الاربعاء 23 محرم 1424 هـ الموافق 26 مارس 2003 كأنها لقطة من فيلم هوليوودي مثير للاشمئزاز.. البطل وهو عادة احد العلوج «رجال ضخام من مقاتلي العجم» يحمل قنبلة بيد وكيس طحين باليد الاخرى، ويحتار ايهما يلقي اولا، في افغانستان القى كيس الطحين فلما اكل المقصوفون بقنابل الاغذية، قصفهم بالمتفجرات. في العراق يفعل العكس اذ لجأ إلى قنابل النابالم المحرمة دوليا في البداية، ويفكر في القاء كيس الطحين حتى لا يعاني المحروقون حتى عظامهم من مشقة الجوع. المساعدات الانسانية للعراق اكذوبة كبيرة، مثلها في ذلك مثل اكاذيب كثيرة، اعداد اللاجئين التي ولابد ان تتدفق، القوات المنتمية التي لابد وان تحارب مع الطلقة الاميركية الاولى، الشعب الغاضب على سلطته والمقهور والذي سيوجه سلاحه إلى صدور الحرس الجمهوري والميليشا الحزبية، كل تلك الاكاذيب سقطت بقبضة واحدة، فالعراقيون يعتبرون التدخل الثلاثي غزوا خارجيا والجنود الذين اتوا من وراء المحيطات ليسوا محررين يتم استقبالهم بالزهور وانما هم «محتلون» تنبغي اذاقتهم كأس المنون، واهل العراق تركوا خيام اللجوء قاعا صفصفا وحتى من كان منهم خارج الوطن اسرع عائدا ليحدث صدمة ويخيب التوقعات التي روجتها ماكينة الاعلام الغربي. قصة المساعدات الانسانية لشعب يتم قصفة بصواريخ كروز وقذائف اليورانيوم المستنفد وقنابل النابالم قصة خائبة، واذا كان الافغان الذين عانوا من ظروف انسانية بائسة احرقوا هذه المساعدات التي اسقطتها جوا القوات الاميركية، فماذا يتوقع من العراقيين ان يفعلوا بالمساعدات المزعومة. منذ نهاية يناير الماضي وجهات دولية تتحرك بناء على تعليمات اميركية برنامج الغذاء العالمي خصص مساعدات غذائية لنحو 900 الف عراقي لمدة ثلاثة اشهر توقع ان يبدأ توزيعها في حال بدء الضربة، وتم بالفعل شراء اطنان من المواد الغذائية وتخزينها في دول مجاورة للعراق، مصادر في الامم المتحدة تقول ان ما يتراوح بين 5,4 و5,9 ملايين شخص سيكونون بحاجة إلى مساعدات غذائية للبقاء على قيد الحياة فور بدء أي حملة عسكرية، خطة طواريء تنفذها المنظمة الدولية وتشغلها عن متابعة مفتشيها، اجتماع لممثلي الدول الغنية في جنيف يعقد سرا منتصف يناير لجمع 4,37 مليون دولار لمواجهة كارثة انسانية متوقعة، وارسال معونات طواريء من الاغذية والخيام والاغطية والادوية، وحتى بعد ان بدأت الحرب حكومة بوش تعلن عن تجهيز 200 الف طن من القمح يكلف به صندوق بيل اميرسون الانساني، وهو مخزون طواريء تديره وزارة الزراعة الاميركية لغوث البلدان النامية. كل ما سبق يبدو مثل قنابل دخان تستهدف التعمية على الحقائق، فالعراقيون ليسوا شعبا جوعانا «إلا اذا كانت هناك مؤامرة دولية لفرض حصار خانق عليه كي يموت جوعا»، ويموت تحت اشراف الامم المتحدة ايضا صاحبة القناع الانساني. ربما يلجأ البعض إلى استعادة اللحظات التي قرر فيها كوفي عنان سحب المفتشين الدوليين من العراق مستخدما صلاحياته ودون ان يعود لمجلس الامن صاحب الولاية الفعلية على المفتشين ساعتها اعتبر البعض خطوة كوفي عنان اما انصياعا لتعليمات اميركية مباشرة، أو مشاركة في تمهيد الارض لمعركة ينبغي الاسراع بخوضها. مشكلة كوفي عنان ومعه جهاز الامم المتحدة باكمله انه اعتبر النظام العراقي القائم شيئا من مخلفات الماضي بمجرد ان اطلقت واشنطن صافرة الحرب ضده، وكان ان تم وقف امدادات غذائية وطبية تصل قيمتها إلى 21 مليار دولار «حسبما اعلن مهدي صالح وزير التجارة العراقي امس» هذه الامدادات كان يمكن ان تكفي العراق لسنوات. ويبدو ان المنظمة الدولية تحاول هي الاخرى الاستفادة من كعكة اموال العراق، فالنظام المعرض للسقوط في نظرها هو صاحب الحق الوحيد في المطالبة بهذه المليارات، والنظام الجديد الذي سيأتي لابد ايضا من اخضاعه لسياسة النفط مقابل الغذاء حتى يحصل على شهادة صلاحية من الادارة الاميركية تتيح له ان يتصرف في موارد بلاده ان لم تمارس واشنطن سطوا عليها، وتعتبر نفسها الوصي الشرعي على مقدارات العراقيين. مثلما فاجأ العراق العالم وتسبب في احداث صدمة له بالمقاومة الباسلة التي ابداها خلال الايام الستة الاولى للغزو فاجأت بغداد ايضا اميركا والمنضوين تحت لوائها بانها اخذت كل احتياطاتها الغذائية، فكل عائلة تملك من الغذاء ما يكفيها ستة اشهر، والدقيق يوزع على المخابز من خلال الشاحنات المملوكة لوزارة التجارة بعد ان كان اصحاب المخابز هم الذين يذهبون لاستلام حصصهم قبل الحرب. اذا كانت البلدان العربية لم تستطع منع الحرب على العراق فان بوسعها ان تضغط في الامم المتحدة وتستنهض الضمير العالمي حتى تفرج منظمة كوفي عنان عن الامدادات الغذائية والطبية وتتركها تصل إلى العراقيين، فمن الانساني ان تتعامل مع النظام القائم حتى لحظة سقوطه «اذا كان مقدرا له ان يسقط تحت الضربات العدوانية» وليس انسانيا على الاطلاق ان تحرم منظمة كوفي عنان العراقيين من 21 مليار دولار حقهم في برنامج النفط مقابل الغذاء، ثم تتوسل لهم ملايين قليلة حتى تبدو بوجه من يقدم الغوث للعراقيين. الامر اشبه بملياردير يتعرض للسطو المسلح من قبل عصابة بلطجية، ولان افراد هذه العصابة يتصرفون بانسانية فانهم يقدمون له «الخبز الحاف» مصطحبين عدسات التلفزيون اثباتا لانسانيتهم، كثيرا ما تنشغل العدسات بانسانية من يمارس السطو تاركة اصل الجريمة، ومن يضمن ربما يقدم الاميركيون للعراقيين شحنات من الذرة المعدلة وراثيا كتلك التي رفضها الرئيس الزامبي ليفي مواناواسا «في اطار مساعدات غذائية» لا لان الزامبيين قد تغلبوا على مجاعتهم، ولكن لان المساعدات الاميركية وببساطة غير صالحة للاستهلاك الآدمي. مجدي شندي