السبت 26 محرم 1424 هـ الموافق 29 مارس 2003 كشف تقرير صحيفة «يديعوت احرونوت» العبرية أمس ان المخططين العسكريين والسياسيين الأميركيين، قدروا منذ البداية ان ثمن النصر على العراق يتراوح حول مقتل ألف جندي أميركي وعشرة آلاف عراقي، في وقت ذكر كاتب التقرير عوفر شيلح ان هذه الحرب سترسم معالم الحروب المقبلة في العالم، من حيث أسلوبها الذي ابتكره العراقيون من خلال تشتيت قوة الخصم بالمقاومة. وقال شيلح في تقريره «الحروب اليوم تجري لكسب الوعي والرواية» يقول أحد كبار العسكريين في الجيش الاسرائيلي، وهو يحاول مثل رفاقه ـ ولكن من دون نجاح كبير دائما ـ فك رموز صورة المعركة شاعرا ان شيئا ما يحدث هنا ولكنه يلقي بظلاله على الخارطة السياسية الاقليمية وعلى الاختصاص العسكري بصورة عامة. بين البصرة وبغداد ترتسم اليوم ملامح الحرب المستقبلية. قبل 12 سنة فقط اعتقد الكثيرون بأن وجه الحرب الجديدة قد ظهر لهم من داخل سحب العاصفة الصحراوية: قوات ذات تكنولوجيا متطورة ومتنوعة «على مدى ساحة المعركة كلها وعمقها كله» (كما كان قد كتب في تلخيص الحرب على يد الجنرال شوارتسكوف) تقوم بهزيمة جيش من الطراز القديم. في كتابه «فن المعركة ـ تبلور التفوق العسكري» الذي يتناول الحرب بصورة غير اعتيادية بالنسبة لعميد في الجيش الاسرائيلي اعتبر الدكتور العميد شمعون نافيه ان حرب الخليج هي التطبيق العملي الأول الذي يحمل بواكير المستقبل وبذور النظرية العسكرية التي تلائم العصر العلمي. ويبدو ان من استخلص العبر كان صدام حسين تحديدا. اذ أدرك من قبل ان يستوعب الاميركيون بأنه لم تعد هناك حرب من النوع الذي يسمى «التقليدي». واذا أردنا ان نستعير تشبيها من كتاب إلفين وهايدي توبلر فان طريقة صدام الوحيدة للبقاء والفوز ايضا ـ هي الحرب المضادة. بهذه الطريقة ولد «فدائيو صدام» مثلا: قوات شبه نظامية غير مرتدية للزي الرسمي ومزودة بأسلحة مشاة بسيطة تقوم بضرب القوات الاميركية وملاحقتها. صورة الأسير في مثل هذه المعركة يمكن لها ان تكون أهم من مائة كيلومتر من التقدم. مثال آخر حدث في هذا الاسبوع من خلال الهجوم الاميركي الأول على فرقة «المدينة» من الحرس الجمهوري. الاميركيون خافوا من المضادات الارضية وحلقت مروحيات الأباتشي على ارتفاع منخفض الامر الذي جعلها عرضة للاسلحة الخفيفة. 32 مروحية أصيبت وأحدها سقط. الاميركيون أبادوا 10 دبابات ومضادات عراقية، الا ان صورة المروحية الساقطة وملاحيها المأسورين فاقت ذلك قيمة ـ خصوصا ان هذه المروحية أصيبت بنيران بندقية. هذه ستكون نقطة حاسمة في الايام المقبلة. في لعبة الحرب التي جرت في معهد بروكينز في شهر اكتوبر الماضي بمشاركة خبراء عسكريين وسياسيين (من بينهم السفير السابق في اسرائيل، مارتين انديك) حدث أمر واحد هام: في البداية كان الجنرالات هم الذين أيدوا عملية سريعة وغزيرة القوة. ولكن عندما وصلوا الى بغداد كان المدنيون هم الذين دفعوا باتجاه الحسم وحتى من خلال الخسائر بالأرواح. ومن المشكوك فيه ان تكون النتيجة التي تم التنبؤ بها هناك ـ النصر بثمن يبلغ ألف قتيل اميركي وعشرة آلاف عراقي ـ مقبولة على بوش.