الاثنين 19 صفر 1424 هـ الموافق 21 ابريل 2003 خالدة صالح واحدة من اليهود القلائل الذين لايزالون في العراق، وهي رغم القصف والدمار الذي لحق ببغداد حيث تقيم ترفض بشدة الهجرة وتفضل الموت في العاصمة العراقية التي لم تغادرها طوال سنوات عمرها الثمانية والثلاثين. تقيم خالدة في المنزل رقم 58 في الشارع 101 من حي البتاوين، وينفتح الباب الذي فتحته بعد تردد كثير على غرفة اسودت جدرانها من الدخان المتصاعد من مدفأة تعمل بالمازوت وتستخدم للتدفئة وللطبخ في الوقت نفسه. ويجلس يعقوب يوسف (70 عاما) خال خالدة على كرسي في الغرفة ويعبر عن دهشته لاهتمام الصحافيين بأفراد طائفته. أما نضال شقيقة خالدة رفضت الظهور أمام الصحافي الغريب وفضلت حبس نفسها في غرفة مجاورة رافضة الوقوف امام عدسات المصورين. وبلهجة عراقية، يقول العجوز يعقوب انه تقاعد قبل سنوات عدة بعد ان عمل تاجرا في وسط بغداد. وقالت خالدة وهي تشير بأصبعها الى لوحة شديدة النظافة بعكس الحائط المعلقة عليه «انظروا انه اسم الجلالة بالعبرية». وتقوم بتحريك الطعام فوق نار المدفأة وهي لا تتوقف عن الكلام بينما تتجول بضع دجاجات على مقربة منها. واضافت خالدة «نحن أحرار في تحركاتنا وصدام كان يعطي كلا منا نحو 40 الف دينار شهريا (20 دولارا) كما كنا نستفيد من الحصص الغذائية» التي كانت توزع على السكان بعد الحظر الاقتصادي الذي فرض على العراق. وكان من الصعب معرفة ما اذا كانت هذه المرأة المفعمة بالحيوية تتكلم فعلا بما يجول في خاطرها أم انها اعتادت على ترديد هذا النوع من الكلام منذ ايام صدام حسين. وردا على سؤال حول ما اذا كانت ترغب بالهجرة الى اسرائيل او الى بلد آخر قالت «لا أريد الرحيل اريد ان اموت في العراق في بلدي». وتقول خالدة وخالها انهما توقفا عن الصلاة في الكنيس المجاور منذ وفاة آخر حاخام قبل سنوات عدة. ولم يسمح لعدد من الصحافيين بينهم مراسل وكالة «فرانس برس» بزيارة الكنيس السبت. ويروي يعقوب يوسف ان اخر افراد اسرته غادروا العراق في التسعينيات الى بريطانيا وهولندا وانه فقد اي اتصال بهم بسبب صعوبة الاتصالات. ويؤكد جيران مسيحيون انهم تعايشوا من دون مشاكل مع جيرانهم اليهود. وتقول أم نبيل التي تقيم في منزل مجاور لمنزل خالدة صالح «لم تحصل أي مشكلة معهم منذ قدموا الى السكن هنا قبل 13 سنة». واضافت «بامكاني القول ايضا انهم كانوا افضل حالا منا لأنهم كانون يتلقون ايضا مساعدات غذائية من الكنيس اليهودي». وعلى الجانب الاخير للطريق تؤكد أم حكمت المسلمة انها لم تعرف ان جيرانها يهود الا قبل عامين. وقالت «كنا نتبادل التحيات من دون الدخول في التفاصيل». ويقول مهدي صالح الذي كان مكلفا بكل الاجراءات الادارية المتعلقة باليهود العراقيين ان عدد هؤلاء كان نحو ألف و460 عندما تسلم وظيفته قبل 15 عاما. واضاف «لم يبق منهم حاليا سوى نحو خمسين وبعضهم تمكن من مغادرة البلاد والبعض الآخر توفي» موضحا ان أجهزة الأمن العراقية في عهد صدام حسين كانت «تراقب اليهود عن كثب». وخلال هذه الفترة اقفلت المدرسة اليهودية الوحيدة أبوابها بسبب عدم وجود طلاب وتوفي زعماء الطائفة الواحد تلو الآخر وكان بينهم الاطباء والمهندسون والتجار الكبار حسب ما يشرح مهدي صالح. وبدأت اول هجرة ليهود العراق في العام 1948 مع قيام اسرائيل ثم تسارعت بعدها مع الحروب المتكررة بين العرب واسرائيل. أ.ف.ب
