الجمعة 25 محرم 1424 هـ الموافق 28 مارس 2003 هاجم ميرون بنفنستي الباحث اليساري الاسرائيلي والمستشار السابق لتيد لوكيك رئيس بلدية الاحتلال الأسبق في القدس الغزو الكولونيالي الأميركي للعراق، المستند الى تصورات استعمارية متغطرسة سرعان ما اصطدمت بوطنية العراقيين الذين توحدوا وهبوا للدفاع عن بلدهم. قال بنفنستي في مقال نشرته أمس صحيفة «هآرتس» العبرية: الديمقراطية والحكم الحضاري المتنور وفقا للنموذج الغربي وتحت اشرافه والحرص على السكان المستضعفين الجياع كانت وما زالت - كم هو مثير للسخرية - الشعارات التي بثتها الدول العظمى الامبريالية في عام 1922 عندما أسست الدولة العراقية، وهي نفس الشعارات التي تستخدم الآن في عام 2003 عندما عقدوا العزم على تفكيكها. المبادرون للحرب ضد العراق افترضوا بصلف وغطرسة مميزة لهم انه لا توجد نزعة وطنية عراقية وانما مجرد مجموعة من القوميات القبلية والدينية المتنازعة فيما بينها - «أقلية سنية» في مواجهة «اغلبية شيعية وكردية» وان الدولة العراقية متماسكة فقط بسبب النظام الظلامي الاستبدادي والدموي. هذه الرؤية تقود الى الافتراض ان العراقيين غير قادرين على الشعور بالارتباط بالوطن المحدد وفق معايير جيوسياسية مجردة كالاميركيين مثلا وانما يشعرون فقط بنزعة الانتماء للقبيلة والحمولة والقرية والشيخ والعلامة الديني. الاميركيون يكتشفون الآن في ذهول ان العراقيين لم يستقبلونهم بالزهور كمحررين وانما يتعاملون معهم كمحتلين يدنسون اراضي وطنهم «الشيعة» الذين كان عليهم ان يثوروا ضد «الأقلية السنية» لم يحملوا السلاح لازاحة أتباع صدام المكروهين وانما يشاركون مع الفدائيين العراقيين في هجمات حرب العصابات على المدرعات وقوافل الامداد الاميركية. وربما لم تكن الاستراتيجية الاميركية القائمة على ذلك خطأ فادحا نابعا من الغطرسة الكولونيالية عندما تغلغلوا بصورة عميقة لخمسمائة كيلومتر معتقدين ان العراقيين ينتظرون «المحررين». المتحدثون الاميركيون والمحللون الخانعون يشعرون بالاهانة الواضحة: ها هم الأخيار قد أتوا لانقاذ العراقيين من أيدي الأشرار، الا ان هؤلاء الأشرار يتجرأون على عرقلة مهمتهم المقدسة هذه وهم فرسان الحضارة، لا بل وينعتون المحررين - الذين يتصرفون بصورة انسانية ويقصفون بطريقة دقيقة جراحية - بالمحتلين. من البديهي ان يستذكر الخطأ القاتل الذي ارتكبه الألمان خلال غزوهم لروسيا في الحرب العالمية الثانية حيث اعتقدوا ان الشعب الروسي الذي قتل الملايين من أبنائه على يد النظام الدموي الستاليني سيستقبلهم بالأحضان ويواجه الدكتاتور القاسي. وما ان دخل العدو الى الوطن حتى تغلبت المشاعر الوطنية على كراهية الناس لستالين وتحولت الحرب دفعة واحدة الى «الحرب الوطنية الكبرى» التي ضحى الملايين بحياتهم من اجلها. كل العتاد الالكتروني والقنابل الذكية لا تستطيع ان تخفي طابع هذه الحرب - فهي حرب كولونيالية تتوافق تصوراتها مع ما كان سائدا في بداية القرن الماضي. ومن يخوض حربا ذات مفارقة تاريخية وتناقضات عليه ان لا يفاجأ من نتائجها.