الخميس 8 صفر 1424 هـ الموافق 10 ابريل 2003 حذر يوآف جلبر الكاتب الاسرائيلي من ان فشل الاميركيين في إدارة العراق سيرتد خطراً كبيراً على العالم بأسره ودعا ادارة جورج بوش، إلى تأجيل احتفالها بالنصر مذكرا اياها بالحكام العراقيين الذين سحلوا في الشواع غامزاً من ان الاستبداد هو سر البقاء في بغداد. قال جلبر في مقال نشرته صحيفة «يديعوت احرونوت» العبرية أمس العالم بدأ يحتفل بنهاية الحرب في العراق. وبات المحللون منشغلون «باليوم التالي». بالترميم، بتعيين الحكام ورؤساء المدن، بتوزيع الغنائم وبالعطاءات. التفاؤل لم يعد حذرا، انه جارف ومجروف. الاميركيون والاوروبيون، ولكن نحن، الذين سبق لنا ان شهدنا هذا الفيلم - يجدر بنا ان نحافظ على رباطة الجأش. ففي العراق، مثلما في لبنان قبل عشرين عاما، الحرب تبدأ عندما يعتقد الجميع انها انتهت. وبعد عدة ايام او اسابيع سيسيطر الاميركيون على جزء من بغداد ويفرض (او لا يفرض) حصارا على جزء آخر منها. والحكام العسكريون سيبدأون في أداء مهماتهم وينشغلون في تدشين المعارضين الذين سيعودون من المنفى او العملاء الذين سيظهرون على السطح. وستزف الصحافة الاميركية الاحتفال الديمقراطي، وجزء من الجيوش ستعود الى الوطن. وعندها يبدأ العراقيون على اختلاف انواعهم - السنة، الشيعة، الاكراد، وقبائل البدو المختلفة - يقتلون بعضهم بعضا يتوجهون الى قتل الغزاة والحكام، الذين هم بالصدفة كفار أيضا. الدول المجاورة، الاسلامية جميعها، تشكل - بارادتها او رغم أنفها - قواعد وملاجيء للتحرك الجديد المناهض لاميركا. «الاممية الخامسة»، الحلف غير المقدس بين اليسار المتطرف واليمين المتطرف في اوروبا وفي الحرم الجامعي الاميركي، الذي يمول باموال اسلامية - عربية ويستمد الافكار والشرعية أيضا من بضع سذج واشرار في اسرائيل، سيقيم اضطرابات عليا على كل قتيل. وجدول التأييد لاعادة تدشين العراق سيهبط الى ان ينهار. واحتفال القطاف سينتهي. منذ تشكل العراق، بعد الحرب العالمية الاولى، مثل لبنان، هو بلاد التوازن الدينامي الحساس جدا بين الجماعات السكانية المختلفة داخله. وقوة خارجية تدخل هذه الدائرة الحساسة لا يمكنها ان تنجح الا بقدر ما تتصرف على نحو متساو تجاهها. اما تفضيل واحدة على اخرى - مثلما فعل الفرنسيون في لبنان في العام 1920 وكما فعل الاسرائيليون هناك في العام 1982 - سيبعث على الثورة ضد المفضلين كل المتبقي. منذ فجر التاريخ وهذا الاقليم المسمى اليوم العراق كان يحكم من حكام مستبدين: منذ عهد آشور وبابل، عبر الخلفاء والباشوات، وحتى الهاشميون والبعثيون. الاستبداد هو سر البقاء في بغداد، والحاكم الذي لا يشنق دزينة اشخاص على وجبة الصباح سيشنق هو عند وجبة العشاء. يكفي تذكر مصير الفرع العراقي للاسرة الهاشمية الذي ابيد بكامله في الثورة في بغداد في العام 1958. كما نذكر نوري السعيد ايضا، من السياسيين الاكثر كفاءة الذين نشأوا في العالم العربي في النصف الاول من القرن العشرين، الذي سحل في شوارع بغداد، امام ناظري الجماهير المسرورة، بعربة تجرها الاحصنة، الى ان لفظ انفاسه. وعلى هذه الخلفية، فمن المشوق جدا رؤية كيف ستدار في العراق الجهود الاميركية لتعليم الديمقراطية. فاذا فشل، سيرتد صدى هذا الفشل في أرجاء العالم بأسره، ومن الصعب تقدير نتائجه الان. اما اذا نجح فيتوجب علينا ان نرفع قبعتنا للاميركيين. ولكن حتى تلك اللحظة فمن السابق لاوانه الاحتفال.