الخميس 15 صفر 1424 هـ الموافق 17 ابريل 2003 كشف يفجيني بريماكوف رئيس الوزراء الروسي الاسبق عن اسرار مهمته السرية في بغداد ولقائه مع صدام حسين الرئيس العراقي في محاولة لاقناعه بالتنحي لتجنب الحرب على العراق. وقال بريماكوف لصحيفة الشرق الاوسط انه رفض مقابلة طارق عزيز نائب رئيس الوزراء قبل اجتماعه الى صدام. واضاف ان صدام سجل في مفكرته ما قاله له حول ضرورة التنحي، وان عزيز زعم له انهما سيلتقيان بعد عشرة اعوام وان الروس سوف يعرفون ساعتها ان «الرئيس» كان على حق! وقال بريماكوف استقبلني احد الوزراء الذي ابلغني بأن طارق عزيز نائب رئيس الوزراء يريد اللقاء معي، لكنني رفضت، وليس لانني لا اريد رؤية طارق عزيز بل لانني لم اكن اريد الكشف عن مهمتي، وكان من المتوقع بطبيعة الحال ان يسألني عن مهمتي والهدف من زيارتي، وهو ما كان متوقعا ان ينلقه فيما بعد الى صدام حسين ما يجرد الموقف من عنصر «الاثارة» والمفاجأة، ولذا كان من المطلوب ان اصر على اللقاء شخصيا مع صدام حسين. هنا بدأت المشاورات والاتصالات التليفونية حيث سرعان، وبعد نصف ساعة، ابلغوني بأن صدام حسين ينتظرني. واضاف استقبلني صدام في احد قصوره. آنذاك طلبت ان القاه وحده حيث كان موجوداً معنا طارق عزيز ورئيس البرلمان سعدون حمادي. واستجاب صدام وطلب منهما الخروج. وحين صرنا وجهاً لوجه ولا أحد غيرنا سوى المترجم الذي حرصت على اصطحابه من موسكو دون ابلاغه او ابلاغ السفارة بمضمون او هدف المهمة، ابلغت صدام انني مكلف من الرئيس فلاديمير بوتين بابلاغكم ما يلي: اننا على يقين من انكم تحبون شعبكم وبلادكم ما يقتضي من جانبكم التفكير في حتمية وقوع الضربة ضد العراق. واعتقد ان الامر يستحق منكم اتخاذ قرار التنحي عن منصبكم كرئيس للدولة واعلان قرار اجراء الانتخابات الديمقراطية في العراق. وكان آنذاك يسجل كل ما اقوله في مفكرة (بلوك توت) بنفسه فلم يكن هناك سواي والمترجم. آنذاك وحين شاهدته يسجل كل ما اقوله راودتني فكرة طيبة المضمون تتلخص في احتمالات ان يكون ما نطرحه من اقتراحات يلقى القبول لديه. وكنت على يقين انه لو فعل ذلك لتوصلنا الى الحيلولة دون الحرب في العراق. لكنه سرعان ما فاجأني بسؤاله حول ما اذا كنت استطيع تكرار ما قلته له في حضرة طارق عزيز وسعدون حمادي. واذ اجبته بالايجاب طلب دخولهما. وحين دلفا الى القاعة دخل في اثرهما ثالث في زي عسكري سارع صدام يأمره بمغادرة المكان. واعدت على اسماع عزيز وحمدون ما قلته لصدام حسين مؤكداً ان ذلك يهدف الى تفادي الضحايا والدمار. واوضح بريماكوف ان صدام سأله مستنكرا ألم تقولوا لي خلال حرب الكويت: اذا سحبت القوات فلن تقوم الحرب؟ واجابه بريماكوف: صحيح، لكنكم جعلتم موسكو تنتظر القرار اربعة ايام، ولم يبلغنا طارق عزيز زاعما انه لا يملك التفويض، وانتهت مدة الانذار الاميركي. ويواصل طارق عزيز حديثه، هنا تدخل طارق عزيز قائلا: ان رئيسنا يعرف جيدا ابعاد الموقف، ويقدر الاوضاع خير تقدير». حينئذ نهض صدام حسين من مقعده ليربت على كتفي مغادرا القاعة ودون اي تعليق. اما طارق عزيز فقد سارع ليقول:لعلنا سنلتقي بعد عشر سنوات، انكم ستعلمون بعد عشر سنوات من كان منكما على حق، رئيسنا ام انتم! «عشر سنوات» قال وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة تغني عن اي تعليق. لقد سبق وقلتم انكم ابلغتموه بضرورة الالتزام بقرارات مجلس الامن ودعم عمل المفتشين، ـ ان هذا هو الشق الثاني من الحديث الذي بدأته بالمهمة الرئيسية المناطه بي وهو ابلاغه بضرورة التنحي عن منصب الرئيس بوصفه الخطوة الوحيدة التي يمكن ان تسفر عن انقاذ العراق. اما الشق الثاني فيتعلق بضرورة عدم الحيلولة دون عمل المفتشين وهو ما لم يكن يبدو مهتماً به. ونحن نعلم انه نفذ الكثير، وضمنا تصفية الصواريخ التي يزيد مداها عن 150 كيلومتراً. عند هذا الحد انتهت مهمتي. بعد ذلك قام ايغور ايفانوف وزير الخارجية بابلاغ مضمون هذه المهمة الى الامين العام لجامعة الدول العربية صديقي عمرو موسى. وحول الحالة الصحية لصدام قال بريماكوف لقد كان بصحة جيدة. لم تكن تبدو عليه أي آثار لتعاطي كحوليات او مخدرات. لقد كان في كامل وعيه ويتسم بهدوء شديد فيما بدا بالغ الثقة بنفسه، على عكس طارق عزيز الذي كان ملولا بعض الشيء، ما جعلني افكر.. من اين له كل هذه الثقة؟ هل يجهل حقاً ما ينتظره، ويظن انه من الممكن في اللحظة الاخيرة وقف كل شيء؟ واستبعد بريماكوف وجود خيانة وراء سقوط بغداد وقال اية خيانة؟ لو كان هناك خونة لظهروا اليوم، ولحظيوا من جانب الاميركيين بالكثير من الثناء والدعاية، ربما بوضعهم ممثلي القيادة الجديدة في العراق. ان الاميركيين لا يتحدثون اليوم سوى عن ممثلي المعارضة في الخارج الذين يظهرون من آن لآخر فيما لا يظهر احد من داخل العراق. ولربما يكشفون النقاب فيما بعد عمن كان يعمل معهم.. لست ادري، ان ذلك يظل مفاجأة لي كما بالنسبة لكم وللآخرين في العالم العربي وفي روسيا.وكالات