الخميس 24 محرم 1424 هـ الموافق 27 مارس 2003 للمرة الاولى في تاريخ حزب العمال البريطاني يتخلى زعيمه عن قواعده وادبياته ويتماهى في لباس زعيم عدوه اللدود «المحافظين» ويسير في قافلة التبعية المطلقة للادارة الاميركية التي دشنتها مارغريت تاتشر المرأة الحديدية خلال حقبة الثمانينيات والتسعينيات، لدرجة جعلت نواب وصحف العمال تصف توني بلير رئيس الوزراء وزعيم الحزب الحالي بـ «كلب بوش» المطيع. على ان بلير يستحق وصفا افضل من هذا التحقير السياسي، الذي صبه عليه منتقدوه العماليون، فهو اجتهد بدأب منذ عام في اداء دور الشارح والمبرر والمروّج والعراب الاوروبي لخطط «الصقور» الاميركيين في استهداف العراق، كمحطة لتنفيذ اجندة دولية تكرس نظاما عالميا بلا شرعية سوى الشرعية الاميركية. ومنذ بداية الازمة، قام بلير بأدوار لا تنكر سواء متطوعا او بتكليف اميركي، لتهيئة المسرح السياسي والدبلوماسي لادخال العراق في قفص الاتهام، وتصويره كخطر ارهابي يهدد السلام العالمي، والزعم بامتلاكه اسلحة دمار شامل، والارتباط تنظيمات ارهابية. وطيلة قيامه بدور الشارح والمروج للاتهامات الاميركية اظهر بلير قدرة استثنائية على ابتلاع الاكاذيب فور انكشافها، والدخول بحلقة جديدة منها، دون تراجع او تململ او اظهار ادنى تأثر. قبل صدور القرار 1441 ودخول المفتشين الدوليين الى العراق، طرح بلير وسط ضجة اعلامية صاخبة ما عرف بـ «ملف بلير» قدم له رئيس الوزراء البريطاني بأنه يحوي وثائق وادلة تؤكد امتلاك العراق لترسانة اسلحة كيماوية وبيولوجية، واقترابه من عتبة امتلاك السلاح النووي، ولم يهتز لبلير جفن عندما ثبت بدليل قاطع ان ملفه مجرد كومة اكاذيب، وبعضها مسروق من جزء من دراسة اكاديمية تاريخية عن الاسلحة، والاخر مجتزء من تقارير المفتشين في الفترة قبل عام 1998. ولم يغير بلير لحنه الذي يعزفه بأن الحرب على العراق ضرورية لنزع اسلحة الدمار الشامل، وتحدى تمرد اكثر من مئتي نائب بينهم 120 من حزبه، وفضل السير خلف بوش والعزلة عن محيطه الاوروبي. مع انقضاء ست ايام من الحرب وانكشاف اكاذيب الاعلام العسكري الاميركي البريطاني بسقوط البصرة، وتزايد عدد القتلى العسكريين البريطانيين والاميركيين حسب المعلن «اكثر من اربعين» وحسب مصادر مستقلة تم التعتيم عليها بلغ عدد القتلى والجرحى المئات. وفي مؤتمر صحفي قبل 24 ساعة من ثالث قمة حرب تجمعه مع بوش تراجع بلير عن مبرره المعلن لضرب العراق واحتلاله، وقال: «بالفم المليان» لسنا هناك للبحث عن اسلحة الدمار، بل للاطاحة بالنظام العراقي، وحتى لو لم نجد اسلحة فهي موجودة، لان عدم العثور عليها لا ينفي وجودها. ببساطة، اوقع بلير نفسه في فخ السفسطة والافلاس الفكري والسياسي، وفشل بانكشاف فاضح في تبرير عدوانه على العراق. وزاد باستجداء العراقيين الذين قال عنهم انهم «شكاكون» في اميركا وبريطانيا وزعم انه لن يخذلهم هذه المرة، في تبرير عجيب لبسالة المقاومة التي افشلت العدوان بترسانة تدميره القتالية. وحتى تضع الحرب اوزارها سيظل بلير هو المقامر الاوروبي الوحيد على حرب بلا غطاء شرعي، قد تطيح به، او تدخله بعد حين الى «مهملات التاريخ». سيد زهران