الاربعاء 7 صفر 1424 هـ الموافق 9 ابريل 2003 ما بين قصف مكتب الجزيرة في كابول وقصف مكتبها في بغداد مجازر كثيرة ارادت القوات الاميركية التي اقتحمت العاصمتين اتمامها تحت جنح الظلام. في المصارعة الحرة يقذف اللاعب اللا اخلاقي بخصمه الى خارج الحلبة حتى ينال منه بعيدا عن حكم المباراة غير ان اللاعب هذه المرة لم يكتف بهذا الاجراء الروتيني الذي تعودت عليه حلبات الكاوبوي، وانما يحاول اطفاء الانوار وطرد الجمهور كي يرتكب جريمة بحق الخصم لا شهود عليها. كانت الحرب الافغانية نظيفة بمفاهيم الحروب حتى ساعة قصف مكاتب الجزيرة في كابول، في تلك اللحظة بدأت حرب اخرى، تستبشع الانسانية ان تنتسب اليها.. التنكيل بمدنيين.. قصف اسرى بالطائرات وهم مكتوفو الايدى والارجل.. قصف مدعوين لحفل زفاف، وربما انتزاع اعضاء من جثث القتلى للاتجار بها. عند الحد الفاصل ما بين الحرب والاجرام يتم استهداف الصحفيين.. في نظر القوات المتحاربة يظلون مهمين للطرف،ين حتى ساعات الحسم في تلك الساعات يكون المغلوب اكثر حاجة اليهم لاظهار بشاعات المنتصر، ويحاول المنتصر التخلص منهم، كي يشفى غليله من الخصم بعيدا عن كل العيون. مع بدايات الحرب دفع بعض الصحفيين دماءهم ثمنا لهذه المهنة التي يطلق عليها «البحث عن المتاعب» وحولها الزمن الاميركي الى مهنة للبحث عن الموت.. غير ان ذلك ظل في اطار المحتمل والعادي.. فالذي يذهب الى جبهة قتال لا يتوقع ان ينجو من غبار المعركة، لكن تحولا ما حدث منذ يوم امس الاول الاثنين فقد بدأت أشهر القنوات العربية التي تغطي من بغداد «الجزيرة ـ ابوظبي ـ العربية» تحس انها مستهدفة، ورغم ان سيارات هذه القنوات تكون واضحة للعيان ولا يخطئها قصار النظر او المصابون بعمى الالوان الا ان سيارة احد فرق الجزيرة تم قصفها، وكذلك سيارة تابعة لقناة ابوظبي وذلك مساء الاثنين. ويبدو ان استهداف السيارات كان مقصودا وارادت القيادة العسكرية ان تبلغ رسالة من خلاله.. فلما استمرت القنوات على حالها طالت الصواريخ مكتب الجزيرة والرشاشات مكتب ابوظبي ولم تنج مكاتب العربية، ليس ذلك فحسب بل قصف الاميركان فندق فلسطين الذي اصبح مأوى للصحفيين من العالم كله عقب تدمير المركز الصحفي الذي اقامته لهم وزارة الاعلام الاميركية، قصف الفندق قتل واصاب خمسة صحفيين، وكان التعليق الفوري للبنتاغون «ألم نحذركم من اخطار البقاء في بغداد!!». منذ البداية لم تحظ اغلب تغطيات الفضائيات العربية بالرضا الاميركي السامي.. كانت واشنطن بحاجة الى الالة الاعلامية العربية لتحارب معركتها، ولذلك بدأت صدور المسئولين تضيق بالفضائيات العربية منذ اليوم الاول.. غضب ونقمة غير مسبوقة من دولة كبيرة ضد وسيلة اعلام يجتهد المسئولون عنها في ان يكونوا رقما، كل ذلك لمجرد ان القناة بثت صورا لجثث قتلى وخمسة اسرى تمت معاملتهم امام الكاميرا باحترام شديد لم يبد اي منهم معصوب الاعين ولا مكتوف الايدى امعانا في الكرم العربي بدا احد الطيارين بعدها يحتسى الشاي الساخن امام الكاميرات، ومع ذلك انقلبت الدنيا وبدأ الاميركان يقلبون في نصوص اتفاقيات جنيف التي لم يحترموها يوما واحدا منذ التوقيع عليها. ولم يتنبه الاعلام الاميركي الذي كان يدك بمدافعه بعض الفضائيات العربية الى انه يعيش حالة فصام، فالاسرى العراقيون بالمئات يجبرون على الانبطاح ارضا وخلع ملابسهم والركوع امام جنود القوات الانجلوسكسونية. ويساقون مكبلى الايدى وقد وضعت اكياس من الخيش على وجوههم.. ولا يمانع الاعلام الغربي في ابراز قسوة وفظاظة الجنود الاميركيين مع الاسرى يركلونهم ويسبونهم ويقذفون بعضهم ليرتطم بالحائط او بأرضية الشاحنة التي ينقل فيها، مع ذلك لم يسأل اي اعلامي او مسئول غربي نفسه عن اتفاقات جنيف ولا حقوق الاسرى ولا حتى ميثاق الامم المتحدة، اما القوات الاميركية ـ البريطانية لا تعتبر ان من تحاربهم بشرا واما ان المسألة فيها امعان في الاذلال واشعار للعرب بدونيتهم وعدم انسانيتهم حيث يباح للغربي ان يفعل ما يشاء بخصمه، دون ان يباح للعربي حتى القتال بشرف ونبل. استهداف الاعلاميين العرب في بغداد لا يمكن تفسيره، فالمسألة ليست خطأ.. وغالبا ما كان مقصودا ويراد له ان يترك اثره في مستقبل التغطية الاعلامية. احتمالات عديدة اولها ان القوات الاميركية تود تكرار سيناريو افغانستان حيث تقتل وتذبح وترتكب ابشع الجرائم بحق سكان بغداد بعيدا عن العدسات. وثانيها تحويل الانتباه عما يجرى، فالصحفيون سينشغلون بأنفسهم والقنوات سترثي ضحاياها فيما الآلة العسكرية تعمل بجد، ثالث الاحتمالات وهو أهونها وأكثرها حسنا للنية يتمثل في كسر همة الصحفيين، وادخال الرهبة في قلوبهم من ميادين المعارك اذ من الطبيعي ان يخشى الاعلامي على حياته خاصة حينما يرى زميله الذي كان يقف إلى جانبه كتفا بكتف مضرجاً في دمائه. في كل الحالات فإن استهداف الصحفيين مقدمة لشيء ما شديد البشاعة.. في الماضي كانت عصابات السطو المسلح بالصعيد تقطع الكهرباء عن القرى قبل مهاجمتها حيث تقتل وتسرق وترتكب كل الموبقات.. غير ان هذه العصابات مسلحة الآن بالقذائف الذكية وقنابل النيوترون والقاذفات والصواريخ بعيدة المدى. وتود لو اطفأت كل أنوار الدنيا كي تفترس ضحيتها بالطريقة التي تريد بعيداً عن رقابة الضمير الإنساني. مجدي شندي