الاثنين 28 محرم 1424 هـ الموافق 31 مارس 2003 أكد يوشكا فيشر وزير الخارجية الألماني رفض بلاده المشاركة في الحرب الأميركية البريطانية على العراق، معتبراً ان الولايات المتحدة ارتكبت خطأ كبيراً في شن الحرب. واتهم في حديث لمجلة «دير شبيغل» الألمانية إدارة الرئيس بوش بأنها اتخذت قرارات على درجة قصوى من الخطورة وتسير في الاتجاه الخاطيء. وأضاف ان أي نظام كوني تشكل المصالح القومية للقوة العظمى فيه معيار استخدام القدرات العسكرية سيبؤء بالفشل، وفيما يلي نص الحديث: ـ أثبت سقوط أول قنبلة على بغداد فشل تصورك نهائياً بامكان نزع السلاح من العراق بالطرق السلمية، ما الذي أدى الى ذلك؟ ـ السبب بمنتهى البساطة ان الموقفين السائدين ـ هنا نزع السلاح تحت المراقبة، وهناك تغيير النظام بالقوة ـ لم يسمحا بالتوصل الى حل وسط. ـ هل كان هذا واقعا؟ ـ بالتأكيد كان من الممكن نزع السلاح عن العراق بمزيج من الضغط العسكري والتفتيش والخطوات المنفردة المحددة. لعبة أفكار جميلة، لكن هذا كان يتطلب التخلي عن الأصوات النشاز خلال الحملة الانتخابية والبدء في حوار جدي مع الولايات المتحدة. وهذا ما فعلته، على أقصى الفروض منذ 18 أو 19 سبتمبر 2001، عندما شرح لي بول وولفوفيتز نائب وزير الدفاع الأميركي في واشنطن، بالتقريب كيف يجب أن يكون ـ حسب رأيه ـ رد الفعل على الارهاب العالمي. ـ ومن ثم؟ ـ كان يرى ان على الولايات المتحدة أن تحرر عدداً من البلدان من حكوماتها الارهابية، وبقوة السلاح لو تطلب الأمر. وفي نهاية المطاف يستتب الأمر لنظام كوني جديد، يوفر قدراً أكبر من الديمقراطية والسلام والاستقرار والأمن للبشر. ـ هذه رؤية مستقبلية أعتقد انك لا تشاطره اياها كاملة؟ ـ انني لا أستطيع بل ولا أريد أن أتصور اننا على عتبة لسلسلة من حروب نزع السلاح. على العكس، علينا أن نعمل على تطوير أدوات الحلول السلمية، وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة، فلا يجب أن ننتهي وليس في يدنا سوى خيار أحادي فقط، إما أن نترك خطراً جسيماً على حاله أو أن ننزلق الى حرب لنزع السلاح، علينا أن نتفادى ذلك، هذه هي مسئولية السياسة، وهذا ما تسعى اليه أغلبية الدول الأعضاء في مجلس الأمن، لكن مما يؤسف له اننا الى الآن لم نتوصل الى حوار حقيقي عبر الأطلسي حول هذه القضية. ـ ولماذا؟ ـ لقد تأخر الأوروبيون في المبادرة بالحوار الاستراتيجي فيما بينهم، علينا أن نعوض ذلك الآن، فنحن أمام قضايا البشرية الكبرى: ما هي نوعية النظام الكوني الذي نريد أن نحيا في ظله؟ ما هي أهم عناصره؟ وما هي المخاطر والمجازفات المحدقة بسياسات التدخل التي نتبعها حتى الآن وكيف نواجهها؟ ـ أليس من الأحرى ان الحوار عبر الأطلسي لم يتم لأن الألمان قد ركنوا من جانب واحد الى فرنسا ثم روسيا، فيما بعد؟ ـ لا. ـ ولأن الحكومة الاتحادية قد حددت موقفها في وقت مبكر وبوضوح، بحيث لم تعد طرفاً في عملية اتخاذ القرار الأميركي؟ ـ ان السؤال الأساسي هو: هل للدول التي ترتبط الآن ارتباطاً وثيقاً بالولايات المتحدة تأثير على الاطلاق، سواء سابقاً أم لاحقاً. هل كان علينا فعلاً أن نتحول لنسير في الطريق الذي تنتهجه الحكومة الأميركية؟ ليس في الامكان أن تمثل سياسة أنت غير مقتنع بها في ارادة نفسك، ومن هنا فإن الاعتراض الموجه الى المستشار الألماني بأنه قد جعل من العراق موضوعاً في الحملة الانتخابية، يتلاشى لاحقاً، فمن البديهي انه كان القضية المحورية في الحملة الانتخابية، هنا وفي بلدان أخرى، وتواجه تلك الحكومات التي تدعم الموقف الأميركي مشاكل ضخمة تكاد أن تصل الى حد قلقلة النظام الديمقراطي. ـ هل تقصد بلداناً مثل بريطانياً وأسبانيا؟ ـ نعم، لكن هناك شيء آخر مثير للعجب. خذ المكسيك مثلاً أو التشيلي أو تركيا حالياً ـ كلها ديمقراطيات حديثة. يظهر في هذه البلدان عناد الديمقراطية. فالديمقراطية تعني كذلك الرأي الآخر ـ وفي القضايا الحياتية الأساسية حتى لو كان ضد الدول الصديقة. وهذه تجربة على قدر فائق من الأهمية، تتخطى في مغزاها الفترة الآلية، ويعني ذلك: لو ان في أوروبا آخرين يحملون آراء تخالف اراءنا، فيجب ألا يسبب هذا قلقاً أو يؤدي الى اضطراب، بالعكس، انه مؤشر على النضج. ـ كما لو انك ترى في انفصال ألمانيا عن الولايات المتحدة مؤشراً على نجاح الديمقراطية فيما بعد الحرب؟ ـ لا يوجد من يريد الانفصال، فتبقى العلاقات عبر الأطلسي على أهميتها الفائقة بالنسبة لنا، السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما العمل حال بروز تناقض بين واقع الحلف وجوهره، وليس لرغبة منا في ذلك، وانما لأن أهم حليف لنا يتخذ قرارات نراها على درجة قصوى من الخطورة، لقناعتنا بأنها تسير في الاتجاه الخاطيء. ـ اذا انتهت حملة العراق نهاية سريعة، قد يؤدي هذا الى حث ادارة بوش على القيام بحملات مسلحة اخرى، كيف نستطيع ان نحول دون حروب اخرى لنزع السلاح، قد تكون على الاجندة في المستقبل؟ ـ ظهر في النقاش خلال اجتماع مجلس الامن الاخير ان هناك اجماعا اوروبيا عريضا، على الاقل فيما يتعلق بنقطة واحدة، الا وهي حاجتنا الى قواعد ومؤسسات دولية تتيح لنا ان نحول وبفعالية اكثر من الان، دون انتشار اسلحة الدمار الشامل. ـ هذا كلام رنينه جميل، لكن مثال العراق يعلمنا ان الدول التي تمتلك اسلحة الدمار الشامل، عادة ما لاترغمها الا القوة العسكرية على نزع السلاح؟ ـ اعترض على ذلك، بالنسبة لكوريا الشمالية تمكن كلينتون الرئيس السابق على بوش، بالاساليب الدبلوماسية ولفترة طويلة ان يحتوي برنامجها النووي الى ابعد الحدود، وبدون ان يعلم الرأي العام بذلك كاملا، تعقدت الامور عندما توقفت الحكومة الجديدة في واشنطن عن تنفيذ هذا البرنامج بل واكثر من ذلك اهم نجاح احرزناه فيما يتعلق بتدمير اسلحة الدمار الشامل لم يتم بالوسائل العسكرية، وانما على المستوى السياسي بنهاية الحرب الباردة. ـ على الاقل حالة العراق تناقض نظريتك، فلو لم يقرر الاميركان ان يخوضوا الحرب في جميع الحالات او على الاقل، في حالة الشك، ان يلوحوا بخوضها، لم يكن لصدام ان يقدم ايا من التنازلات؟ ـ في حالة الشك او كآخر وسيلة او في جميع الحالات، كل منها يختلف اختلافا حاسما عن الاخر، علينا الا ننسى هذا لاهميته القصوى في هذه القضية، بالتأكيد ان كواليس التهديد العسكري قد تلعب دورا، لكنها ايضا سلاح ذو حدين، اذ نرى اليوم انها كانت اكثر من مجرد كواليس، فوراءها تم تجهيز جيش غزو، على كواليس التهديد ان تغرز تهديدا لا ان تشكل آلية تحتم نشوب الحرب، اما بسبب المتطلبات العسكرية او الخوف من احتمال اراقة ماء الوجه. ـ لقد اضعفت المانيا بناء كواليس التهديد وبإصرار؟ ـ لقد حددنا اولويات مغايرة، مازلت اعتبرها صحيحة، وعلاوة على ذلك فإننا لم نضف شيئا وانما قلنا بأننا ولأسباب وجيهة، لن نشارك في اية اعمال عسكرية. ـ تجاهلت اميركا منظمة الامم المتحدة، بالرغم من ان اغلبية الدول الاعضاء كانت ترفض الحرب رفضا باتا هل للامم المتحدة مستقبل بعد هذا الفشل الذريع؟ ـ انتظر اقتراحاتكم: ماهو البديل فلا النظريات السياسية ولا السياسة العملية تقدم خيارا جديا، خليفا بأن ينجز ولو مبدئيا، ما تنجزه الامم المتحدة. ـ الولايات المتحدة؟ ـ لا، فهذا سوف يثقل كاهل الولايات المتحدة، ان قوتها العسكرية لا تضاهيها قوة، لكنها ستصطدم سياسيا وبسرعة بحدود لن تستطيع تخطيها، اذ ستعالج القضايا من منطلقها القومي، وهناك قناعة حقيقة لدى اغلبية الدول الاعضاء في الامم المتحدة بأن الحرب هي اخر الوسائل، لا تستخدمها منظومة الدول الا لو استهلكت كل الوسائل الاخرى، هذا ما ابرزته النقاشات في الاسابيع والاشهر المنصرمة. ـ لكن هذا لا ينفي ان الولايات المتحدة هي القوة النظامية الوحيدة المتبقية التي مازالت قادرة على التحرك عالميا؟ ـ ان قوة الولايات المتحدة عنصر حاسم لاستتباب السلام والاستقرار في العالم اجمع، لا يمكن ان يناقشني احد في ذلك، فهذا ما جربته مرارا وتكرارا في النزاعات الاقليمية المتعددة، بل وفي سياق الامن على مستوى العالم، لكن اي نظام كوني تشكل المصالح القومية للقوة العظمى فيه معيار تعريف استخدام القدرات العسكرية لهذه القوة، سيبوء بالفشل ففي نهاية الامر، يجب ان تسري نفس القواعد على الكبار ومتوسطي الحجم والصغار، ـ ان المحافظين الجدد الذين يتبوأون سدة الحكم في واشنطن ينظرون باحتقار الى اصرارك الدؤوب على القواعد الدولية بأنه تعبير عن فكر اوروبا القديمة؟ ـ كرس استاذ العلوم السياسة الاميركي روبرت كيغان هذه الصورة الغريبة، بقوله عن الاوروبيين انهم من سكان كوكب الزهرة، ساعين نحو حلم السلام السرمدي، بينما الاميركان اصلا من المريخ، يقفون ثابتين في الواقع الذي يمثله وكر الذئاب المسمى بالسياسة الدولية، اي حرب الكل ضد الكل، لم يعش الاميركان معركة فردان في قارتهم، ولايوجد في الولايات المتحدة ما يضاهي محرقة اوشفتس او معارك ستالينغراد او ايا من تلك الاماكن الرمزية المفجعة في تاريخنا. ـ كلها كوارث، وقفت اميركا فيها الى جانب الحق؟ ـ اي نعم! ومازلنا حتى اليوم على عرفاننا بالجميل، فالوحدة الاوروبية هي الرد على عصور طويلة من الحروب والمجازر الاوروبية، لكنها لا تشكل الارتداد الى وهم السلام السرمدي، فالعمل على محاولة فض النزاعات بالطرق السلمية لا علاقة له بالتخاذل او الخيالات الرومانسية. ان كيغان لا يتحدث عن الحنين، وانما عن الضعف السياسي، فالوحدة السياسية الاوروبية مفقودة، كما ان اوروبا لا تشكل قوة عسكرية يعتد بها، فإننا نحن من نسير في الغابة بلا سلاح، مما يثير فينا الخوف، هذا ما يقوله كيغان؟ تكفي نظرة واحدة الى التاريخ الاميركي لتثبت عبث ما يقول، بعد الحرب العالمية الثانية، عندما كانت الولايات المتحدة هي بالفعل القوة النووية الوحيدة الفريدة في قوتها، كان هناك جيل يسمى «الجيل المعظم» لديه الشجاعة الخلاقة ليس فقط لايقاف الشيوعية السوفييتية عند حدها، وانما ايضا لاعمار اوروبا على اساس من التعاون والتحالفات، ان الولايات المتحدة كانت دائما في اوج قوتها، عندما تربط تلك القوة بالائتلافات وتسعى الى اقرار الاعراف الدولية، التي يقبل بها الجميع. لا يغير هذا من ان الاوروبيين الذين يراهنون بالدرجة الاولى على القواعد والمؤسسات هم بالرغم من ذلك او لهذا السبب، في غاية الضعف سياسيا، علينا ان نستخلص النتائج من ذلك. ـ اي نتائج؟ ـ علينا ان نتحمل قدرا اكبر من المسئولية.. ـ ونتقاسم مع فرنسا حق الفيتو في مجلس الامن! ـ انسوا هذا، هذه العاب ذهنية، لا يمكن ترجمتها واقعا. ـ ما الذي تقترحه اذا؟ ـ نحن بحاجة الى مؤسسات اصلب عودا، بما في ذلك ان نقوي من شوكة السياسة الاوروبية الخارجية، او بمعنى اخر، حيثما اخذت الدول القومية بزمام المبادرة منفردة، كانت اوروبا ككل ضعيفة، وحيثما توجد مؤسسات مشتركة تؤدي وظيفتها، نرى اوروبا قوية. ـ معنى ذلك بالتحديد؟ ـ ان نقوي من قدراتنا ونوسع جميعا من رقعتها، فنحن بحاجة الى وزير خارجية اوروبي قوي، يجمع في شخصه بين وظيفة خافير سولانا كمندوب سام وكريس باتن كمفوض ـ شخص واحد له رقم تليفون واحد. ـ تبدو هذه الفكرة بعيدة تماما عن الواقع حاليا؟ ـ في رأيي ان هذه الفكرة ضرورة ملحة الان اكثر منها في اي وقت مضى.