الاحد 27 محرم 1424 هـ الموافق 30 مارس 2003 «أدعو أميركا الى تسوية دين الدم المحسوب على حزب الله» عبارة نطق بها ريتشارد أرميتاج نائب وزير الخارجية الأميركي وأحد الموقعين عام 1997 على وثيقة «القرن الأميركي الجديد»، أولئك الذين يمثلون غلاة اليمين الأميركي المتطرف. أعضاء هذا اللوبي الذين احتلوا الصدارة عبر إدارة بوش الصغير يميلون الى التبسيط والاختزال، وهم أكثر ميلاً الى تبني المقولات الاسرائيلية دون تمحيص، وعلى رأس هؤلاء، كما يعرف الجميع دونالد رامسفيلد وديك تشيني وريتشارد بيرل وبول وولفوتيز. جميعهم تبنوا على سبيل المثال مقولة بيرل «العرب شعب ليس لديه انتماء وطني، وسيستقبل الجنود الأميركيين بالورود»، وبنوا عليها خطة حرب. وجميعهم أيضاً وضعوا كل أعداء اسرائيل في حزمة واحدة «سوريا، إيران، حزب الله، ليبيا»، كما وضعوا كل أعداء أميركا في محور الشر واخترعوا فيما بعد صلات خيالية بين القيادة العراقية المراد أبلستها وبين تنظيم القاعدة، تمهيداً لإزالة الأولى استناداً الى الشرعية الأميركية وخروجاً على الشرعية الدولية. من المنطلقات السابقة كان اتهام سوريا على لسان رامسفيلد بتمرير شحنات عسكرية ثم تقزيم هذا الاتهام الى «نظارات رؤية ليلية» أمراً مفهوماً، وكذلك اتهام إيران بنشر جماعات عسكرية داخل أراضي العراق، ليس ذلك فحسب، بل اعتبار المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق جهة معادية وهي التي كان المسئولون الأميركيون يخطبون ودها حتى قبل أيام مضت. وتنطوي التصريحات الأميركية على عدة دلالات: أولاها الرغبة في تبرير الفشل الذي منيت به القوات الأميركية حتى الآن، والذي تجلت أعراضه في تبرؤ رامسفيلد من خطة الحرب الحالية قائلاً: انها خطة تومي فرانكس، وذلك رغم وجود دلائل تشير الى ان وزير الدفاع الأميركي تعود أن يضع خطط العسكريين جانباً مكتفياً بابداعات ريتشارد بيرل (أمير الظلام المستقيل) وبول وولفوتيز أو عصابة وزارة الدفاع، كما يسميها البعض، الاحساس بالفشل لم يعد شيئاً يستطيع أحد التكتم عليه، فمن على شاشة واحدة من أكبر المحطات التلفزيونية هاجم لورنس كورب الجنرال المتقاعد في الجيش الأميركي رامسفيلد قائلاً: «انه أحاط نفسه بمدنيين لا علاقة لهم بالحرب، وسيدفع هو والرئيس ثمناً لهذه المقامرة الخطيرة». ثاني هذه الدلالات: البحث عن كبش فداء أو شماعة، فالاستبسال العراقي في مقاومة الجنود الأميركيين والبريطانيين، ليس إلا لأنهم يائسون، والحيل العسكرية البسيطة التي اتبعها العراقيون لمواجهة التفوق التكنولوجي الهائل، لابد وأنه دعم لوجستي من دولة كبيرة مثل روسيا، والناس لا يخرجون ثائرين ضد النظام العراقي، بل يخرجون مقاومين للاحتلال، ولا سبب لذلك غير ان مجموعات فدائي صدام تجبرهم، وطبقاً لهذا المنظور، فإن صمود العراق حتى هذه اللحظة لابد وأن وراءه أطرافاً اقليمية تمد يدها له بالدعم في الخفاء. الشيء الثالث: ان الولايات المتحدة أحيت المقولة التي انتشرت بعد 11 سبتمبر والتي حكمت تصرفات كثيرة «من ليس معنا فهو ضدنا»، وهذا الأمر اتضح في الغيظ الأميركي من الموقف الفرنسي ومطالبات المقاطعة الاقتصادية لباريس تأديباً على موقفها وكذلك التلويح بأسلحة أخرى ضد روسيا وألمانيا. ثم أخيراً التهديد بالانسحاب من الأمم المتحدة بالكامل. وبعيداً عن الدوافع التي جعلت رامسفيلد يلجأ الى التهديد العلني بدلاً عن استخدام القنوات الدبلوماسية المعتادة في أمور كهذه، فإن هناك أهدافاً تتوخاها ادارة بوش، وهذه الأهداف تريد تحقيقها بسرعة، فالوقت لا يحتمل بيروقراطية «الدبلوماسية» من وجهة نظره. قائمة هذه الأهداف طويلة وتتوقف عما إذا كانت هناك معلومات حقيقية قد وصلت الى أميركا أم ان الأمر ليس إلا سيراً وراء مقولات أصدقائهم الاسرائيليين، لكن يظل مستهدف عزل العراق عن محيطه العربي وقطع أي طريق يحتمل أن يمثل في الحاضر أو المستقبل طريقاً لإمداده ليس فقط بمعدات عسكرية وانماً أيضاً بالأغذية أو البشر المتطوعين الذين يحتمل أن ينهمروا على العراق من أماكن كثيرة، مع تصاعد وتيرة وحشية قصف المدنيين وتشجيعاً بالانتصارات والصمود العراقيين. ليس مهماً أن يكون الاتهام الأميركي مبنياً على حقائق، بل ربما استهدف التخويف أو الارعاب. من جهة أو فتح قنوات اتصال مع دمشق وطهران تجعل العاصمة الأميركية تأمن جانبهما تماماً في النزال الذي أصبح متوقعاً أن يطول. أما آخر الأهداف، والذي يتساوى مع أولها، فهو الانتقام من سوريا التي استعصت حتى الآن على ابرام تسوية مع اسرائيل ،وبالتبعية تسوية دين الدم الذي تحدث عنه ريتشارد بيرل، ليس للأميركان وحدهم (بعد القاء مسئولية تفجير مقر مشاة البحرية الأميركية في بيروت على كاهل حزب الله، وانما أيضاً دين الدم الاسرائيلي)، دم أولئك الجنود الذين طردوا مثل قطعان الماعز من الجنوب اللبناني تحت وطأة المقاومة. وربما قطعان الماعز من الجنوب اللبناني تحت وطأة المقاومة. وربما تكون أميركا تخشى من أن تنتقل تجربة المقاومة من حزب الله الى العراقيين، خاصة وانها تخطط لاحتلال طويل تريده أن يكون سيراً على بساط من حرير في الأراضي العراقية. لذلك تريد أن تقضي على التجربة (حزب الله) ومن وقفوا وراءها (ايران وسوريا) دفعة واحدة، أو على الأقل تجميدهم حتى تفرغ الآلة العسكرية من العراق. مجدي شندي