الثلاثاء 6 صفر 1424 هـ الموافق 8 ابريل 2003 في الطريق إلى موسكو، تعثرت خطى مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس بكرة النار التي أصابت موكب السفير الروسي وهو يغادر جحيم الحرب المندلعة في بغداد. فالجو الذي توسمت رايس ان تجده قد راق مع روسيا خاصة بعد تصريح رئيسها فلاديمير بوتين من أنه لا يريد رؤية أميركا تخسر، عكرته حادثة السفير وزادت حدة الخطاب الروسي الذي رفض أصلاً الحرب وما زال متشدداً تجاهها، والتي اتهم فيها السفير الروسي أميركا بفتح النار عليه. ورغم أن رايس حاولت الإيحاء بأن المباحثات التي دارت ناجحة جداً، ولونت ذلك التصريح بعبارات مثل تمسك الأميركيين بالشراكة الاستراتيجية مع الروس على المدى الطويل، إلا أن ذلك لم يخف حقيقة اعترفت بها عن وجود خلافات حول العراق وهي خلافات خلقت توتراً في العلاقات بين واشنطن وموسكو. ويبدو أن الزيارة فاقمت التوتر، وخرج الأميركيون خلواً من أية نتيجة لما جاءوا يبحثون عنه في الكرملين، لكن ذلك لا يدعو للقول إن الروس أغلقوا الأبواب تماماً في وجه المسئولة الأميركية التي عدت من الصقور المتشددين، وبالذات في ما يتعلق بالأزمة العراقية، ولكن يبدو أن لعبة عض النواجذ ألقت كرتها في ملعب الأميركيين. ما يمكن قراءته في اللقاء الذي احتضنته روسيا كثير، تنهمر منه صور كثيرة، منها ان الحوار مع روسيا جرى في طرق وعرة لم يتحصن الأميركيون جيداً، وهم يواجهون تداعيات كثيرة لحرب قلبت معادلاتهم حتى اللحظة، ورغم وعورة هذه الطرق إلا أن الواضح بأن الولايات المتحدة رجعت عن منطق انفرادها ولو بالنتائج لتعترف بشكل ضمني بأهمية الدور الروسي، ولهذا قبع الروس في الكرملين بانتظار عودة الأميركيين إلى ساحة الثنائية الاستراتيجية من جديد. وفي الواقع نلمح من خلال الخطاب السياسي الروسي، ان موسكو لم تعد مهتمة بشكل كبير ببقاء النظام العراقي الحاكم حالياً، لكن المهم هو أن يكون لها دور في إعادة ترتيب العالم ونظامه الجديد، وقد عوّل الروس على حاجة الأميركيين إن عاجلاً أو آجلاً للدور الروسي في كل مرحلة ستلي الحرب التي لم يستطيعوا منعها. والأزمات بين روسيا والولايات المتحدة كثيرة لعل أشدها الحرب على العراق، والتغييرات الإقليمية المحتملة كأحد نتائجها، والتهديد الأميركي الذي يطال دولاً لها صلاتها المعروفة بروسيا بعد العراق وهي سوريا وإيران. ولا شك ان الروس ينظرون بقلق للمحاولات الأميركية لتغيير خارطة المنطقة وهو ما رشح من كل الخطابات السياسية الأميركية وبشكل سافر، مما دفع الكثير من دول العالم لمعارضة الحرب التي قادتها واشنطن ولندن ومنها روسيا. لكن الروس لا ينسون أن الأميركيين لاعب دولي رئيسي ولا يمكن تصور العالم خالياً من أميركا، أو شطب أميركا من خارطة العالم سواء أحب الروس ذلك أم لا، وينعكس هذا التصور على دور الولايات المتحدة في تسوية القضايا الدولية حتى لو كانت تلك التسوية تنحاز للمصالح الأميركية. وبالمقابل تجد الولايات المتحدة انه لا يمكن تجاهل دور الروس في أية معادلة مقبلة للمنطقة، بغض النظر عن الخلاف في الموقف الذي اشتد بقيام الحرب الأميركية على العراق، ويدرك الطرفان انه ليس في مصلحتهما أن يبقيا على خلاف خاصة وان واشنطن بحاجة لموسكو في ترتيب أوضاع المنطقة إذا ما أرادت الأولى العودة للمنظمة الدولية. كما أن أميركا تدرك أهمية الحفاظ على التعاون الاستراتيجي مع موسكو بما في ذلك مستقبل العراق وهو ما يؤشر اهتمام واشنطن بمشاركة الدول الأعضاء في مجلس الأمن لتسوية الأزمة ما بعد الحرب، رغم تصريحات وزير الخارجية الأميركي كولن باول ورايس نفسها على أن أميركا اللاعب الوحيد في العراق. وفي الواقع هناك قضايا تنظر اليها اميركا على انها لا يمكن لها التصرف لوحدها فيها منها مستقبل احلال السلام ليس في العراق وحده بل في المنطقة، وعملية الاستقرار السياسي، وحل مشاكل ما بعد الحرب، ولذا استحال على واشنطن معالجة الازمة العراقية بدون موسكو، وبمنطق اخر اذا كانت واشنطن قد اعتمدت على القوة العسكرية مع بريطانيا فهي بالنسبة للبعد السياسي ستحتاج لروسيا بحكم طبيعة العلاقات العراقية ـ الروسية من جهة وبحكم منطق التعامل الاستراتيجي مع روسيا من جهة اخرى. ومع تضارب اطراف عديدة في المواقف من حقبة ما بعد الحرب على العراق، نجد ان واشنطن نفسها مجبرة للذهاب الى الروس لترتيب العودة للامم المتحدة، على ان هذه العودة مازال الروس يضعون عليها علامة استفهام اذ هم لايعرفون هل ستكون تفعيلا لدور الامم المتحدة من جديد ام ان واشنطن ستستغني عنها في فترة ما بعد الحرب وتبحث عن دعم في موسكو لذلك. رايس اذن حملت جملة امور في جعبتها لايبدو انها خرجت لواحدة منها بنتيجة وهي: ـ العملية العسكرية في العراق، وكان رد الروس انهم يطالبون بوقفها. ـ الاطار الاقليمي للازمة العراقية، ورد الروس بحماية اصدقائهم. ـ ترتيب الامور بعد الحرب، وقد اصر الروس على حكم عراقي ورفض للاحتلال . ـ مشاركة الدول الاخرى في هذا الترتيب، وذكر الروس بمصالحهم واستثماراتهم في العراق وضرورة حمايتها قبل اي ترتيب. لقد طرح الاميركيون على طاولة الروس الازمة الحقيقية التي يعيشونها اذ دخلوا حربا لايعرفون كيف الخروج منها كل تداعياتها، وذلك طرح تكهنات بتوسيط الروس في مساعِ للخروج بماء وجه محفوظ، وهو ما لايتوقعه المراقبون، الا ان الاكثر توقعا هو تضميد جراح مع الروس والخروج بصيغة ما بعد الحرب مقبولة دوليا خاصة وان الروس اعلنوا انهم لا يستطيعون التدخل لوقف الخطط العسكرية. الخروج من المأزق في العراق كان عنوان زيارة رايس لموسكو، خاصة بعد ان لمس الاميركيون توجها محسوسا لدى الاوروبين نحو دعمهم في تحقيق نصر ولو غير شرعي لاخراجهم من مأزق الحرب وبقيت روسيا وحيدة في تشددها لكن على ما يبدو ان المسئولة الاميركية لم تفعل سوى ان تفاقم المأزق الاميركي ـ الروسي الذي اصبح الروس يجيدون الرقص على حباله. كتبت لهيب عبدالخالق: