الاحد 18 صفر 1424 هـ الموافق 20 ابريل 2003 في أول حوار صحفي منذ شن الحرب الاميركية البريطانية على العراق كشف توني بلير رئيس الوزراء البريطاني لصحيفة «ذي صن» امس الاول اسرار الساعات الاكثر سوادا خلال الايام العشرة الاولى من الحملة العسكرية التي جوبهت بمقاومة عراقية باسلة، وكيف انتابه الشعور بالخوف بفقدان منصبه. وابدى بلير شعوره بالبهجة وهو يتابع سقوط نظام صدام حسين معتبرا ان ذلك كان شيئا عظيما عندما اسقط تمثال الديكتاتور البرونزي في بغداد، وقال ان منصبه كرئيس للوزراء كان على المحك معترفا بأنه كان مستعدا لفقدان موقعه لو هزمت القوات وفقد الاغلبية في مجلس العموم. وفتح بلير قلبه للمحرر السياسي لصحيفة «ذي صن» تريفور كافاناه وهما يجلسان في حديقة الورود في 10 داوننغ ستريت مقره الرسمي بوسط لندن معترفا بأن الغضب انتابه من جاك شيراك الرئيس الفرنسي متهما إياه بتعريض القوات البريطانية للخطر وتخريب التحرك الاميركي في الامم المتحدة ضد العراق مستعيرا نفس العبارات الاميركية. ووجه بلير انتقادات عنيفة للنائب العمالي جورج جالاوي مهددا بتأديبه على تصريحاته المخزية المعارضة للحرب، واقر بأنه لا يعرف اين صدام حسين الرئيس العراقي المخلوع لانه لا يمتلك معلومات مخابراتية تاليا نفس حوار بلير مع «ذي صن». أعددنا الاستقالات قبل اجتماع العموم وفتح رئيس وزراء بريطانيا قلبه للمرة الاولى وتحدث عن الكيفية التي كفل بها الدعم الذي لقيه من ان يخوض غمار الامر بكامله. وكشف النقاب عن انه كان قد خول مسئولي الـ «وايت هول» ان يعدوا كتاب استقالته قبل النقاش المحتدم الذي شهده مجلس العموم البريطاني في الشهر الماضي. وقد جازف بلير عند احد المنعطفات، بينما كان المتمردون في حزب العمال الذي ينتمي اليه رئيس الوزراء البريطاني يدعوني الى اختيار زعيم جديد للحزب جازف بأن يفقد منصبه. وصرح بلير لـ «صن» بقوله: كان من الممكن على الدوام ان يكون المرء في هذا الموقف، ولكن المسألة الجوهرية هنا هي ان بعض الناس سيمضون الى الميدان ويلقون حتفهم نتيجة للقرار الذي اتخذه، وفي نهاية المطاف فإنك اذا فقدت رئاسة الوزراء، فإنك تفقدها وتفقد معها الكثير، ولكن بالنسبة لي كان مصدر عزائي انني اذا فقدتها فإنني افقدها بسبب شيء اعتقدته وتمسكت به، واسوأ الاشياء بالنسبة لشخص في وضعي هو ان ينتهي به الامر بفقدان منصبه من جراء شيء لا يؤمن به حقا. رضيعي «ليو» لم يتأثر بالأزمة قال رئيس الوزراء البريطاني: من اعظم الامور ان هذا كله لم يمس طفلي الصغير «ليو» بالمرّة، وهذا شيء صحي للغاية بالنسبة له. ولكن ابناءه الثلاثة الاخرين كانوا قلقين في انه ربما يفقد في القريب العاجل منصبه. قال: كان ذلك واردا في الصحف كل يوم، وبالتالي كانوا يدركونه، نعم لقد استبد بهم القلق وقد جلست معهم في احدى المراحل واوضحت لهم ان هذا الامر سيكون صعبا للغاية، وان الظروف ربما تنقلب ضدي، لقد كانوا مؤيدين حقا لي وكانت عائلتي كلها كذلك. واوضح رئيس الوزراء البريطاني ان مصدر القلق الرئيسي بالنسبه له كان حرصه على سلامة قواته التي يرسلها لتخوض غمار المعارك. وقال في هذا الصدد: ان ما وجدته ضاغطا على الاعصاب حقا فيما يتعلق بهذا الموقف هو ان المرء يتخذ قرارا من شأنه ان يؤثر على حياة الناس بكاملها، وفي بعض الحالات سيسفر عن موتهم». وقد علم بلير بسقوط الخسائر الاولى لبريطانيا في الحرب من جراء سقوط طائرة هيلوكبتر قرب البصرة في ساعة مبكرة في فجر العشرين من مارس الماضي. وقال عن ذلك: ساورني شعور بالغ السوء حيال ذلك، وغمرني حزن عميق، ولكن ذلك لم يؤثر على اصراره وتصميمه على ازاحة صدام. واوضح رئيس الوزراء البريطاني الامر بقوله: فإن تتخذ ذلك القرار حتى تمضي به الى النهاية. ويضيف: لقد لقيت دعما رائعا من الكثيرين من القوات المسلحة، وتلقيت رسالة من والد احد المشاركين في الحرب في البداية، وحملت هذه الرسالة دعما قويا لي، ثم كتب لي مرسلها بعد ان قتل ابنه في الحرب يقول ان ذلك كان امرا رهيبا، لكنه اضاف: «مازلت اعتقد ان شن هذه الحرب هو الامر الصواب». واقر بلير بأن الجدل مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك حول الامم المتحدة وكذلك الجدل مع اعضاء البرلمان العماليين كان امرا مرهقا ومجهدا للغاية، لكنه شدد على ان هذا كله لم يؤرقه ويحرمه النوم. قال: ما ان اتخذت القرار الذي اعتقدت انه قرار صائب، حتى اصبحت انام قرير العين على امتداد تلك المجادلات والاختلافات التي خضت غمارها، وقد وجدت ان المحبط للغاية في الغريب تماما في بعض الاحيان ان يقف عدد كبير من الناس ضد شيء بدا لي مبدئيا وصوابا على نحو جلي للغاية. وعندما تكون في مثل موقفي فإن ما يقال في شأن كل هذه الأمور هو احساسك بتحمل المسئولية الكاملة عن قرار حياة الكثيرين وموتهم وهذا أمر يقل كثيراً على ذهن المرء. أي ان القرار الذي تتخذه سيؤثر على حياة الكثيرين ويغيرها للأبد. بل ان حياة البعض ستنتهي. انتابني الخوف على الأسرى واعترف بلير بأنه شعر بغضب شديد من جراء التقارير التي أفادت ان اثنين من الأسرى البريطانيين ربما تعرضا للاعدام، وهو يقول بهذا الشأن: أحسست بالغضب فيما يتعلق بذلك الأمر. لكن هذا من شأنه أن يضاعف تصميمك واصرارك، وكشف النقاب عن انه قد أصبح قوي الأعصاب وصارماً في موقفه بعد أن قاد بريطانيا الى الحرب في كوسوفو وفي سيراليون وأفغانستان، والآن في العراق. وعبر عن ذلك بقوله: ان يزيد صرامة. ويتابع لكن الشيء الوحيد الذي يثقل عليك بمعنى انه يدفعك للشعور بأنك مستعد لوضع حياتك العملية ومنصبك على المحك وهو حياة الناس الذين يتأثرون بقراراتك وموتهم. فأنت تعرف انه في نهاية المطاف، في شأن قرارك وحده أن يعرض توليك لرئاسة الوزراء للخطر. ومن جديد، أقر بلير انه شعر بالغضب الشديد من الرئيس الفرنسي جاك شيراك لتعريضه القوات البريطانية للخطر بتخريبه للتحرك في الأمم المتحدة ضد العراق. وقد ذكّر بلير شيراك في خطاب بارز قبل القتال بالدين الذي يطوق عنق فرنسا من جانب الولايات المتحدة في حربين عالميتين. وذهب بلير الى القول ان رفض فرنسا دعم التحرك في الأمم المتحدة قد عرض حياة القوات البريطانية للخطر. وقد قال في هذا الشأن: آثار ضيقي تماماً تطور الأمور في الأمم المتحدة ولو ان الأمم المتحدة كانت قد وجهت انذاراً قوياً وموحداً لصدام، لكان من الممكن أن نتجنب الصراع. لكن بلير قال ان بريطانيا ممتنة لحلفائها في الاتحاد الأوروبي الذين وقفوا ضد فرنسا وألمانيا في المعركة على رأي العام العالمي. فقد واجه رئيس الوزراء الاسباني خوزيه ماريا ازنار موجة عارمة من المعارضة للحرب. وقال بلير: عند أحد المنعطفات اتصل بي ازنار هاتفياً ليقول لي انه لم يعد يحظى إلا بتأييد 4% من الشعب الاسباني، وقد رددت عليه بالقول: أمر مدهش فهذا العدد أقل بكثير من عدد من يعتقدون ان إلفيس برسلي لايزال على قيد الحياة. وأشار بلير الى ان جورج غالاواي عضو مجلس العموم البريطاني المؤيد للعراق قد ووجه بموقف صارم لدعوته العرب لرفع السلاح وقتل الجنود البريطانيين. وهتف بلير غاضباً: لقد كانت تصريحاته مخزيه وخاطئة وحزب العمال لديه قواعد خاصة للتعامل مع تلك الحالة. وسوف تقوم اللجنة التنفيذية للحزب بالتعامل معها. ولن أجلعه يبدو شهيداً، وانه يتعين أن ينظروا في حالته من منظور أعضاء حزب العمال العاديين، حيث استبد الغضب الشديد بالناس. البث التلفزيوني للقصف سبب صدمة وقد تابع بلير مشاهد القصف بأسلوب الصدمة والترويع لبغداد أثناء عمله حتى وقت متأخر من الليل في 10 داونينغ ستريت. وقال: كنت أعمل في ذلك الوقت، وشاهدت الصور حتى وقت متأخر من الليل، ولكنني لم أكن محتاجاً لرؤيتها كي أدرك ما يجري. وصدق أو لا تصدّق فإنني لم أجلس خلال هذه المسألة برمتها متجمداً أمام التلفزيون، وانما تبنيت وجهة النظر القائلة انني يجب أن أعرف ما يجري بدلاً من مشاهدته على الشاشة، ولست بحاجة لرؤية القنابل لكي أعرف ان هناك قنابل تسقط ولا أعلم بالنتائج المترتبة على ذلك. فأنا أكثر اهتماماً بتلقي التقارير عن دقة اصابة الأهداف. لأننا كنا حريصين على جعل عدد الضحايا المدنيين في الحد الأدنى. وأقر بلير بأن الصور التلفزيونية للقصف أعطت انطباعاً داعياً للشعور بالصدمة لدى العالم الذي شاهد هذه الصور. لكنه شدد على ان الكثير من الأهداف تم تدميرها دون الحاق الضرر بالمباني المحيطة بها. وقال رئيس الوزراء البريطاني: ان هذه الأسلحة تتمتع بدرجة عالية في الدقة أكبر بكثير من أي أسلحة عرفناها في السابق. ولكن ليس هناك معنى لمحاولة الادعاء بأن الحرب ليست فظيعة وانها لا تترتب عليها نتائج فظيعة على حياة الناس، وبعض هذه النتائج لا تقصدها، فالرأي العام البريطاني يعرف ان الحرب مسألة قذرة. شراكتي مع بوش قوية ورفض بلير المزاعم التي تقول انه اضطر لارغام الرئيس الأميركي جورج بوش على السعي للحصول على تأييد الأمم المتحدة للتحرك العسكري. وقال في هذا الشأن: ان شراكتنا هي شراكة قوية وهناك نقاش مفتوح بيننا، ولكن البعض يحددون هذه العلاقة كما لو انني أتقدم بسلاسل في المطالب لجرّ أميركا الى طريق بعينه. والأمر ليس على هذا النحو. ونفى كذلك ان القوات الحليفة تقف على استعداد الآن للقيام بتحرك عسكري ضد سوريا، وقال مشدداً: اننا لن نغزو سوريا ولن نضعها في وضعية الهدف المقبل. وقال انه لا يعرف أين صدام الآن، وما اذا كان حياً أو ميتاً. وأضاف: لو انني كنت أعرف، لقلت لكم. ان الناس يعتقدون ان لدي معلومات استخبارية تحمل الاجابة عن هذا السؤال، ولكنني ليست لدي مثل هذه المعلومات. ورداً على السؤال حول الخسائر في الحرب، قال رئيس الوزراء البريطاني: ان الحرب ليست لعبة، وانها هي تعني ان لحظات من الحزن والقلق لابد أن تحل بك، لكن لا ينبغي أن تتحول هذه اللحظات الى يأس، فأنت قد أخذت على عاتقك أن تحسم مسألة حياة أو موت. وهذا الأمر يظل متابعا لك على الدوام. وانني أعتقد اننا سنجد أسلحة دمار شامل في العراق. ويقول توني بلير انه بدأ يشعر بوطأة سنوات العمر على كاهله وذلك قبل أيام من الاحتفال بعيد ميلاده الخمسين في السادس من مايو. ويقول في هذا الشأن معترفاً: انني لا اتطلع الى أن أكون في الخمسين من عمري، فهذا العمر يبدو بالنسبة لي متقدماً للغاية. ترجمة علي محمد
بلير يفتح قلبه للمحرر السياسي لصحيفة «ذي صن»: شيراك ضرب التحرك الدولي وسأعاقب جالاوي «المخزي»، لا أعرف أين صدام وليس لدي معلومات مخابراتية
