الخميس 8 صفر 1424 هـ الموافق 10 ابريل 2003 مثلما استقطب صدام حسين شيوخ العشائر الى صفه بعد عداء مؤقت تسعى القوات الاميركية والبريطانية الى استمالتهم في صفها مرحليا لحين طهي الحكومة الانتقالية، على نار هادئة وان استغل شيوخ العشائر الظرف لضرب عصافير النظام العراقي كلها بحجر اميركي واحد وللقصة تاريخ طويل اذ لم تكن علاقة النظام العراقي بالعشائر صالحة دوما للتعميم الإيجابي فالنظام الذي يرتكز على عقيدة البعث الايديولوجية، كان يرى في « العشائرية » نقيضا، وخصما غير مرئي، لذلك ذهب منذ منتصف السبعينيات إلى ضرب الانتماء العشائري وتحجيم نفوذ شيوخ العشائر، ووصل الأمر به إلى حد إصدار المراسم الجمهورية التي تقضي بإسقاط اسم العشيرة من أي اسم أو معاملة أو مسئولية رسمية أو حزبية أو عسكرية . النظام نفسه عاد بعد حرب الخليج الثانية إلى إعادة الاعتبار للنفوذ العشائري، وبدأ شيوخ العشائر يتمتعون بصلاحيات وامتيازات كبيرة، تفوق في بعض الأحيان نفوذ المحافظين والمسئولين الرسميين لأجهزة الدولة والحزب . مراقبون في العاصمة العراقية، ومسئولون عراقيون، رأوا في مثل هذه الخطوة اعترافا بفشل أجهزة الحزب والدولة في السيطرة على أبناء العشائر، وفشل في كسب ولائهم للنظام بشكل عام، ولصدام حسين بشكل خاص، فالعشائر لها قوانينها المتوارثة التي لا يمكن تجاوزها رغم كل الظروف، وتدخل في باب الدم والعصبية والشرف والاخلاق والولاء . من هنا اعتقد النظام العراقي أن شيوخ العشائر هم مفاتيح القوة، وان سعيه لكسب ولاء هؤلاء هو مقدمة لكسب ولاء أبناء العشيرة، فقد أغدق عليهم بالهدايا والمكرمات، ومنحهم الكثير من الصلاحيات والامتيازات، وأعطى لقوانينهم العشائرية سلطة القوانين المدنية، ومثلما كان هؤلاء الشيوخ والوجهاء يأتون للقصر الرئاسي في مناسبات متباينة، كان الرئيس يذهب إلى مضاربهم أيضا، وكان يتحدث معهم باللغة التي يفهمون معناها، وبالمنطق العشائري الذي يدفعهم لإعلان ولائهم له . لذلك لم يكن غريبا أن يتميز دور هذه العشائر في مواجهتهم للقوات الأميركية البريطانية، ولم يكن من السهل اختراقهم من قبل أطراف المعارضة أو قوات الحلفاء، لأن ذلك يعني نقض العهود، وهي عادة عشائرية مذمومة . الأميركيون والبريطانيون الذين خبروا موقف هذه العشائر وحجم مقاومتها لهم، لم يذهبوا إلى استعدائها، ولم يعلنوا عن معاقبتها، بل هم الآن يعملون لاستدراج شيوخها ووجهائها إلى صفوفهم، لعلمهم اليقيني أن قرار الشيوخ والوجهاء هو الأكثر قبولاً وتأثيراً في مدن الجنوب العراقية. القوات الاميركية والبريطانية تعيد السيناريو الذي وضعه النظام منذ أكثر من ثلاثة عشر عاما، ولكن بصورة مختلفة هذه المرة، وربما بامتيازات أقل وبصلاحيات أدنى، فهذه القوات لا تريد مواجهة العشائر بنفسها، وهي لا تريد أن تفرض عليها أحدا غريبا، خاصة في هذه المرحلة، التي تحتاج فيها للهدوء ولبسط سيطرتها على الأرض والسكان . شيوخ العشائر وحدهم الذين يستطيعون التحرك في مثل هذه الظروف، وقانونهم هو وحده القادر على ضبط الأمور في ظل غياب سلطة إدارية وحكومية للبلاد. القوات الاميركية والبريطانية « وحسب مصادر عراقية» تسعى من وراء هذه الخطوة إلى ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد . فهي من جهة تسحب ولاء شيوخ هذه العشائر من يد النظام وتحيدهم على طريق مساعدتهم في بسط سيطرتهم على البلاد، لتتفرغ قوات الحلفاء لإنجاز مهمات أخرى، إلى حين الاتفاق على إقامة حكومة انتقالية في العراق . ما قيل عن أن البريطانيين يفاوضون شيخ عشيرة السعدون في البصرة لتشكيل إدارة مدنية في المحافظة، وما أعلن عن تكليف قوات الحلفاء للشيخ إسماعيل كاظم السبخان شيخ عشيرة البهادلة لتولي منصب محافظ العمارة، وما يمكن أن يتم في هذا الاتجاه في الناصرية والسماوة والديوانية والنجف وكربلاء والكوت وغيرها، لا يمكن فصله عن طبيعة التفكير الاميركي البريطاني، باعتبار أن مثل هذه الخطوة هي الأفضل في إدارة مؤقتة للبلاد، بعيدة عن صراع أطراف المعارضة، وقريبة من السيطرة على أكبر عدد من السكان، وتضمن في الوقت نفسه حدوث أقل الخسائر في الجانب الأميركي البريطاني، وربما لن تثير ضدها عداءات شعبية كبيرة . شيوخ العشائر في العراق ودورهم السياسي المنتظر، هو الرهان الذي قدمته القوات الاميركية والبريطانية لتجاوز حساسية المرحلة الراهنة، لكن هذا الدور يبقى دوراً مؤقتا، وسيتم استبعاده حين تتفرغ هذه القوات من إنجاز مهماتها المرحلية، وحين تُطبخ على نار هادئة الحكومة الانتقالية لعراق ما بعد الحرب.
