الاثنين 28 محرم 1424 هـ الموافق 31 مارس 2003 «من السهل إظهار انك حازم عندما لا تكون أحد الأشخاص الموجودين وسط عاصفة رملية تحدق من حولك بحثاً عن قناصة». «هذه حرب دامية وظالمة تهدد بتأجيج ارث طويل الأمد من الكراهية للغرب في العالم العربي والإسلامي». هذا جزء من مقال يشبه الصراخ في آبار قديمة نشره أمس روبين كوك وزير الخارجية البريطانية السابق على صفحات «صنداي ميرور». في اليوم نفسه كان مقال آخر يبرر الحرب على العراق كتبه توني بلير رئيس الوزراء البريطاني يحتل مساحته على صفحات عدة صحف عربية. روبين كوك واحد من كبار السياسيين الذين يحظون بالاحترام في بريطانيا، حاول مراراً كبح جموح بلاده الى استعادة دورها الاستعماري السابق دون جدوى. منذ توليه منصب وزير الخارجية في حكومة توني بلير الأولى (1997) رفع شعار البعد الأخلاقي في سياسة بلاده. فوعد بمراجعة مبيعات الأسلحة البريطانية والتي تصل الى سبعة مليارات دولار سنوياً وربطها بحقوق الإنسان. ولكن مثله مثل أي سياسي صادق مع ذاته واجه كوك الرؤى الذاتية المتناقضة لحقوق الإنسان، واشكالية الموازنة بين هذه الحقوق وبين مصالح بريطانيا التي تعتمد بشكل هائل على صناعات حربية يعمل بها نصف مليون شخص. «أريد أن يعود جنودنا الى ديارهم قبل أن يقتل منهم المزيد». قال كوك هذه العبارة حينما كانت جثث عشر جنود بريطانيين تصل الى أحد مطارات بريطانيا، وداعياً توني بلير الى سحب القوات البريطانية الغازية للعراق من هذه الحرب الدامية والظالمة. ظل كوك شوكة في حلق توني بلير منذ بداية الاعداد لهذه الحرب التي تدور رحاها الآن وحتى استقالته من منصبه الوزاري يوم 17 مارس الجاري، كزعيم للأغلبية العمالية في مجلس العموم ووزير للعلاقات البرلمانية، وقبلها حاول كوك الرهان على ان بلير سيفشل في انتزاع موافقة مجلس العموم غير ان «التعقل» هو الذي فشل وتجار الحروب هم الذين ربحوا الجولة. وكان شرط كوك لكي يقبل ما يجري هو أن يتم الحصول على تفويض بالحرب من الأمم المتحدة، وأن تركز على نزع أسلحة الدمار الشامل دون ازاحة النظام العراقي، ووقتها حذر طويلاً من مواصلة السير وراء بوش. ذلك الذي يجلس وسط الدعة في كامب ديفيد رامياً بالجنود في أتون حرب دامية، منطلقاً من فكرة ان جيش العدو سيتعاون معه، حسب مقاله المنشور أمس في «الميرور». ليس بوش وحده هو المتهم بل ان رامسفيلد أيضاً الذي يبدو وكأنه لا يعلم ماذا يفعل، وصل بجنود المارينز الى ضواحي بغداد، ثم غير التكتيك العسكري وقرر حصارها في انتظار أن يسلم صدام نفسه. مواقف روبين كوك اتسمت في الغالب بطابع أخلاقي لدرجة انه كان يبدو في بعض الأحيان كمن يجدف ضد التيار. فقبل خمسة أعوام من الآن (19 مارس 1998) أغضب اسرائيل وأميركا، وعوقب بحرمانه من مأدبة عشاء كان يفترض أن يقيمها له بنيامين نتانياهو رئيس وزراء اسرائيل المتطرف. والسبب هو قيام كوك بزيارة لموقع جبل أبو غنيم، حيث كانت السلطات الصهيونية تستعد لبناء مستوطنة يهودية على أرض مغتصبة شأنها شأن كل ما يملكه الصهاينة هنا، في ذلك اليوم وافقت سلطات الاحتلال على أن يزور كوك المكان ولكن بصحبة مسئولين اسرائيليين، غير انه فعل العكس وتوجه الى المكان بصحبة فيصل الحسيني. ولأنه إذا اشتعل عود ثقاب في تل أبيب تحدث حرائق في واشنطن، فقد غضبت العاصمة الأميركية واعتبرت التصرف غير لائق رغم انه ذهب الى أرض في رعاية أصحابها بدلاً من أن يذهب اليها في كنف مغتصبيها. ولكن ماذا تفعل معارضة كوك وثمانية وزراء آخرين استقالوا من حكومة بلير الذي أصبح مدعوماً من المحافظين، حينما تخلى عنه نواب حزب العمال، ومن واشنطن واللوبي الصهيوني وكل من يمنون أنفسهم بجزء من الكعكة العراقية وما يتبعها من كعك آخر. العارفون الى حد ما بالمنطقة وما يمكن أن تحدثه من آثار فيها لقوا هزيمة على يد الجهلة بوش وفريقه. الوصف ليس من عندي وانما وصف اللورد غيرالد كوفمان مسئول العلاقات الخارجية السابق في حزب العمال. يقول كوفمان: بوش أكثر الرؤساء الأميركيين الذين قابلتهم تخلفاً ثقافياً، والمستشارون المحيطون به لا يفوق حبهم للحرب إلا أميتهم السياسية والعسكرية والدبلوماسية. 23 جندياً بريطانياً حتى الآن عادوا جثثاً ومع ذلك فإن أحداً لا يصغى لأمثال روبين كوك اذ تصر البناية رقم 10 داوننغ ستريت على السير في الطريق حتى النهاية، فهناك كنوز قارون التي ستمكن أميركا وبريطانيا من الامساك برقبة العالم، وفي سبيل النفط واسرائيل تهون التضحيات. الحصار ليس هناك أكثر ما هو فظاظة منه لأنه يتسبب في موت الأطفال وتجويع الناس، حزب العمال سيدفع الثمن غالياً لهذه الحرب، لقد طفح الكيل، ولم يكن رد الحكومة البريطانية غير سنواصل الحملة، لا يعرف أحد ما إذا كان بلير قالها بصوته، أم انه استعان باحدى تسجيلات جورج بوش. مجدي شندي