الخميس 24 محرم 1424 هـ الموافق 27 مارس 2003 «رغم كل ما يحدث فى الفاو وأم قصر وكركوك والبصرة .. فإن حرب الشوارع والمدن لم تبدأ بعد .. فالجحيم ينتظر الأميركيين والبريطانيين، فى بغداد».. بهذه الكلمات التى أذاعتها بعض المحطات الفضائية العالمية لمواطن عراقى يحمل سلاحاً آلياً رسم الرجل سيناريو الرعب القادم خلال الأيام وربما الساعات المقبلة.. هذا السيناريو الذى توقعته قلة من الخبراء والعسكريين الأميركيين، وحاول الآخرون تجاهله بأمنيات الانهيار السريع للجيش العراقى .. واستقبال المواطنين للجيوش الغازية بالورود. ولم يكن غريباً أن تبدأ حرب الشوارع والمدن مبكراً، فقد زحف الأميركيون برياً منذ اليوم الثانى لبدء الهجمات الجوية، ولكن سير العمليات فى ميدان الحرب يؤكد أن السيناريو «المرعب» الذى حاول قادة القوات الاميركية والبريطانية تجاهله قادم لا محالة .. وهو ما ينذر بنشوب حرب واحدة من أشرس وأعنف حروب المدن فى التاريخ الحديث. وحرب الشوارع هى سلاح الشعوب المستضعفة على مر التاريخ وهى أيضاً «الفخ» الذى تنصبه الأمم للجيوش الغازية، وفى حسابات «الموت» تظل أكثر المواجهات دموية وإزهاقاً للأرواح .. وربما كان ذلك هو مكمن الخوف الأميركى من التورط فى حرب شوارع عنيفة فى العراق بما تحمله من احتمالات ضخمة لإلحاق خسائر بشرية مرتفعة بين القوات الغازية. مقبرة جماعية ويرى اللواء سليمان مصطفى ناشد الخبير الاستراتيجى السابق بأكاديمية ناصر العسكرية بالقاهرة أن حرب الشوارع والمواجهة العسكرية الحالية سوف تتحول إلى مقبرة جماعية للطرفين، وهو ما قد يؤدى إلى إلحاق أضرار خطيرة بالجيش الأميركى الذى يفضل دائماً خوض الحروب الإلكترونية دون أن يتحمل خسائر بشرية مرتفعة خوفاً من الرأى العام الداخلى، لذا فإن «فاتورة» حرب المدن والشوارع فى العراق ربما تكون أكثر إيلاماً على الأميركيين والبريطانيين، لاسيما أنها ستمنح العراقيين مميزات كثيرة، أهمها أن المدن بتعقيداتها العمرانية سوف تجعل التفوق التكنولوجى الأميركى عديم الفائدة، إذ أن شبكات الاتصال المتقدمة تفقد تأثيرها فى المبانى والشوارع الضيقة، كما أن أشعة الليزر التى يعتمد عليها الجيش الأميركى فى تحديد المدى والهدف والتصويب سوف تتعرض للانحراف كثيراً لسبب اصطدامها بالمبانى والنوافذ. أما حركة الطائرات - يضيف اللواء سليمان ناشد - فسوف تصبح أكثر تعقيداً فى المدن، إذ أن الطائرات الهليكوبتر المهاجمة تكون سهلة الاصطياد من المقاومين، وقد حدث ذلك بالفعل صباح الاثنين الماضى - خامس أيام الحرب - عندما نجح مواطن عراقى عجوز ومدنى من إسقاط طائرة أميركية من طراز «أباتشى» باستخدام بندقية عادية جداً، كما أن القصف الأميركى لبغداد أو أى مدينة أخرى من الجو فى أثناء معارك الشوارع قد ينطوى على مخاطر عديدة بالنسبة للمدنيين العراقيين وكذلك بالنسبة للجنود الأميركيين والبريطانيين الذين يحاربون من شارع لشارع ومن بيت لآخر. الشبح المخيف هذا الطرح الاستراتيجى لا يختلف معه الخبراء الأميركيون، إذا أكد «وليام هوبكينسون» الخبير بالمعهد الملكى للشئون الدولية فى لندن أن الحكمة تدعو الأميركيين إلى عدم خوض حرب المدن والشوارع لأن الخسائر بالنسبة لهم ستكون مرعبة، فمازالت جراح حروب المدن السابقة غائرة فى أجسادهم، من فيتنام إلى سول و«هيو» ، ثم التورط الخاسر فى العاصمة الصومالية مقديشو منذ عشر سنوات عندما كان الصوماليون يصطادون قوات المارينز الأميركية كالذباب فى الشوارع. وأضاف «هوبكينسون» أن مسلحاً عراقياً يحمل بندقية كلاشينكوف ويحفظ الشوارع والأزقة والأبواب سيكون خطيراً للغاية فى مواجهة جندى أميركى يحمل أحدث الأسلحة الفتاكة، إنها حرب الشوارع التى لا تعرفها الجيوش والدول الكبرى. نفس المعنى أكده اللواء كمال عامر الخبير العسكرى بقوله إن طول أمد الحرب ربما يمثل الشبح المخيف بالنسبة للقوات الأميركية والبريطانية، فكل يوم يمر من المطاردات الدموية فى المدن وحولها يكلفهم قتلى وأسرى وغضب فى الرأى العام الداخلى، لذا فقد شهدت الاستراتيجية العسكرية للتحالف تحولاً منذ اليوم الخامس للحرب اعتمد على تكثيف الضربات الجوية على المدن لإضعافها، مع الالتفاف حولها خشية الوقوع فى «فخ» معارك الشوارع التى يريدها العراقيون واستعدوا لها جيداً. مصيدة بغداد ويرى الخبراء العسكريون أن القوات الأميركية والبريطانية لن تواجه قوات الحرس الجمهورى المدربة جيداً فحسب، وإنما سيكون بانتظارهم فى بغداد مئات الآلاف من المواطنين الذين تم تسلحهم لتأمين الدفاع المدنى، وتلقوا خلال الأشهر الأخيرة تدريبات مكثفة على اصطياد الجنود الأميركيين فى الشوارع والأزقة، ومواجهة أى محاولات لإنزال قوات المارينز فى العاصمة وتأمين المنشآت الحيوية ومخازن الأسلحة والتموين، وشوهد الآلاف فى معسكرات سرية وهم يتدربون على استخدام قاذفات «الآر بى جى» ومدافع الهاون والرشاشات، وكان من بينهم رجال تعدوا الستين من العمر. لكن الورقة الأكثر خطورة فى يد النظام العراقى هى ورقة الاستشهاديين، حيث انتهت القوات العراقية قبل بدء الحرب بساعات من إعداد آلاف الرجال والنساء الذين تطوعوا لتنفيذ عمليات استشهادية ضد القوات الأميركية والبريطانية، تأسياً بما يفعله الفلسطينيون فى الأراضى المحتلة، وهو ما دعا القيادة العراقية إلى تهديد «بوش» وجيشه بأن المدن العراقية من الداخل لن تكون كالصحراء التى يجوبونها بدباباتهم، فهناك ملايين الاستشهاديين فى انتظارهم، كلهم يريدون الموت فى هذه الحرب الشرسة. «ينشر بترتيب مع وكالة الاهرام للصحافة»