنرال ديفيد بتراوس قائد الفرقة 101 المحمولة جوا والموجودة الان في بغداد وهي الاكثر اعتمادا على المروحيات من اي تشكيلات اخرى في الجيش، ان الأباتشي وغيرها من مروحيات الجيش قامت بأداء طيب في العراق وحتى خلال قتال المدن، ويقول: رغم ان طيران الجيش لم يقم بالدور المميز الذي توقعناه منه في بعض المهمات، خصوصا في عملية الهجمات الليلية العميقة، فإن مروحياتنا ساهمت بالشيء الكثير واحيانا كان دورها حاسما اثناء القتال. حجم الجيش والى جانب الطيران، هناك خلاف اخر يلوح بين الجيش ورامسفيلد بخصوص عدد الجند، فالكثيرون في الجيش يعتقدون ان 480 الف جندي هم تحت السلاح في الجيش هم قوة صغيرة جدا وخصوصا ان احتلال العراق سيشغل قدرا كبيرا منها. غير ان بعض دعاة التغيير يقولون ان الجيش يجب ان يتقلص ومن وجهة نظرهم لم تعد الحشود تمثل القوة في الميدان لانها وببساطة تشكل هدفا اكبر للعدو. الجدل حول حجم الجيش وغيره ربما سيجد حسمه في مسيرة الاحداث في عراق ما بعد الحرب، الذي اصبح مصير الجيش ورامسفيلد يتعلق بها. يقول كوهين المعجب برامسفيلد: «الكثير سوف يعتمد على ما ستسير عليه حال الاحتلال». ترجمة: جلال الخليل