الاربعاء 23 محرم 1424 هـ الموافق 26 مارس 2003 لم يكن أكثر المتشائمين داخل أروقة البنتاجون أو الإدارة الأميركية يمكنه أن يتصور هذا القدر من الصعوبة والتعثر والارتباك التى جرت به عمليات الأيام الأولى، فى خطة غزو العراق، ولم يكن إدارات التخطيط الميدانى وإدارة العمليات تتوقع هذا القدر من المقاومة العراقية التى أدت فى الجولات الأولى إلى رفع معنويات الشارع العراقى بعد صور الأسرى والقتلى الأميركيين الذين تساقطوا فى أيدى المقاومة التى تعمل بإمكانيات محدودة نتيجة الحصار المفروض على العراق منذ السادس من أغسطس عام 1990. حول سير العمليات ونتائجها ومستقبلها طرحت «البيان» على عدد من الخبراء العسكريين المصريين أصحاب الخبرة فى القتال الميدانى والتحليل الاستراتيجى فى محاولة لتفسير الغموض فى المشهد الحالى على أرض المعركة، واحتمالات تطور هذه الحرب خلال الايام القليلة المقبلة.. فى البداية يؤكد الخبير العسكرى اللواء نبيل فؤاد أن المعركة منذ لحظتها الأولى شهدت العديد من المفاجآت غير المتوقعة من الناحية العسكرية فرغم أن القوات الأميركية كانت تسرب معلومات حول تكثيف القصف الجوى قبل البدء فى العمليات البرية إلا أن العمل من البر بدأ مبكرا مع اليوم الاول دون تقدير دقيق من جانب الولايات المتحدة للخبرة الطويلة التى تتمتع بها القوات العراقية فى المواجهات العسكرية البرية، بالإضافة إلى أن العمل من البر يعرقل تكثيف القصف الجوى إذ أن الالتحام على الأرض لا يكون غالبا فى صالح الطرف المتفوق جويا لأن أى قصف يمثل تعريضا لحياة جنوده للخطر وإصابتهم بنيران صديقة،ومن هنا فإن الاستعجال فى الغزو البرى لم يكن فى صالح الولايات المتحدة الأميركية بأى حال.. اللواء جمال مظلوم ـ مستشار مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية ـ يرى أن القوات الاميركية رغم كل ما احرزته من تقدم حول المدن العراقيه بدءا من أم قصر والناصريه والبصرة خلال أقل من اربعه أيام الا أن تقدمها هذا قد اصابه الوهن مبكرا فهى من جانب لا تستطيع أن تدخل هذة المدن حتى لا تضطر الى الدخول مع العراقيين فى حرب طويله داخل المدن وهذا ما تحاول القوات العراقيه استدراجهم اليه وهنا ستخسر قواتها التى لا تتجاوز 280 ألف جندى بالاضافه الى عدم قدرتها على قصف المدن بالمدفعيه الثقيلة حتى لا تتعرض الى حملة عارمه دوليه وعربيه لمحاولتها قتل المدنيين بقصد مباشر وربما يفسر ذلك تلك الندية التى تقابل بها المقاومة العراقية قوات التحالف رغم كل الخسائر العراقيه التى حتى الان لا تتناسب مع كل التوقعات الاميركية والعربية.. ويبدو اللواء محمد على بلال القائد السابق للقوات المصرية فى حرب الخليج الثانية متفائلا هذة المرة.. وفسر هذا التفاؤل الى أن القياده العراقية لم تكرر خطأها كما حدث فى حرب الخليج الثانيه عام 1991 عندما خرجت بكل قواتها على الحدود العراقيه لملاقاه قوات التحالف بل هذه المرة هى تتحصن بالمدن وتترك للقوات الغازيه والمعتديه تحقيق تقدم داخل الصحراء العراقية فى نفس الوقت الذى لايجعلونهم يستقرون بأى مدينه يصلون اليها. ويرى بلال أن القوات العراقيه خططت لسحب القوات الاميركيه الى ارضيه حرب المدن وهذا مالاتريده أميركا فهى ترفع شعار أنها جاءت الى العراق لتحقيق أهداف محددة اولها اسقاط النظام العراقى واعطاء الفرصه للشعب العراقى ممارسه حريته فى اختيار حكامه وهذا يتطلب عدم المساس بالبنيه التحتيه والا لاعتبره الشعب العراقى والعالم عدوانا منظما ولذلك فإن الإطار السياسى الذى فرضته الولايات المتحدة الأميركية لهذه الحرب يمثل أحد العناصر التى تؤدى إلى عرقلة القدرات الأميركية على الوصول إلى الحد الأقصى من القدرات التدميرية وحتى لا يبدو المشهد منحرفا عما استهدفته واشنطن من هذه الحرب بالفعل، ولذلك فإن العراق انتفع جيدا من هذه المظلة السياسية التى تجرى من خلالها الحرب، كما انتفع أيضا من تسليح المدنيين وإظهار ما يجرى باعتباره مقاومة شعبية الأمر الذى يؤكد أن العراقيين لا يريدون هذه القوات الغازية. والامر الاشد أهميه أن القوات الاميركية تعتمد فى سيطرتها على المدن العراقيه فى الشمال والجنوب على قوة النيران الهائله التى تمهد لها الطريق هذة القوة التى يستحيل استخدامها داخل المدن ولذلك فالخسائر الاميركيه حتى الان حدثت نتيجه عدم قدرة القوات الاميركية على اقتحام المدن.. ولذلك لم تستطع القوات الاميركية احراز تقدم يذكر خلال الايام الماضية من القتال مع كل القدرات العسكريه الهائله...ومن هنا كانت كل المؤشرات الاوليه حتى الان مفاجئه للجانب الاميركى من جهه ومن ناحيه العالم من جهه أخرى.. ويؤكد اللواء بلال أن الولايات المتحده ستقع فى مأزق حقيقى عندما تحاول دخول بغداد والسيطرة عليها حتى تحقق ما أتت من أجله وهو اسقاط النظام العراقى فهى بين نارين أولهما أن القوات الاميركيه تريد المحافظه على هيبتها ووضعها الدولى كقوه عظمى والثانيه كيف يمكنها اقتحام بغداد وخسائرها المتوقعه والتى تؤكدها المؤشرات بأنها ستكون هائله سواء على الجانب الاميركى أو على الجانب العراقى من قتل المدنيين العزل أما الخبير العسكرى والاستراتيجى اللواء عثمان كامل فيقيم الوضع فى العراق أنه سار فى عكس ماتوقعته الولايات المتحدة الاميركيه فقادة البنتاغون كانوا يتصورون أن العراق نزهه حربيه ولا تحتاح لاكثر من عدة أيام الا أن جميع التقديرات كانت غير صائبه فالمقاومه العراقيه أدت الى تورط القوات الاميركيه فى قتال حول المدن الحدوديه مما جعلها تتعرض الى خسائر كبيرة لم تكن فى حسبانها.. واعتقد أن قوات التحالف قد تناست أن حربها هذة المرة ليست شريفه فاذا جاز التعبير فهى ليست حرب ولكنه عدوان على دوله كل جريمتها أنها أتهمت بوجود اسلحه دمار شامل لديها دون أدله واضحه ودامغة على هذا الاتهام وهذا ما بينته الصواريخ التى اطلقتها القوات العراقيه على القوات الاميركيه المتمركزة فى الكويت حيث لوحظ انها لا تحمل أي رؤوس كيماويه أو بيولوجيه.. ومع القدرات الاميركيه غير المحدودة الا أنها لم تستطع السيطرة على أبار البترول ذلك الهدف الذى جاءت من أجله بعد تعثر القتال فى مناطق البترول بالاضافه الى صمود الجانب العراقى الذى اذهل الجميع والتحام الشعب مع الحكومه.. ومن المتوقع أن تطول الحرب وهذا ما لا تريده اميركا وحلفاؤها.