الاثنين 28 محرم 1424 هـ الموافق 31 مارس 2003 حذر تسفي برئيل الكاتب الاسرائيلي المختص في الشئون العربية من اتباع الولايات المتحدة نموذج اسرائيل في فلسطين وتتحول الى قوة احتلال للعراق تمول حربها فيه من موارده الغنية، لكنه حذر ايضا من ان واشنطن ستغرق في مستنقع النزاع العراقي الداخلي ومقاومة احتلالها لو تمكنت من حسم المعركة رسميا لصالحها. وقال برئيل في مقال نشرته «هآرتس» امس: ان مشكلة الحرب الأساسية حتى الان هي أنها تعتبر احتلالاً للعراق وليس قضاءً على مركز الشر بها. وكما في حروب أخرى، فانه لا يصعب عليها الاقناع بالأفق السياسي الذي سيتلوها، فان القضاء على صدام حسين، حين يحدث، سيكون محطة واحدة فقط في هذه الحرب، وليست الأخيرة، لأنه يفترض بهذه الحرب، باسم الشعب العراقي، أن تكون حربا استراتيجية، وليس مثل حرب أفغانستان، التي أبدلت الحكم في مدينة واحدة، كابول، وتركت باقي الدولة تحت سيطرة صعاليك حرب محليين. لكن هذا أفق سياسي خيالي. ان حرب العراق طموحة: تغيير النظام في كل الدولة؛ ادخال الديموقراطية الأولى في دولة مسلمة «تركيا لا تعتبر مسلمة لأنها تصنف نفسها كدولة علمانية»؛ تلميح قوي لكل دول الشرق الأوسط وخصوصا تلك التي تكون معا «محور الشر»؛ والمقولة العظيمة ـ «أم كل المعارك» ستلد أب السلام. الا أن المعارك التكتيكية في أم قصر، الناصرية وحتى حصار البصرة، نجحت في تحطيم الصورة الاستراتيجية التي توقعها مخططو الحرب، ومن المفضل أن نستعد لامكانية أن تكون نهاية هذه الحرب مثل كل الحروب التي على شاكلتها: احتلال وليس تحريراً. أي، فوز عسكري وفشل سياسي. ان الدولة المحتلة، كما تعلمنا تجربة اسرائيل القليلة، تقع في حب الاحتلال. وسوف تزود العراق بالكثير من الأسباب لهذا الحب، فلن يكون بالامكان ترك العراق لنظام لا يستطيع تزويد الضمانات الكافية لعدم نمو صدام اخر، للشيعة الذين قد ينضمون لايران؛ للأكراد الذين قد ينقضون على النفط؛ وللحكومات التي سترغب باستغلال الفرصة لجرف عقود الاصلاح. ان الدول التي تعارض الحرب، والتي تحمل حاليا أكبر عقود في العراق، هي أيضا التي تقول بأن من شرع في الحرب هو من سيتحمل ثمنها أيضا؛ لكن ستريد الولايات المتحدة وبريطانيا تمويل الحرب من موارد العراق. ولهذا الهدف فعليهما تعيين شخص موال لهما لادارة العراق، أو يفعلان ذلك بنفسيهما. وفي نفس الفرصة سيترتب على من يدير العراق أن يوقف سفك الدماء بين الفصائل ـ بين من عانى من صدام وبين من تمتعوا منه، بين داعمي الولايات المتحدة وبين معارضيها، بين المتعاونين وبين الوطنيين، بين المتدينين وبين العلمانيين ـ لأن المجتمع العراقي سيتصرف مثل أي مجتمع محتل، سيتصارعون فيما بينهم وضد محتليهم. لذلك فلا جدوى من تكهن موعد نهاية الحرب. هذه ليست حربا يمكن أن تنتهي خلال أيام معدودة وحتى ليس خلال اسابيع. احتلال دولة مثل العراق هو موضوع طويل. لكن حتى حين تنتهي الحرب «رسمياً»، فقد تتحول من حرب الى نزاع ـ كوضع ثابت. والدولة، حتى لو كانت قوة عظمى، التي تواجه نزاعا مستمرا مع الشرق الأوسط، سيصعب عليها دفع ذلك السلام الاقليمي الذي تطمح له الحرب.