الخميس 8 صفر 1424 هـ الموافق 10 ابريل 2003 بات من الصعوبة أن نصف عمليات السلب والنهب التي تجري في شوارع العاصمة العراقية بغداد وفي مدينة البصرة ثاني أكبر المدن العراقية أنها مجرد «أعمال شغب من تدبير وتنفيذ قلة صغيرة، منحرفة ومندسة وسط الجماهير»، فقد أصبح من الواضح ان الخطة العسكرية الأميركية ـ البريطانية ـ التي كانت تهدف منذ البداية الوصول إلى هذه النتيجة، باعتبارها الوسيلة الأكثر سهولة للإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين وسلطته وليس حرب الشوارع أو احتلال المدن العراقية أو مواصلة القصف الجوي والمدفعي للمدن العاقية إلى ما لا نهاية، قد نجحت! قبل بداية الحرب بعدة أشهر، نشرت وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي.آي.ايه) عملاءها في العديد من المدن العراقية تحت مسميات مختلفة، ومعظمهم تسلل الى البلاد عبر المنافذ التي يسيطر عليها الأكراد في شمال العراق، وكان الدور الرئيسي المطلوب منهم هو تهيئة الأوضاع الداخلية لقيام تمرد من جانب الشعب العراقي علي حكومته، من جانب كبار القادة العسكريين ضد القيادة الأعلي، أي صدام حسين نفسه. واعتمدت القوات الأميركية منذ الأيام الأولى للحرب على الحرب الدعائية التي قامت على بث الأخبار والموضوعات التي تشير الى خروج المدن العراقية الرئيسية عن سيطرة النظام العراقي الأمنية، رغم أنها لم تكن قد سيطرت عليها بالفعل، وعندما كان محمد سعيد الصحاف وزير الإعلام العراقي يتحدث بزهو عن عدم صحة ما يقال عن استيلاء القوات الأميركية أو البريطانية على المدن العراقية الرئيسية، بداية من أم قصر وشبه جزيرة الفاو، أو عندما كان يقول إن القوات الغازية لا تسيطر على أي مدينة عراقية بالكامل، لم يكن يدرك أن القوات الغازية خططت لما هو أكثر سهولة وأخطر من مجرد احتلال المدن. والدليل الذي يؤكد أن القوات الغازية خططت لإحداث قلاقل في المدن العراقية منذ بداية الحرب، هو أن قائد القوات البرية البريطانية التي كانت تحاصر البصرة قال للصحفيين أثناء الحصار إن قواته لا تتعجل الآن اقتحام المدينة، بل لا تسعى الى السيطرة عليها كهدف أساسي! ودعم هذا الكلام أيضا ما قاله دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي من واشنطن في اليوم نفسه لتصريح القائد البريطاني من أن القوات الغازية لا يمكنها الآن مساعدة أي حركة تمرد داخل البصرة إلا بعد أن يسمح وضعها بذلك، وكان بذلك يقصد أن تكون الأوضاع الأمنية قد انهارت بالشكل الذي يسمح لهذه القوات بدخول المدينة بسهولة ويسر ودون خسائر. ولأن أحدا من سكان المدن العراقية لم يتمرد، بل إن الجميع اشتركوا تقريبا في المقاومة واستمروا في الهتاف بحياة صدام، إلا أن سياسة الحصار والتجويع التي اتبعتها القوات الأميركية والبريطانية حول المدن العراقية الرئيسية هي التي سمحت بتحقيق هذه النتيجة، فلا يمكن لمدنيين يعانون نقص المياه والكهرباء والأمان أن يستمروا في ولائهم للسلطة التي تحكم المدينة وهي بهذا الحال، فكان انقلابهم في النهاية على السلطات الحاكمة عندما وجدوا أن الأمور لم تعد مستتبة في أيدي حزب البعث الاشتراكي كما جرت العادة. وسياسة الحصار والتجويع وإحراج السلطات المحلية من أجل إسقاطها هي استراتيجية إسرائيلية بحتة اتبعتها قوات الاحتلال، بنجاح للأسف، في حصارها للمدن والقرى الفلسطينية في فترة الانتفاضة الحالية، وعندما صمد سكان مخيم جنين في الضفة الغربية لفترة طالت عن المتوقع، لجأت قوات الاحتلال الى البديل الثاني، وهو الاقتحام وارتكاب المذابح الجماعية بحق سكان المخيم، وكانت القوات الأميركية والبريطانية على وشك اللجوء الى سياسة المذابح في البصرة والنجف وكربلاء وبغداد بالفعل لو استمر تكاتف المدنيين مع القيادة الأمنية والعسكرية لفترة أكثر من ذلك. القاهرة ـ هاني عسل: