الاحد 27 محرم 1424 هـ الموافق 30 مارس 2003 اثيرت موجة من التساؤلات حول غياب الجنرال تومي فرانكس رئيس القيادة المركزية الاميركية والمهيأ لحكم العراق عن ساحة الاعلام وقارن كثيرون بينه وبين نورمان شوارتسكوف الذي قاد حرب الخليج الثانية. ويربط المحللون هذا الغياب بالبلبلة التي اصابت الادارة الاميركية وصقورها نتيجة الخسائر غير المتوقعة من حربها في العراق، وقد لوحظ ان ذلك الغياب ترافق مع تصاعد التصريحات العسكرية الاميركية المضمنة حينا والصريحة حينا آخر ولعل محاولة وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد التبرؤ من خطة الحرب ونسبها إلى فرانكس دليل كاف. ويبدو ان الموقف العسكري الخطير انتج دعوات كثيرة لمراجعة الخطط العسكرية سربتها وكالات الانباء مشيرة إلى ان هناك حديثا يدور حول مراجعة الخطط العسكرية مما يستوجب توقفا عملياتياً بينما تضاربت الانباء بين البنتاغون وقاعدة السيلية الاميركية حول ذلك. موجة الانتقاد التي تصاعدت مؤخرا صبت في النهاية على امير الحرب المختفي الذي قالت مصادر انه يدير العمليات من قاعدة عسكرية اميركية في السعودية، وذهبت مصادر اخرى إلى انه يبحث مع قادته ثغرات خططه العسكرية التي صرح قبل بداية العمليات الحربية انها خاضعة للتغيير بمجرد ان يبدأ القتال، وذلك ما صرح به وريتشارد مايرز رئيس هيئة الاركان الاميركية مؤخرا، ملقيا الكرة في ملعب فرانكس مرة اخرى. الواقع الذي خرج به المحللون الاستراتيجيون هو ان فرانكس اقدم على مجازفات لا ضرورة لها في الاستراتيجية التي يستخدمها بما في ذلك اطالة خطوط الامداد والسماح بوجود تجمعات لقوات العدو في مؤخرة قواته المتقدمة، كما اخذ عليه تشكيله قوة غزو اصغر مما يجب مقارنة مع المهمة المنوطة بها. ونقل عن لورين طومسون المحلل العسكري في معهد ليكسنغتون في فرجينيا قوله: ان القوة التي استخدمت صغيرة إلى حد انها قد تكون اصغر قوة بالنسبة لقوات العدو في جميع الحملات البرية الرئيسية التي قمنا بها في القرن الاخير. والحديث هنا عن ان الولايات المتحدة تهاجم اكثر من 12 فرقة عراقية بفرقتين اميركيتين، علما بأن الفرقة الواحدة تضم حوالي 15 الف جندي، كما ان قوافل امداد الجيش الاميركي دخلت فيما يبدو منعطفا غير الذي كانت تقصده، فمنها من وقع في كمين ومنها من وجد التفافاً عراقياً عليه. ويأخذ الاستراتيجيون على اطالة خطوط الامداد انها قد تعرض هذه الخطوط للخطر فهي شرايين الحرب واذا قطعت فيجني ذلك خسارة الوقود والذخيرة من القوات الامامية بسرعة كبيرة، كما انه لم يتوفر وفق خطط فرانكس امناً لحماية طرق الامداد وبدا الامر كأن القوة الاميركية البريطانية بحاجة إلى مزيد من الجنود لحمايتهم، وربما ذلك ما كان مدار البحث الذي اختفى فرانكس من اجله. وتومي فرانكس عرف بلقب «امير المقالب المرحة» بين ضباطه المقربين اليه، وهو يتولى رئاسة القيادة المركزية الاميركية «سنتكوم» وهي واحدة من تسع قيادات قتالية عالمية مسئولة عن جميع النشاطات العسكرية الاميركية في 25 دولة بافريقيا واسيا الوسطى والشرق الاوسط بما في ذلك افغانستان واخيرا العراق، ويقع مقرها في قاعدة «مكديل» الجوية في تامبا بولاية فلوريدا. ولد في تكساس عام 1945 وتخرج في مدرسة مرشحي ضباط المدفعية في فورت سل بأوكلاهوما، ثم كلية الحرب بالجيش الاميركي، والتحق بالجيش الاميركي عام 1967 كملازم ثان بالمدفعية، وخدم فترة قصيرة في فيتنام بفرقة المشاة التاسعة، ثم عاد عام 1968 لفورث سل ليقود سرية بطارية مدفعية في مركز تدريب المدفعية واختير عام 1969 ببرنامج للجيش لنيل درجة عسكرية، التحق بنفس العام بعدها بجامعة تكساس ـ آر لينغتون وتخرج منها عام 1971 بعد حصوله على درجة في إدارة الاعمال. خدم في المانيا الغربية عام 1973 وعين في البنتاغون عام 1976 حيث خدم كمفتش عام للجيش في قسم التحقيقات، والتحق عام 1977 بمكتب رئيس ابحاث الجيش حيث خدم في فريق نشاطات الكونغرس. اشترك في عملية عاصفة الصحراء عام 1991 وكان يشغل منصب مساعد قائد فرقة المناورات ثم سرعان ما ترقى في الرتب ليصل الى رتبة جنرال في يونيو عام 2000 وأصبح اعلى رتبة في الجيش الأميركي ثم تولى رئاسة القيادة المركزية الأميركية. عرف فرانكس بأنه قائد مثير للجدل، فهو لا يحب الكاميرات والاضواء واذا ما اجتمع الى ضباطه فانه لا يخطب حول واجب أو مجد وانما يطلق نكاتا تكون بذيئة في اغلب الاحيان، وربما كانت فضيحته التي تعرض بها للتحقيق في الكونغرس احدى النكات السمجة كما قال احد المقربين اليه. وصف فرانكس بأنه ذو قدرة عالية في التكتيك، ولكن ينتقده الاخرون ويصفونه بأنه غير متجاوب ومبالغ في الحرص ومحدود الخيال ومفرط في التقليدية، فهو مغرم في الجندية التقليدية، ولايزال يؤمن بأن الجنود عليهم ان يتحركوا على الارض لكي يفوزوا. ورغم ان وزير الدفاع الأميركي رامسفيلد ومستشاروه كانوا يفضلون حربا على العراق أشبه بالحرب على افغانستان حيث يستخدم فيها القوات الخاصة والعملاء المأجورين إلا ان فرانكس تمسك بغزو أكثر تقليدية، وهو حشد مئات الالاف من الجنود واستخدام الاسلحة الثقيلة، وقد دعمه الرئيس الأميركي بوش ووقع على خطته بعد اضافة عناصر وآليات تقنية ودعائية اليها، ويرى البعض انه مما شفع لفرانكس في علاقته مع بوش الارضية المشتركة التي تجمع بينهما بحكم جذورهما التي تعود الى ولاية تكساس. ورغم الخلاف في وجهة النظر بين رامسفيلد وفرانكس، الا ان رامسفيلد يصفه دائما بأنه قائد عسكري موهوب على درجة كبيرة من النزاهة والمصداقية الرفيعة «ويقوم بعمل خارق من اجل أميركا»، الا ان رامسفيلد بدا وهو يتنصل ويبري نفسه من خطة فرانكس مؤخرا بعد ان تداعت جدران هذه الخطة وتبين انها ذات ثغرات كثيرة اربكت الادارة الاميركية وجيشها أكثر مما اربكتها استقالة بيرل والجدل الثائر حول الحرب نفسها. ويتساءل كثيرون حول ارسال القوات الاضافية الـ 120 ألفاً التي يبدو انها ارسلت لتساند الجيش المحصور في المستنقع العراقي ولسد ثغرات خطة فرانكس، وذهب البعض الى وضع علامة استفهام حول وضع فرانكس نفسه فقد يكون كبش الفداء للخسارة المحتملة، واذا ما حدث ذلك التوقع فان الجنرال مايرز يبرز كبديل يمكن ان يحل محله، لكن الامر كله الان في عداد التكهنات وقد يكون اختفاء فرانكس للتحضير لمفاجأة ما والخروج على تقليديته بفعل النتائج المفاجئة فعلا للمواجهة مع العراقيين. كتبت لهيب عبدالخالق: