الألمان شبهوا بوش بهتلر، سكان برلين ينصحون أهل بغداد بالدفاع حتى الموت

الخميس غرة صفر 1424 هـ الموافق 3 ابريل 2003 لا يشعر المواطنون الألمان بالتعاطف مع الشعب العراقي فقط من منطلق المعارضة التي أبدتها القيادة السياسية الألمانية للحرب الاميركية ـ البريطانية ضد العراق، وإنما لأنهم يعتبرون أنفسهم أكثر شعوب العالم اكتواء بنار الحرب، فقد ذاقوا خلال الحرب العالمية الثانية وما قبلها وما بعدها مرارة حكم الطغاة ونار الغزو الأجنبي، وظلوا يعانون كثيرا في محاولتهم النهوض ببلادهم من جديد. الا انه ووسط هذا الحجم من التعاطف الألماني - يظهر نوع آخر ومتميز من التعاطف، وهو شعور سكان برلين - عاصمة ألمانيا الموحدة حاليا وعاصمة ما كان يعرف بألمانيا الشرقية - مع سكان العاصمة العراقية بغداد، نظرا لأن تجربة الحصار والقهر والقصف اليومي كانت تجربة مريرة مر بها سكان العاصمة الألمانية خلال فترة الحرب العالمية الثانية وما قبلها. فخلال الحرب العالمية الثانية، أرسل الاتحاد السوفييتي ـ آنذاك ـ أكثر من مليونين ونصف مليون جندي، ونحو 6250 من دباباته، إضافة إلى 7500 طائرة حربية إلى ميدان المعركة في الأراضي الألمانية من أجل القضاء على الزعيم النازي الألماني أدولف هتلر. وفي تلك الفترة، لم يكن لدى ألمانيا إلا 45 ألف جندي في فيرماخت، إضافة إلى القوات الخاصة التابعة لهتلر نفسه من أجل الدفاع عن برلين، وكان يساعد هذه القوات وقتها قوات أمنية تم تشكيلها من الصبية وكبار السن وصل عددهم وقتها إلى 40 ألفا، والمشكلة لم تكن في العدد الذي يجب أن يدافع عن المدينة، بل كانت تكمن في أن المدينة قد أصابها الإرهاق الشديد من جراء تعرضها للقصف المتواصل بالمدفعية البريطانية والاميركية على مدى أربع سنوات قبل تلك الفترة، وهذه الفترة الطويلة حصدت أرواح أكثر من 52 ألف ألماني وأجهزت على البنية الأساسية والعسكرية للمدينة. وقد استمرت معركة برلين نحو أسبوعين، وكانت توصف بأنها من أكثر معارك التاريخ دموية، حيث لقي خلالها 78 ألف جندي سوفييتي مصرعهم، إضافة إلى50 ألفا من الألمان، ومن بين القتلى الألمان كان هناك على الأقل 20 ألفا من المدنيين، وبعد ذلك مباشرة انهزمت ألمانيا في الحرب، وكان ذلك في 2 مايو 1945، وتحديدا بعد أن أعلن عن انتحار هتلر في 30 أبريل، حيث سقط بعده الرايخ الثالث. وفي هذه الأيام، وعندما يتجمع أفراد الأسرة الألمانية الواحدة أمام شاشات التليفزيون ليطالعوا آخر تطورات الحرب في العراق، وخاصة تلك المتعلقة بضرب بغداد وحصارها، لا يتوانى الآباء والأجداد عن سرد الحكايات لأبنائهم عن ذكرياتهم الأليمة المماثلة في فترة حصار برلين، وكثيرا ما انتهت هذه الحكايات والنقاشات بإبداء مزيد من التعاطف مع الشعب العراقي في محنته، خاصة لعلم الألمان أن صمود مقاومتهم في المدينة ضد من يسمونهم بالغزاة آنذاك لم يكن يختلف كثيرا عما يحدث الآن في بغداد، وكثير من هؤلاء الألمان يدركون تماما معنى حصار مدينة من الناحية الاجتماعية والنفسية قبل أن يدركوا الأثر السياسي أو العسكري لهذا، لأن حصار مدينة ما بسكانها معناه «الرعب» مهما كانت الادعاءات التي تروج لها الولايات المتحدة أو بريطانيا من أن قواتهم تحرص تمام على أرواح المدنيين! ويقول أحد المواطنين الألمان من سكان برلين والذي يبلغ عمره أكثر من 75 عاما وعاصر فترة حصار برلين في عام 1945، إن قلبه ومشاعره كلها تقف الآن جنبا بجنب مع أهل بغداد، خاصة وأنهم يعانون ظروفا سياسية واقتصادية ومعيشية صعبة منذ سنوات طويلة، ولكنه يشير إلى ان معاناتهم على مر السنوات الماضية شيء، والحصار الحالي شيء آخر، لأن الأمور تشير إلى احتمالات وقوع مذبحة من أجل الاستيلاء على المدينة. ولا يخفي مواطنون آخرون تخوفهم من احتمال أن تتعرض بغداد وغيرها من المدن العراقية الصامدة إلى نفس ما تعرضت له المدن والقرى الفلسطينية خلال عمليات الاجتياح الإسرائيلية للأراضي الفلسطينية في العام الماضي، وخاصة ما حدث في جنين وغزة من مجازر وعمليات قتل واعتقال وتهجير جماعي عقابا لهذه المدن على شدة المقاومة التي أبداها أهلها للاحتلال الإسرائيلي. ويقول ألماني آخر ممن حضروا فترة حصار برلين، إنه اضطر إلى ترك العيش في برلين قبل أيام فقط من انتهاء الحرب في عام 1945، ويقول : إنني على ثقة من أن أهل بغداد لا يريدون هذه الحرب ولا يحبونها على الإطلاق كما كنا نحن نكرهها، وبالتأكيد، فإن الحرب فرضت عليهم فرضا كما فرضت علينا فرضا،ولذلك فأنا أعتبرهم بؤساء مثلما كنا نحن بؤساء، لأن عليهم أن يموتوا دفاعا عن مدينتهم، كما حاولنا نحن ! ولكن المفارقة الغربية هي أن بعض وسائل الإعلام الاميركية نفسها تجد لذة كبيرة في مقارنة حصار بغداد حاليا بحصار برلين في منتصف القرن الماضي، والسبب في ذلك هو رغبة الأميركيين في عقد المقارنة التاريخية بين الرئيس العراقي صدام حسين الذي يدافع عن بلاده وعاصمته بقوة حتى الآن، وبين الزعيم النازي هتلر الذي دافع عن بلاده حتى الموت، بل إن المقارنة هذه تمتد إلى بعض التكهنات الاميركية التي تشير إلى أن صدام لن يستسلم ولن يتنحى وإنما سينتحر على الأرجح إذا شعر باقتراب أجله، ومما يبرهن على ذلك هو أن صدام نفسه أكد أنه لن يغادر العراق إلا ميتا ومدافعا عن بلده. ويؤكد هذا الاتجاه - أي اتجاه صدام إلى المقاومة حتى آخر لحظة - هو أن إمكانية خروجه من بلاده شبه مستحيلة الآن بحكم الحصار العسكري والسياسي الذي تفرضه الولايات المتحدة على العراق من كل النواحي، إضافة إلى الضغوط الدبلوماسية المفروضة على الدول المجاورة للعراق، الأمر الذي يجعل احتمال توجهه إلى الأردن مثلا أو إلى تركيا أو سوريا أو حتى إيران أمرا غير ممكن من الناحية الأمنية. لكن بعض المؤرخين الألمان الذين خرجوا بدروس من نوع آخر من معركة برلين يقولون إنه من غير المفروض أيضا على صدام أن يخوض معركة خاسرة، طالما أن الحرب الآن أصبحت حربا من أجل بغداد، وطالما أن بغداد ستسقط في النهاية مهما كانت المقاومة، أي أن الأمر من وجهة نظرهم ليس إلا مسألة وقت وإطالة غير واقعية في عمر بغداد! ويرد مؤرخون آخرون بالدفاع عن موقف صدام، حيث يقولون إنه عندما تصل المعركة إلى نقطة كهذه، فإنه يجب على المرء أن يختار، ويشير أحد الناجين من الحرب العالمية الثانية في ألمانيا إلى أن الألمان كلهم ظلوا يقاتلون في صفوف هتلر وهم لا يملكون أي خيار آخر، ولم يستسلموا ويتخلوا عن هذا الخيار إلا بعد أن انتحر هتلر نفسه ! ويتحدث كبار المحاربين الألمان عن وجود أسباب عديدة يمكن أن تدفع الإنسان للحرب بغض النظر عن تلقيه أوامر بذلك أم لا، فهو - مثلما هو حال سكان بغداد الآن - يدافع عن حياته ولقمة عيشه وعن مدينته وعن أهله وعن كرامته وشعوره بالاستقلالية، إضافة إلى ما يعتبره الألمان بأنه روح المغامرة والجرأة التي تتولد لدى الإنسان العادي عندما يشعر بالخطر، أو أحيانا الشعور بأن هناك أملا ولو ضئيلا بتحقيق الانتصار في الحرب على من هم أقوى منه وأكثر عتادا ! ومع ذلك، فهناك كثير من الألمان لا يحبذون فكرة القتال حتى النهاية أو ارتداء ثوب البطولة، إذ يحذرون من أن العواقب ستكون وخيمة، ويروي بعض من حضروا معركة برلين كيف أنهم كانوا يشاهدون بأنفسهم جثث المقاتلين الألمان وهي معلقة على أشجار المدينة بعد انتهاء المعارك وتأكل الطيور منها، ويقولون إن السبب في ذلك هو أن الجنود والمقاتلين الألمان كانوا يقاتلون وقتها فقط من منطلق اقتناعهم بالدعاية الإعلامية المثيرة التي كانت تتبعها حكومة النازي وتدفعهم إلى فعل تصرفات غير منطقية، كما أن الدعاية الألمانية نفسها كانت تحث هؤلاء المقاتلين على القتال حتى الموت من منطلق أنهم لو وقعوا في أيدي القوات السوفييتية فسوف يتعرضون للقتل أو المهانة أو الاغتصاب أو التعذيب ! وإذا كان المقاتل العربي يؤمن بضرورة «ألا يموت جبانا» إن كان ليس للموت بد، فإن المقاتلين الألمان كانوا أيضا يحملون وقتها شعار «نموت هنا أفضل من سيبيريا» في إشارة إلى معسكرات التعذيب والاعتقال التي كان الاتحاد السوفييتي قد أعدها لهم ! ويعتقد بعض كبار العسكريين الألمان بأن المقارنة بين معركة برلين أو حتى ستالينجراد ومعركة بغداد المقبلة واقعية، ومن بين هؤلاء نائب وزير الدفاع الألماني السابق وولتر شتوتزل الذي تحدث في برنامج تليفزيوني ألماني مؤخرا عن ذلك قائلا : الوضع مختلف من الناحية العسكرية، ولكن إذا كان الأمر يتعلق بحجم عمليات القتل التي ستحدث في بغداد بين المدنيين، فهنا يمكن المقارنة مع ما حدث في برلين، في إشارة منه إلى توقعاته بسقوط أعداد هائلة من المدنيين قتلى في بغداد، قد يقترب من العدد الذي سقط في برلين. ولعل هذا هو الذي عبر عنه ألماني آخر من سكان برلين ممن حضروا الحرب بقوله : إن سكان بغداد سيذهبون إلى الجحيم، هذا ما حدث معنا، ولا أعرف حتى الآن كيف نجوت بحياتي ؟! وعلى الرغم من أن الألمان متفقون على أن الرئيس العراقي صدام حسين مسئول بشكل أو بآخر عن هذه الحرب، إلا أن جميعهم يتفق أيضا على أن الرئيس الأميركي جورج بوش هو المسئول الأول، بل إن بعض الألمان شبهوه بهتلر هو الآخر لأنه لا ينظر إلا لمصلحته الخاصة، ولأنه خاض الحرب دون وجود مبررات حقيقية لذلك. بالترتيب مع وكالة الاهرام للصحافة القاهرة ـ هاني عسل:

طباعة Email