الاثنين 21 محرم 1424 هـ الموافق 24 مارس 2003 «بكلمة طيبة وبندقية تحصل على أكثر مما تحصل عليه بكلمة طيبة وحدها» عبارة أميركية مأثورة يؤمن بها دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي وإن كان قد عبث بها وأبدل الكلمات الطيبة بعبارات جارحة ومستفزة لأقصي مدي. رامسفيلد ربما هو أكثر من يعجب الرئيس الأميركي الحالي جورج دبليو بوش الموصوف بأن له عقل عصفور في رأس ديناصور، وكثيرا مامازحه الأخير طالبا منه أن يعلمه كيف يدير مؤتمراته الصحفية، وكيف يلتقط أفكارا حارة لإجاباته. منذ أسابيع قليلة طلب خوسيه ماريا أزنار رئيس الوزراء الأسباني من بوش إسكات رامسفيلد، غير أن الرئيس الأميركي لايستطيع ذلك، فهو مجرد تلميذ صغير لايتمتع بأي قدر من الذكاء، يسمع وينفذ مايمليه عليه اليمين الجديد في واشنطن بقيادة وزير الدفاع. قضى رامسفيلد طفولة بائسة في شيكاغو بين المهاجرين من تشيكوسلوفاكيا، حيث تنحدر عائلته منها. اضطر لبيع الصحف وتربية الدجاج حينما كان طفلا، وبعدها عمل في وظائف متدنية بنظام البارت تايم، لذلك تذكر الناس هذا الماضي حينما وصف مصالحة العراق والكويت في قمة بيروت بأنها أشبه بعناق الأسد للدجاجة. كان في التاسعة من عمره حينما حدث الهجوم الساحق لليابانيين علي بيرل هاربر، وعانى من آثار التأثيرات النفسية لهذا الهجوم. درس العلوم السياسية بجامعة برنستون، وفيها قاد فريق المصارعة، وعرف ببراعته في حركة سريعة يمسك فيها بالخصم من يده وساقه ثم يرفعه على ظهره قبل أن يلقيه أرضا لذلك تعلق زوجته حين تسأل عن أي من تصرفاته بالقول «إنه في الأصل مصارع». تأثر في شبابه بخطاب لأودي ستيفنسون حاكم ولاية إلينوي قال فيه «إذا تعثرت أميركا.. يسقط العالم»! رامسفيلد شخصية مركبة عجولة إذا ماتعلق الأمر بتحقيق مطامحه، كما في أفلام الكاوبوي يتحول بسرعة مذهله من الوداعة للشراسة، ومن الأدب للوقاحة، موهبته في إلقاء النكات اللاذعة تخفي عنفا مستترا. بعد انهاء دراسته أصبح طيارا في سلاح البحرية، تحول بعدها الى شيكاغو ليعمل في أحد البنوك. عام 1962 أصبح أصغر عضو في مجلس النواب، وبعد عشر سنوات سفيرا لدى الناتو، وفي عام واحد قفز الى منصب كبير موظفي البيت الأبيض، كما تسلم عام 75 منصب وزير الدفاع ليصبح أصغر وزير دفاع في تاريخ أميركا ونهاية عام 76 ترك الوزارة ليعمل في شركة خاصة للعقاقير، ويختفي لعقدين من الزمن عن الأضواء قبل أن يعود على حصان اليمين المتطرف ويصبح أكبر وزير دفاع في تاريخ أميركا. يصفه صحفي ألماني بالقول «عندما يظهر أمام الجمهور في مؤتمر صحفي، يتقدم مسرعا ليقف أمام رمز البنتاغون، يعدل نظارته وحينما تبدو عليه رغبة في الهجوم يبتسم ابتسامة تشبه ابتسامة النسرثم يتفوه بإحدى تعليقاته الشريرة بمزاج رائق ومرح».وبعدما يضحك الصحفيون يستدرك قائلا« أعرف.. كان علي ألا أقول ذلك»عندما تجلس في ثقب توقف عن الحفر.. كان ذلك أحد تعليقاته على الموقف الألماني من شن العدوان ضد العراق، وفي تعليق آخر أمام الكونغرس قال إن المانيا تقف على قدم المساواة مع ليبيا وكوبا وشرويدر لايختلف كثيرا عن القذافي وكاسترو. هراء.. ذلك مارد به الألمان على رامسفيلد، غير أن يوشكا فيشر لم يعره اهتماما كبيرا، وكان تعليقه بالإنجليزية موجها كلامه لرامسفيلد cool down أي إهدأ. هذا الهدوء الرسمي الألماني لم تكن له ظلال شعبية إذ قال أحد نواب البوندستاج «هذه تصريحات استعمارية.. أوربا شريكة أميركا وليست محميتها» رامسفيلد لا يعمل وحده بل يقود مجموعة عازفين أهمهم ريتشارد بيرل الذي يطلق عليه وصف أمير الظلام وهي كنية تطلق بالإنجليزية على شخصية دراكولا الأسطورية، بيرل هو الآخر هدد بمعاملة ألمانيا كدولة معادية. أما أكثر ما أثار الجدل فهو وصف ألمانيا وفرنسا بأنهما يعبران عن أوروبا القديمة (العجوز) إذ ردت عليه وزيرة البيئة الفرنسية بكلمة نابية، واعتبرت الصحف الفرنسية ماقاله بذيئا، وسوقيا ومؤلما ومتغطرسا. رامسفيلد ذكر الأميركيين بشخصية دونالد ريغان كبير موظفي البيت الأبيض في عهد رونالد ريغان، كان دونالد معروفا بفظاظته ونسيانه لحقيقة من هو رئيس الولايات المتحدة. إذ كان يتصرف أحيانا كأنه هو، جعل حرسه الخاص على مقربة من حرس الرئيس، وحاول حجز الطائرة الرئاسية عندما مرض رئيسه واحتجز في مستشفى البحرية، لولا أن منعته نانسي ريغان. حينها قالت له ببرود «الطائرة مخصصة للأسفار الرئاسية فقط.. ياكبير الموظفين» رامسفيلد يحاول فعل نفس الشيء فقد حاول تكوين وزارة خارجية داخل البنتاغون تصوغ سياسة أكثر عدوانية، ثم وزارة دفاع داخل وزارة الدفاع مع مستشاريه بول وولفويتز وريتشارد بيرل، وكذلك وكالة مخابرات مركزية عبر استحداث منصب مساعد وزير الدفاع لشئون الاستخبارات العسكرية. الثلاثة رامسفيلد وبرل وولفويتز جزء من لوبي هو الأكثر تأثيرا، بل يمكن القول إن هذا اللوبي أسر سياسات أميركا، من بين أعضاء اللوبي الآخرين أرميتاج الذي دعا الى تسوية دين الدم الموجود لأميركا على حزب الله، وزلماي خليل زاده وديك تشيني، وكلهم له علاقة بأعمال النفط. هذا اللوبي صاغ عام 97 وثيقة بعنوان مشروع القرن الأميركي الجديد، دعوا فيها الى تغيير النظام في العراق وحماية أمن وسلامة اسرائيل عن طريق تدخل أميركي كبير لإعادة رسم خريطة المنطقة، وفرض تحولات سياسية على الدول الرئيسية فيها خاصة مصر والسعودية مع ممارسة أقصى ضغط ممكن على سوريا وإيران. من هنا كان غزو العراق خطوة أولى لرامسفيلد في طريق طويل ينتهي بإعادة تشكيل المنطقة كلها. بداية أغسطس الماضي اقترح رامسفيلد تشكيل قوة تنتشر خفية في العالم دون إطلاع الحكومات المضيفة لتصفية أعداء أميركا، وفي جلسة أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ قبل شهر سئل عن إمكانية استخدام الأسلحة النووية ضد العراق، فأجاب: على مدار التاريخ كانت سياستنا عموما لاتستبعد ذلك إذا هوجمنا. رامسفيلد كاوبوي بالسليقة لا أصدقاء له، فظ متعطش للحروب، مخادع، لا يرى الا نفسه وأميركا إلهة الخير في العالم وما عداها شر محض. التشبع بأحاسيس الوضع الإمبراطوري يضع العالم دائما على حافة الهاوية ورامسفيلد بامكانه أن يدمر نصف العالم دون وازع من ضمير. مجدي شندي