وجه في الحرب، باول أميركي ملون بعض دمه يهودي

الثلاثاء 29 محرم 1424 هـ الموافق 1 ابريل 2003 «عليك أيها الجنرال أن تبحث عن عدو جديد، فقد قررت انهاء الحرب الباردة» هكذا خاطب ميخائيل غورباتشوف الرئيس الذي فك عرى الاتحاد السوفييتي ضيفه الجنرال كولن باول قائد هيئة أركان الجيش الأميركي في ذلك الوقت. يومها أسقط في يد الجنرال. فالعدو الذي أمضى عمره يعد نفسه لدخول مجابهة معه ينهار دون أن يلمسه أحد، غير انه عاد وتوازن من جديد فأميركا ينبغي أن تواصل برامجها التسليحية، لمواجهة «امبراطورية شر». كولن باول وزير خارجية أميركا الحالي ابن لمهاجرين افريقيين يختلط دمه الأسود بدم يهودي، كما كشف في مذكراته التي زادت غموض شخصيته ولم تزل علامات الاستفهام الموجودة أمامها. لديه عقدة احساس مزدوج، فهو أبيض وأسود في آن واحد، يصنفه الجميع كإنسان أسود ويعتبره أبناء حي هارلم الذي ولد فيه عام 1937 بطلاً شعبياً غير انه يتصرف كإنسان أبيض، فانتمى للحزب الجمهوري المعادي للأفارقة والذي يفرض الوصاية عليهم ويعاملهم أحياناً باحتقار. في احدى زياراته لأفريقيا كان شاغله الشاغل تغيير نظامي دانيال أراب موي في كينيا وروبرت موغابي في زيمبابوي، لأنهما ليسا على وفاق مع المصالح الأميركية. في لقاء مغلق مع أراب موي قال باول بعنجهية من يسيطر على كل المقاليد «عندما أقول لك يجب أن تتبع الدستور فإني أعني الدستور الحالي، وهذا يعني انه لا يجوز لك أن تعدل الدستور ليسمح لك بفترة حكم مقبلة لمدة خمس سنوات أخرى». بعد أن سمع هذه العبارة انحنى دانيال، حينما فعل الشيء نفسه في زيمبابوي كان موغابي أكثر صلادة قال له «أدعوك لترك الأفارقة في حالهم، دون أن تفرض وصاية عليهم، سأقود حزبي في الانتخابات المقبلة وسأترشح مجدداً للرئاسة، قبلت أميركا أم أبت». ولأنه مثل بلده مزدوج المعايير ولا يعمل كفرد وانما كترس في آلة فإن حكاماً آخرين، يسيرون ضمن القطيع الأميركية يمكن أن يظلوا في السلطة لخمسين عاماً في دول أفريقية مجاورة. الصراع الذي يعيشه باول بين بياضه وسواده، يهوديته وأميركيته جعله ينتمي للحزب الجمهوري المعادي لتطلعات قارته التي نبت من ثراها. حزبه هو الذي أيد سياسات التفرقة العنصرية بجنوب أفريقيا، وللمصادفة فإن ديك تشيني عضو الحزب الجمهوري في الكونغرس كان على رأس النواب الذين صوتوا ضد مشروع قرار يناشد حكومة جنوب أفريقيا اطلاق سراح نيسلون مانديلا. ليس ذلك فحسب، بل يحاول الهروب من أفريقيته، أثناء زيارته لجنوب أفريقيا سأله مذيع تلفزيوني عن تأثيرات أصوله الأفريقية في الدعم الأميركي للقارة الفقيرة، فأجاب بجفاف «لا تعولوا على مثل تلك الأمور، وأرجو ألا تجلسوا عطالى بانتظار أن يأتي المال اليكم وأنتم على حالكم هذا». بعيداً عن عقدة باول هذه فإن شخصيته سلسة حمائمية مقارنة بالمسئولين الآخرين في إدارة بوش، حازم مستعد لطرد بعض من يعملون معه إذا أخطأوا. يؤمن بفتح قنوات الاتصال وما يسميه بصدام الأفكار. لا يكلم محاوريه من وراء المكتب إذا انتزعوا احترامه، بل يحتفظ في مكتبه بطاولة مستديرة، يتفادى ارتداء الزي الرسمي الكامل ليحس ضيفه بحميمية، يؤمن بأن الامبراطور يجب عليه توقع أن يخبره أحد جنوده بعريه، رأى في فيتنام وهو ضابط صغير كيف كان الضباط الكبار يخفون حقيقة سير المعارك عن القيادة السياسية لذلك عندما حدثت حرب الخليج الثانية عام 1991، صمم أن يعرف بالضبط ما هي الأهداف السياسية للحرب وحدودها، وعندما تم توجيه اللوم له على أسئلته باعتباره عسكرياً ينبغي أن ينفذ فقط رد قائلاً «شبح فيتنام لايزال في ذهني والأهداف التي يجب أن نضحي بالأرواح لأجلها يجب أن تكون واضحة». لعب باول لفترة طويلة دور أحد الحمائم، غير انه في النهاية انحنى لعاصفة الصقور واستعار مخلباً، يقول عبدالرؤوف الريدي سفير مصر الأسبق في أميركا: لو كان الأمر في يد كولن باول لعالج الأزمة العراقية بشكل مختلف، ولم يكن يصعدها الى حد الحرب. هو رجل عسكري خاض غمار الحرب ويعرف ما تعنيه من ويلات، ويعرف انها قد تنتهي الى ما هو أسوأ مما كان بالنسبة لمن بدأها. غير ان تحول باول وانصياعه لصقور البنتاغون ليس مفاجئاً بل متوقع إذا عرفنا مفهومه للولاء، يقول باول: «الولاء يعني أن نتجادل حول أمر ما، وأن تعطي رأيك الحقيقي سواء كنت تعتقد انه سيعجبني أم لا، ولكن حالما انتهى النقاش واتخذ القرار، يصبح الولاء منذ تلك اللحظة أن تنفذ القرار كما لو كان قرارك»! ورغم حساسية باول بسبب دمائه الأفريقية، وانحيازه أحياناً ضد قارته ليثبت ولاءه لأميركا، فإنه لا يفعل الشيء نفسه فيما يخص الدماء اليهودية التي تسير في شرايينه، بل يأمر وينهى أعداء اسرائيل ويربت بيده على كتف شارون «رجل السلام» فيما يشير بسبابته في كل الوجوه العربية، خلال اجتماعه الأخير بإيباك كان أوشك أن يقولها صراحة، نحن نخوض الحروب التي أرادت لنا اسرائيل أن نخوضها. مزدوجون هم الأميركان في كل شيء وأكثر مسئوليهم حمائمية.. كذلك. الحمائم هم الضعفاء، أما في دول قوية فالجميع صقور تقطر من مخالبهم الدماء. مجدي شندي

طباعة Email