الثلاثاء 13 صفر 1424 هـ الموافق 15 ابريل 2003 يتابع اهالي شارع الدقي ـ القريب من وسط العاصمة المصرية القاهرة ـ انباء الحرب الامريكية على العراق باهتمام كبير، ربما أكثر من غيرهم، وبالأخص أنباء الرئيس العراقي صدام حسين، جارهم القديم، والذي أقام بينهم أربع سنوات كاملة ـ من سنة 1959 إلى 1963 ـ حملت الكثير من الذكريات، فمن المقاهي التي كان يفضل الجلوس عليها مع «شلة» محدودة من الأصدقاء، إلى البيت الذي أقام فيه في شارع سليمان جوهر المتفرع من شارع الدقي، غير الزمن كثيرا من معالم المكان.. بل طالت يد الزمن أغلب من عاصروا «صدام» وقت اقامته في المنطقة. «البيان» ذهبت الى هناك، فوجدنا «البيت» وقد حلت محله بناية شاهقة، يقيم فيها سكان جدد لا يذكرون شيئا عن صدام، ولما سألنا «الجزار» المجاور للعمارة وعمره (40) عاما عما يعرفه عنه قال: سمعت انه كان يسكن هنا.. لكني لم أره. انتقلنا الى المبنى السابق لرابطة الطلاب العراقيين والذي تحول هو الآخر الى عيادة طبية، هناك قابلنا سعيد عبدالرحيم (30) سنة أحد الجيران وصاحب سوبر ماركت. قال ان مايعرفه عن صدام هو روايات واخبار من اصدقائه القدامى مثل الدكتور لويس نجيب صاحب ومدير صيدلية سميرا ميس، والمرحوم على الذي كان يعمل في الصيدلية.. كانت الحرب هي شاغل سعيد الاول طوال الأيام الماضية ولأنه استمع الى الكثير من الدكتور لويس عن صدام، سأله.. هل يمكن ان يعقد صدم صفقة مع أمريكا ويغادر العراق؟.. رد د.لويس: من معرفتي بصدام هو لا يفعل ذلك.. اجتر سعيد ذكريات سمعها من «عم علي» العامل بالصيدلية عن صدام، فقال: قال لنا عم علي ان صدام غادر القاهرة فجأة عام 1963 مما أغضب أصدقائه، خاصة وأنه كان مدينا لبعضهم بمبالغ مالية، لكن كما اختفى فجأة ظهر أيضا فجأة سنة 1968 في قمة السلطة في بغداد كأحد أهم كوادر «حزب البعث» العراقي. ويضيف سعيد ان صدام وقتها وصل اصدقائه القدامى وسدد ماعليه من ديون، بل وجعل من شارع الدقي بندا رئيسيا خلال زياراته المتتالية للقاهرة.. ويؤكد سعيد أن «صدام» كان يتابع دوما أخبار اصدقائه في القاهرة، حتى انه دعاهم جميعا لزيارة العراق اثناء الاحتفال بتحرير شبه جزيرة «الفاو» خلال الحرب العراقية الايرانية، وهناك تم استقبالهم كرؤساء دول. أرشدنا سعيد الى مقهى ومطعم «انديانا» الموجود في اول شارع الدقي، حيث كانت جلسة صدام المفضلة مع رفاقه.. مثل الكاتب الصحفي محمود السعدني، والكاتب والروائي ابراهيم الورداني وغيرهما، ولم نجد بالمقهى من عاصر تلك الأحداث.. لكنهم أرشدونا الى الحاج مرسي منصور.. وهو سمسار عقارات بالمنطقة وأحد شهود العيان على جلسات صدام في مقهى انديانا، والذي قال: لم تخل جلسات صدام حسين من المشاجرات والمشاحنات بسبب تعصبه لأرائه ومبادئه مماجعل الكثيرون يتحاشون التعامل معه، وأنا منهم ـ والكلام مازال للحاج مرسي ـ لكن ذلك لا يمنع القول بأن صدام كان وفيا لاصدقائه، لين الجانب معهم، وعندما سألنا الحاج مرسي عن اصدقاء صدام قال ان المرحوم جلال الحلاق كان صديقا شخصيا لصدام، وكان صالونه مكانا مفضلا لصدام، لكن الصالون تحول الآن الى «مقلة لب» - أي محل لبيع اللب والفول السوداني. وأرشدنا الى ابناء «الاسطى جلال» في مقهى بوسط ميدان الدقي، وإستقبلنا محمد الابن الأكبر.. لكنه أكد انه لم يشاهد صدام حسين ابدا، بالرغم من كونه صديقا شخصيا لأبيه، وأضاف: كان صدام زبونا دائما في «صالون مترو» الذي كان يمتلكه والدي، وسبق أن دعا أبي لزيارة العراق عند تحرير «الفاو» ومن النوادر التي يرويها محمد جلال نقلا عن والده اهتمام صدام حسين الزائد بتهذيب وتصفيف شاربه اكثر من تصفيف شعره. مقهى ثان كان يرتاده الرئيس العراقي هو «مقهى البرلمان» في ميدان العتبة بوسط القاهرة، ولأكثر من ساعتين بحثنا عن المقهى دون جدوى.. وفي النهاية أخبرنا عجوز أن المقهى تحول منذ سنين طويلة الى محل للأدوات الكهربائية، سألنا عن قدامى العاملين في المقهى فوجدنا رجلا تخطى السبعين من عمره، يجلس دائما امام محل الأدوات الكهربائية، يدعى «عم عبدالله».. قال: أتذكره جيدا.. فقد كان زبونا لدينا، وهو شاب منطوي قليل الكلام.. لكنه كان مميزا بلهجته العراقية وسرعة غضبه. كان صدام حسين يرتاد ـ أيضا ـ مقهى «ريش» الشهير في شارع طلعت حرب بوسط القاهرة، وهو المقهى المفضل لكثير من مفكري مصر وادبائها أمثال نجيب محفوظ، يوسف السباعي، يوسف أدريس، أمل دنقل، وغيرهم من الادباء والشعراء السياسيين. وكان هذا في زمان ولى، مثلما ولت أيام صدام حسين. القاهرة ـ ناصر حجازي: