اللواء محمود خلف الخبير الاستراتيجي المصري لـ «البيان»: القوات الأميركية تعد خدعة كبرى لمفاجأة الجيش العراقي

الجمعة 2 صفر 1424 هـ الموافق 4 ابريل 2003 نحو دائرة من الرعب انجرف العالم العربى بأسره منذ اليوم الأول للحرب على العراق، وكلما طال أمد المعارك وسقط المئات من الضحايا المدنيين وتضاعفت وحشية القصف الاميركي على المدن العراقية، كلما اتسعت هذه الدائرة لتطيح بمنظومة الأمن القومى العربى لتهدد بسنوات أخرى طويلة من المأساة، وتفجر ألغام الأسئلة حول المشهد الختامى الذى يمكن أن ينتهى إليه الوضع فى العراق بعد أن تضع الحرب أوزارها. لكن اللافت فى هذا المأزق الاستراتيجى الذى خلقته الحرب أن المعارك على الأراضى العراقية نفسها لا تزال تحمل العديد من علامات الاستفهام، ولا تزال نتائجها غير محسومة بعد أكثر من أسبوعين على اطلاق الرصاصة الأولى فى هذا العدوان، فهل أخفق الاميركيون بعد أشهر من التخطيط فى تقدير القوة العراقية ؟ وهل وقع البنتاغون فى أزمات حقيقية أم أن كل ما يجرى من حولنا ليس سوى ورقة أخرى من أوراق الخداع النفسى والتكتيكى الذى تريد من خلاله الولايات المتحدة دفع العراق إلى ارتكاب خطيئة استخدام أسلحة الدمار الشامل حتى لا تحقق الانتصار قبل أن تثبت للعالم أن بغداد كانت تخفى هذا النوع من الأسلحة ومن ثم تؤكد للعالم أن حربها الوحشية كانت حربا عادلة وأن خصومها فى مجلس الأمن جانبهم الصواب حين امتنعوا عن مشاركتها فى العمليات الحربية؟ وإلى أى مدى يمكن أن تتواصل العمليات بهذه الآلية التى تقضى على المدنيين فيما قادة العراق يظهرون فى كامل لياقتهم على فضائيات العالم ؟ وهل يمكن أن تكون الخطة الأخيرة للقوات الاميركية هى التدمير الشامل لاقتحام حصون القيادة العراقية أيا كان عدد القتلى من العراقيين؟ هذه الأسئلة الشائكة طرحتها «البيان» في حوار شامل على الخبير العسكرى والاستراتيجى اللواء دكتور محمود خلف صاحب الخبرة الطويلة فى دراسة القدرات العسكرية الاميركية إلى جانب كونه أحد الدارسين للتاريخ العسكرى العراقى منذ الحرب العراقية الإيرانية مرورا بحرب الخليج الثانية التى قادت إلى تحرير الكويت بعد غزو 1990، وانتهاء بالحرب الحالية ومجرياتها ومفاجأتها التى لم تنته بعد. ـ يبدو المشهد فى الحرب الحالية وكأنه ورطة للقوات الاميركية الأمر الذى يغرى الكثير من المراقبين بالتنبؤ أن واشنطن ستواجه فيتنام أخرى على الأرض العراقية فهل تتفق مع هذا الرأى؟ ـ يقينى منذ اللحظة الأولى التى بدأت فيها الولايات المتحدة الاميركية استعدادها لهذه المعارك أن كثيرا من المفاجآت ستشهدها هذه الحرب، فقد كانت السيناريوهات التى تم تسريبها عن الخطط الاميركية تفيد بأن المسألة بكاملها لن تستمر سوى عدة أيام، وأن العمليات ستبدأ بقصف جوى مكثف لعدة أيام لتمهيد الأرض قبل أن تبدأ المعارك البرية على الأرض ولكننى كنت أشعر أن كافة هذه السيناريوهات غير حقيقية وأن الولايات المتحدة تخطط لشيء آخر لا تحارب به العراق وحده لكن تحارب العالم بأسره لأن ما يجرى الآن هو معركة فاصلة بين واشنطن والعالم العربى، وبين واشنطن ومنافسيها الاستراتيجيين على سطح العالم. واليوم يبدو الموقف فى الاراضى العراقية اشبه بكارثة فعلية فلا يتفق مع المنطق أن العمليات العسكرية التى تم تخطيطها والتحضير لها خلال عام كامل تكون بهذا الاهتراء الواضح الذى تتتابع مشاهده المشتتة بهذه الصورة أمام أعين الملايين الذين يتابعون عمليات التقدم للقوات البرية على الأراضى العراقية، وفى تقديرى أن المستوى الذى نراه أمام أعيننا ليس هو التطور الطبيعى للحرب ولا يتضمن الخطة الحقيقية وأعتقد جازما وحسب فهمى وقراءاتى لطبيعة التخطيط العسكرى والاستراتيجى الذى يتبعه جنرالات البنتاغون أن هناك حربا أخرى سرية تجرى تحت السطح من خلال عناصر القوات الخاصة الاميركية فى الشمال والجنوب وحول المناطق المحيطة ببغداد، وأعنى من ذلك أن تكون هناك أعمال خفية وخطط لا تصرح عنها القوات الاميركية فهم ينقلون لنا عبر التقرير اليومى (المتلفز) بطريقه مباراة كره القدم بين الفريقين العراقى من جانب والفريق الامريكى والبريطانى من جانب آخر وتبدو الكفة فى حالة تعادل بين القوات الغازية وقوات المقاومة العراقية، وهذا بالتأكيد شئ قد يبعث على السعادة لدى الشعوب العربية ولدى العراقيين أنفسهم، ولكن السؤال هل هذا التعادل الظاهر بين العدوان والمقاومة هو ما يجرى بالفعل على أرض الواقع أم أن الولايات المتحدة تريد أن تظهر الأمر بهذه الصورة، صحيح أن هناك مقاومة باسلة، وصحيح أن العراقيين لا يستسلمون بسهولة لكن هل من الصحيح أن المقاومة تقف ندا ووجها لوجه بهذه الصورة أم أن الولايات المتحدة تريد أن تظهر قدرات أخرى للعراقيين وللحرس الجمهورى حتى يمنحون الحرب شرعيتها خلال المعارك. فنحن امام احتمالين.. الاحتمال الاول: أن تقارير القيادة العسكرية الاميركية صحيحة وأخبار المقاومة العراقية حول التصدى الباسل للقوات مؤكدة وأن قوات التحالف تحاول التراجع والتوقف لفترة من الزمن حتى يتم تعزيز قواتها بمزيد من العناصر لمواجهة المقاومة والعمل على فتح ثغرات فى جبهة التصدى من قبل الحرس الجمهورى والجيش العراقى.. الاحتمال الثانى: اننا أمام خطه خداع أميركيه كبيرة فهم يريدون عدم اتضاح الرؤية وأن يحدث التشتيت فى المعلومات والأخبار عن الحرب حتى نصل إلى تفسيرات متناقضة وحتى تظهر قدرات العراق وإغراءه بالنصر مقابل إظهار الفشل أمام القوات الغازية حتى تبدو المعركة وكأنها متكافئة وأن العراق كان يمتلك من القوة والخطط التى تؤهله لما كانت تحذر منه أمريكا من قبل، فإذا نجحت واشنطن فى أن تهزم الجيش العراقى فى عدة ساعات فإن هذا يعنى بالنسبة للعالم أنها كانت تحارب جيشا ضعيفا هزيلا وأن عدوانها لم يكن له مبرر على الإطلاق، أما إذا تواصلت الحرب لعدة أيام أو عدة أسابيع فإن هذه الحرب تكتسب شرعيتها على الأقل من وجهة نظر العالم الغربى والشعب الاميركي الذى يريد له البنتاغون ومخططو السياسات العسكرية أن يقول ها هو جيش العراق قوى وقادر على تحدى الولايات المتحدة وربما لو تركناه هكذا لأغرته القوة بأن يعتدى على بلاد مجاورة له كما فعل فى عام 1990 وأن يهدد الولايات المتحدة نفسها عبر دعم الإرهابيين ويقوم بعمليات داخل الأراضى الاميركية. ـ لكن الحديث عن حرب نفسية بهذا المستوى يثير سؤالا آخر فهل تضحى الولايات المتحدة بجنودها على أرض المعركة بهذه الصورة وتكسر هيبة قواتها العسكرية لمجرد اثبات أن العراق كان يستحق هذا القتال؟ ـ دعونا نفند بعض الامور التى من اهمها انه ليس من المقنع أن يسير مسرح العمليات بهذه الصورة من اليوم الأول فنحن لم نر أى تقدم للقوات الاميركية والبريطانية باستثناء ما شاهدناه خلال الأيام الأولى والسؤال هل دخلت كل هذه القوات من الجنوب إلى الشمال مباشرة لمحاصرة المدن العراقية أم أن بعض هذه القوات اتجه فى مسارات أخرى غير المسار الجنوبى الشمالى فى طرق أخرى وأنا أزعم أن القوات الاميركية مستغرقة فى بناء قواتها فى المنطقة الغربية خاصة فى منطقه المطارات القديمة.. بل الذى يدعو للتساؤل ان هناك بعض المهمات العسكرية التى تقوم بها قوات التحالف سرا وسوف تكون بالتأكيد مفاجأة لنا جميعا فأين الفرقة 101 والفرقة 82 المدرعتان والمنقولتان جوا فلا أحد يتحدث عما تفعله الفرقتان على أرض المعركة.. والحس العسكرى يدفعنى الى توقع الخطر وحدوث نتائج ليست فى حسبان القوات العراقية والرأى العام العربى.. بالإضافة الى انه فى حالة استمرار حال القوات الغازيه كما هو عليه من من الحيطة والترقب والبطء فى مواصلة سير العمليات العسكرية عما كان متوقعا فمن الممكن أن تكون هذه محاولة لجذب القوات العراقية التى تدافع عن العراق فى الجنوب بينما هو يقوم باحتلال اكبر قدر من الاراضى العراقية.. فهو يسير وفق خطة هدفها الرئيسى احكام السيطرة على مداخل العراق ومخارجه وهو ما يعرف بفكرة الخنق الاستراتيجى.. والتى لا يتعجل خلالها إحراز نتائج سريعه ومتلاحقة بقدر ما يسعى الى السير ببطء وحذر لتقليل عدد الضحايا من المدنيين العراقيين والعسكريين الاميركيون وهضم ما يمكنه هضمه من الأراضى العراقية بحيث يحكم السيطرة عليها تماما فى حين تستمر قوات التحالف فى القصف اليومى حتى يحقق اسقاط بغداد.. ـ تدور بعض التخمينات فى أروقة الباحثين العسكريين فى أوروبا ربما تتفق مع ما تذهب إليه فى تحليلكم العسكرى لكن هذه التخمينات تزعم أيضا بأن الولايات المتحدة كانت تخطط من البداية أن تكون الحرب طويلة المدى كجزء من خطط الحرب النفسية حتى تدفع القادة فى بغداد إلى استخدام اسلحة الدمار الشامل قبل نهاية الحرب لتؤكد أن موقفها كان عادلا وتثبت لخصومها فى أوروبا ومجلس الأمن أنها كانت على حق حين قررت شن هذا العدوان ؟ ـ الباب مفتوح على مصراعيه للتخمينات وأعتقد أن واشنطن يمكن أن تستخدم كافة الأوراق الممكنة حتى تثبت صحة موقفها من هذه الحرب بما فيها أن تبادر هى بنفسها بأن تزعم وجود أسلحة دمار شامل تم العثور عليها حتى تورط العراق لكن الادارة الاميركية منذ البداية وهى على يقين من أن العراق لا يمتلك اسلحة دمار شامل.. ولم تقم الحرب بسبب هذا السبب والجميع يعرف ويدرك ذلك، ولاننا ندرك الحقيقة فأشكال الاحتجاج والمعارضة متمثلة فى المظاهرات العارمة والاستقالات المسببة مازالت موجودة وتعبر عن نبض المجتمع الدولى من أميركا الى الصومال ومن اليابان الى استراليا.. الاهم والواضح والذى يؤكد ايمان الادارة الاميركية والقوات العسكرية الغازية لذلك..هو عدم ارتداء الجنود الامريكيون والبريطانيون للأقنعة الواقية أثناء هجومهم والتحامهم مع القوات العراقية فلو كان عندهم شك واحد فى المليون ان العراق يمتلك سلاحا كيماويا فلن يخلعوا هذه الأقنعة أبدا ولن يجرؤا على السير والتحرك فى العراق بدونها.. ـ أذن طالما أن بغداد هى الهدف الحقيقى فلماذا هذا البطء فى التحرك الاميركى نحو بغداد..ومتى تكون معركة بغداد.. فالقوات العراقية تعول كثيرا على عدم قدرة قوات التحالف على دخول بغداد والتورط فى حرب المدن ؟! ـ يجب الاشارة هنا والتأكيد ان قضية بغداد هى قضية مؤجلة خوفا من الخسائر المتوقعة باعتبارها هى قلب الحدث ومقر القيادة العراقية.. وستكون معركه شرسة بالضرورة فهى معركة مؤجلة لحين قدوم قوات جديدة لتعزيز القوات التى تحاول تطويق مدن العراق.. والرؤية العسكرية تدفعنا للقول أن القوات التى تسير الى أكثر من 600كم ليست هى التى تقوم باقتحام بغداد اذن بغداد هى معركة مؤجلة وينبغى الانتظار حتى تتضح الصورة أكثر ونستطيع قراءة ما يدور فى العقلية العسكرية الاميركية لكننى على يقين أن معركة بغداد تحتاج على الاقل الى وجود فرقة مدرعة مدربة على أحدث مستوى يكون لها المبادرة وأعتقد انها الفرقة الرابعة.. وحتى يتم أنزالها تقوم القوات الاميركية ببناء قواتها حتى تستطيع التغلغل ولا تفاجأ بانها مضطرة الى التراجع مما يفقدها قواتها المتقدمه..فالتقهقر يعنى الخسارة الفادحة بدون حائط مدرع ولذلك فالقوات الاميركية تحرص على بناء هذا الحائط فى كل نقطة تصل اليها اذن هى لا تتعجل احراز الاهداف بقدر ما تسعى الى تأمين ما وصلت اليه.. ـ تميلون الى ان القوات الاميركية تسعى من خلال خطة خداع كبيرة لتحقيق النصر والذى سيفاجأ الجميع.. الى أى مدى ستكون المفاجأة وهل هناك محددات تحكم عمليه الخداع ؟ ـ لا أعتقد أن تكون المفاجأة ضخمة أو هائلة ولكننى على يقين أننا سنرى قريبا مفاجأة غير متوقعة على مستوى سريان العمليات الاميركية.. وبالطبع هناك محددات سياسيه تحكم خطة الخداع الاميركية أولها أن الولايات المتحدة الاميركية لا تستطيع اغفال هيبتها التى أصبحت على المحك فالمسألة هنا ليست قضية العراق فقط ولكن كيفية تحقيق انتصار واضح وصريح وليس فيه جدال شريطة أن يكون هذا بدون خسائر فادحة تشمل العسكريين الاميركيون والبريطانيين والمدنيين العراقيين تحسبا للهجمات الاعلامية الشرسة التى يطلقها الاعلام العربى والغربى على حد سواء.. ورغم عدم وضوح الصورة حتى الان الا ان المؤشرات تدفعنا الى بعض الحقائق وهى أن هذا الخداع لن يستمر كثيرا فهناك على سبيل المثال تحركات حثيثة ومنظمة لقوات اميركية يتم أنزالها فى الشمال والغرب مهمتها تطويق بغداد بقوات كثيرة وعلى مسافات كبيرة فى نفس الوقت الذى تحاول فيه السيطرة النفسية على المدنيين من خلال ايصال المساعدات الانسانيه واصلاح ما أفسدته كثافة النيران فى محطات المياه والكهرباء هذا من شأنه على حد تقديرهم يقربهم الى العقلية العراقية البسيطة التى هى فى الاصل ناقمة على حكم صدام ولكنها متوجسة من نوايا القوات الغازية هل هى عدو ام صديق. ـ العمليات الاستشهادية.. مرحلة جديدة من الحرب النفسية تشنها القوات العراقية فى مواجهة الترسانة الضخمة من الآلة العسكرية الاميركية والبريطانية.. الى أى مدى يمكن أن تحقق نتائج ايجابية لصالح القوات المسلحة العراقية فى دفاعه عن بلاده؟ ـ العمليات الفدائية التى بدأتها بالفعل العراق تعتبر العصا السحرية التى تستطيع وببساطة تدمير الحالة النفسية والمعنوية للقوات الاميركية وبث فى نفوسهم الرعب.. خوفا من الوقوع فى المستنقع الاسرائيلى فى الاراضى الفلسطينية والذى يعيشه الإسرائيليون كل يوم بدون أن يغمض لهم جفن.. وتتحول الحرب على العراق من مجرد القضاء نظام صدام حسين.. والسيطرة على آبار البترول الى حرب البقاء والعودة الى الوطن!! وبقدر حرص الادارة الاميركية على تحقيق النصر الا أنها حريصه ايضا الا يكون هذا على جثث المزيد من القتلى العسكريين الاميركيين.. واعتقد أن القوات العسكرية الاميركية تسعى للتغلغل والوصول للمدنيين والاستحواذ على ولائهم أو على الاقل على تحييدهم وهذا من شأنه تحديد العدو الذى تخرج منه هذه العمليات وربما يساعد هذا على تقليلها.. فالامر يبدو مرعبا منذ قامت العملية الاستشهادية فى النجف على يد أحد العسكريين العراقيين..

طباعة Email