الاثنين 28 محرم 1424 هـ الموافق 31 مارس 2003 فضح جدعون ليفي المراسل الصحفي الاسرائيلي المختص في حقوق الإنسان الدعاية الأميركية الزائفة حول «الاحتلال الحضاري» للعراق قائلاً ان هؤلاء الأطفال، الصغار الذين تبرز وسائل الإعلام الغربية والعبرية صورهم يصافحون جنود المارينز سيلاحقونهم غداً بالحجارة كما يفعل أطفال فلسطين ضد جنود الاحتلال. وقال ليفي في مقال لصحيفة «هآرتس» العبرية أمس ما هي الدعاية الهابطة والأضعف في هذه الحرب، هل هي العراقية أم الاميركية؟ من الصعب ان نعرف. في يوم الخميس الماضي مثلا تحدث الجنرال الاميركي ونسنت بروكس مع الصحفيين في مقر قيادته في قطر. الجنرال عرض على الصحفيين صورا لضابط بحرية اميركي وهو يصافح اطفالا عراقيين. الاطفال يظهرون حيارى أو مصدومين حتى، ومصافحة الجندي بدت وكأنها تتم رغم ارادتهم. وماذا قال الضابط ـ الداعية للصحفيين؟ «نحن نرى اطفالا يذوقون طعم الحرية لأول مرة في حياتهم» ليس أقل من ذلك: طعم الحرية من خلال مصافحة الأيادي الاحتلالية. في اليوم التالي نشرت في اسرائيل صورة مشابهة: جندي اميركي يحمل في ذراعيه طفلا رضيعا عراقيا خائفا ونصف جسده الأسفل عار. «بأيادي طيبة» كتبت «يديعوت احرونوت» في عنوانها الضخم فوق الصورة وفي الصفحة الاولى. أيادٍ طيبة؟ ولماذا كان الطفل عاريا؟ وماذا حدث لوالديه؟ ولماذا هو خائف؟ مخزون التبريرات التي تقف من وراء الحرب ضد العراق شحيح جدا لدرجة ان الاميركيين يحتاجون للدعاية الرخيصة مثل صور الاطفال المحمولين على أذرع جنودهم من اجل تبرير هذه الحرب. الاحتلال الاميركي ـ الذي قتل حتى الآن ألف جندي عراقي و350 مدنياً، بحسب التقارير ـ هو من وجهة نظر آلة الدعاية الاميركية ـ تجسيد للعدالة والصدق. اميركا كحالها دائما ونحن معها لشدة الأسف: تقول ان هذه الحرب مثل كل سابقاتها تدور بين قوى الخير المطلق الاميركية وبين قوى الشر المطلق المتمثلة في العراق هذه المرة. كل احتلال يبدأ بهذه الطريقة: بعد حرب الايام الستة أُغري اسرائيليون كثيرون وانجروا وراء الاعتقاد بأن الاحتلال يجلب معه التقدم والتطور للفلسطينيين. المعطيات حول ارتفاع عدد التراكتورات في المناطق كان برهانا راسخا على رأفة ونقاء قلب المحتلين وفرحة في قلوب الفلسطينيين الذين كانوا مسرورين من تحريرهم على يد المحتل المخلص. هذه الصورة الزائفة الكاذبة سرعان ما تبددت عندما تبين ان الفلسطينيين ليسوا شركاء في هذه الفرحة المزعومة. وهم مثل كل الشعوب فضلوا الاستقلال الضعيف والمتخلف على الاحتلال الحضاري المتنور. وايضا عندما احتلت اسرائيل جنوب لبنان كانت صور الأرز الذي يرش على جنود جيش الدفاع برهانا على انتصار العدالة والفرحة العارمة التي ألمت باللبنانيين. ولكن هذه الفرحة سرعان ملا تلاشت كمثيلاتها. المحتل يريد ان يظهر في صورة حضارية وان يكون في هيئة المحرر على الأقل في نظر ذاته بحيث يطرح صورته الشرعية أمام جمهوره وفي اوساط المقاتلين انفسهم. ولكن ليس هناك شعب يكن للمحتل الشكر والعرفان لانه قام باحتلاله. ومن البديهي طبعا ان يصبح الجنود الاميركيون عرضة لرشقات ومطاردات الاطفال العراقيين ـ الذين يحملونهم الآن على أذرعهم ـ ويقومون بقتلهم مثل جنودنا، اذا طال أمد الاحتلال الاميركي للعراق. الحرب التي فرضتها الولايات المتحدة على العراق لم تجتز اختبار الشرعية القانونية الدولية. ماري روبنسون، ممثلة الامم المتحدة لحقوق الانسان سابقا، قالت لقناة الـ بي.بي.سي قبل البدء في الحرب ان اغلبية الخبراء في القانون الدولي يعتقدون مثلها ان هذه الحرب غير شرعية. اميركا التي تجتاح العراق وتقصف مدنه بآلاف الصواريخ وتوجه ضرباتها لمئات المدنيين لا تتردد الآن في الاستناد لمعاهدة جنيف وهي جزء من القانون الدولي ايضا عندما طالبت بمعاملة الأسرى حسب هذه المعادلة. العالم مليء بصور الخوف والذعر التي ظهرت في عيون الجنود المأسورين، ولكن أحدا لم يظهر الخوف والجزع في عيون آلاف الأسرى العراقيين، وهذا حدث ايضا مع عيون الأسرى الأفغان الذين سجنوا في ظروف لا تحتمل ولا تطاق في كوبا من دون محاكمة وحقوق. أوليس من حق العراقيين ان يقاوموا هذا الغزو العدواني؟ هل من الصحيح ان خوف العراقيين من صدام هو الذي يحركهم أم انها ثورة ومقاومة شعبية شرعية ضد المحتل الأجنبي الذي يطأ ارضهم والمختلط بالمشاعر العدائية العريقة لاميركا والتي قد تكون مبررة وحقة؟. الحرب ضد العراق ما زالت في مراحلها الاولى، ومن الصعب ان نعرف ما الذي ستحمله في طياتها، ولكن من الممكن ان نقرر من الآن انها ليست حرب أبناء النور ضد أبناء الظلام. الاطفال العراقيون مثل كل الاطفال كانوا يودون ان يمسك أهاليهم بأيديهم وليس أي جندي مارينز أجنبي مهما ظهر حضاريا ورحيما في الصور.
جدعون ليفي المختص الاسرائيلي في حقوق الإنسان: أطفال العراق لن ينخدعوا ب«الاحتلال الحضاري» وسيلاحقون المارينز
