الجمعة 18 محرم 1424 هـ الموافق 21 مارس 2003 في الساعة الرابعة من صباح امس دخل الى اجتماع مجلس الحرب الاميركي رجل طويل عريض في الخمسين من عمره، ينحدر من عائلة يهودية هاجرت، من اليونان قائلاً ان هناك فرصة لضرب هدف ربما لا تتكر مرة اخرى. هذا الرجل لم يكن غير جورج تينيت مدير وكالة المخابرات المركزية الاميركية. حضور مجلس الحرب الذي يرأسه بوش ويحضره تشيني ورامسفيلد وباول وكوندوليزا رايس وتوم ريدج سألوا عن التفاصيل. وبدأ تينيت يتحدث.. قال ان صدام حسين وكبار اعضاء القيادة العراقية يخضعون لمراقبة الوكالة. وانه الآن يجتمع مع كبار مستشاريه (ربما اربعة او خمسة من كبار القادة العراقيين) في مقر خاص جنوب بغداد، وانهم سيبقون هناك على الارجح ومن المهم قصف الموقع قبل ان ينتقل الرجل الذي اصبح المطلوب رقم (1) بديلاً لابن لادن من ملجئه الى مكان اخر. ساعة ونصف استغرقتها مدة الاجتماع. وقع بوش في نهايتها امراً بالقصف وبدأ المسئولون الاميركيون يحلمون بقطع رأس الحكومة العراقية مع اول صاروخ. نقل عن احدهم القول «انك اذا اقدمت على ضربة كهذه فإنك تشن هجوماً على الشخص الكبير». وقال اخر «انها لضربة قاصمة». بعد دقائق كانت الصواريخ تدك عدة مواقع في بغداد.. لم يكن هناك الرئيس العراقي ولا احد من اركان القيادة وانما مجرد مواطنين مدنيين. تينيت رجل تعود على الفشل.. فالمعلومات الموثوقة دائماً تثبت الاحداث انها معلومات مفبركة.. ألم يحذر هو نفسه من هجوم يشنه اسامة بن لادن يوم عيد الاستقلال الاميركي يوم 4 يوليو 2001، فلما لم يقع الهجوم حدثت حالة استرخاء.. وفوجئت اميركا بكل اجهزتها بطائرات مدنية تجعل عالي برجي مركز التجارة سافلها. تينيت احد اليهود المرتبطين باللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وربما كان ذلك سر بقائه في منصبه الذي استلمه عام 1997 رغم ان الفترة من ذلك العام وحتى الان شهدت اكبر الكوارث في التاريخ الاميركي منذ الهجوم على بيرل هاربور. بعد 11 سبتمبر علت اصوات تطالب بقطع رأسه.. ووجهت له اتهامات بالتقصير.. وقتها قال البعض ان ايامه معدودة، لكن كل السحب تبددت حينما زار الرئيس بوش مقر الوكالة وبدلاً من عزله منحه صلاحيات واسعة غير مسبوقة وزاد الميزانية الممنوحة للاستخبارات بنحو مليار دولار. جورج تينيت صاحب سمعة ذائعة في واشنطن ترتبط بعبارة «الهيومنست» حيث يفضل استخدام العنصر البشري في عمليات جمع المعلومات ولا يتكل كثيراً على الماكينات والاجهزة فائقة الحساسية التي تسترق السمع وتسجل المكالمات وتختلس النظر وتلتقط الصور الجوية. ومع ذلك فشل منذ عام 98 وحتى الان في اصطياد رجل واحد اسمه اسامة بن لادن. عام 99 بدأت المخابرات الاميركية عملية سرية بعد ان دربت 60 من الكوماندوز الذين اختارتهم المخابرات الباكستانية وكلفتهم باحضار ابن لادن اسيراً، كما جهزت قوة اميركية خاصة محمولة جواً قوامها 50 رجلاً لنفس الغرض، واضافة لهذه وتلك جندت 40 عميلاً افغانياً يشكلون مجموعة عمل اسمها سيفور وتتكلف عشرة آلاف دولار شهرياً مهمتهم تقصي آثار ابن لادن في افغانستان. كانت المجموعة الاخيرة تنجح في كل مرة في تحديد المكان لكنها لم تنجح ابداً في تقديم معلومات حول وجوده في المكان حتى يتسنى للاميركيين اطلاق صاروخ او شن غارة جوية. لم يستطع تينيت رغم امكانات وكالته وسطوة دولته ان يخترق المجموعة المقربة من ابن لادن ولا من قيادة حركة طالبان مثلما فشل في اختراق المجموعة المحيطة بالرئيس العراقي صدام حسين، كل ما يسجل له بعد احداث 11 سبتمبر انه اتصل بالامير بندر بن سلطان، وعقب المكالمة التي اعقبت الانفجارات بـ 36 ساعة قال بندر احسست ان برجي مركز التجارة سقطا فوق رأسي. لم يكتف مدير الوكالة بالفشل الشخصي وانما تسبب في عرض مفكك لمسرحية كان بطلها كولين باول في مجلس الامن خلال الاسبوع الاول من فبراير الماضي. الصحف الاميركية هللت للاجتماع وشبهته باجتماع اكتوبر 1962 عندما قدمت واشنطن ادلة على ان الاتحاد السوفييتي ينصب صواريخ في كوبا. خلال هذا الاجتماع جلس تينيت وراء باول واخذ الاخير يقدم معلومات وتسجيلات صوتية دون ان يقنع احداً فقد كان معظم الادلة مختلفة. تينيت ربما يكون قد قابل الزعماء العرب خلال السنوات الاخيرة اكثر من اي مسئول اخر، فقد عهدت اليه ادارة بوش بملف الصراع العربي ـ الصهيوني وجاء مفاوضاً بعد ان كان رؤساء اميركا يقومون بدوره.. فارتبطت باسمه خطة كانت تدعو الى انهاء الانتفاضة واعتقال 300 كادر قيادي من حماس والجهاد، وكان هو ايضاً من دفع باتجاه احداث اصلاح في السلطة الفلسطينية، فالقضية من وجهة نظره مجرد قضية امنية.. مجموعة مجرمين يفجرون انفسهم يأساً من حياتهم دون سبب مفهوم!! وبعد خطته التي قدمها بدا الاميركيين لا يملكون اي بدائل حتى تعطف بوش فأعلن موافقته على دولة مؤقتة بحدود مؤقتة بأناس مؤقتين. ظل مدير المخابرات المركزية طوال شهور يؤكد ان صدام سيزاح من السلطة في انقلاب عسكري يقوم به افراد من المقربين اليه قبيل ان تشن القوات الاميركية هجومها.. ظنه ان كبار القادة السياسيين والعسكريين في العراق عندما يحسون ان الهجوم وشيك وانهم امام احد خيارين اما ان يكونوا حلفاء لصدام معرضين انفسهم للموت او السجن الى جانبه او ان ينقلب احدهم عليه فسيفعلون الخيار الثاني. هذا التفكير عرف باسم «الرصاصة الفضية» تلك التي تطلق من مسدس احد اتباع الرئيس العراقي.. طال انتظار هذه الرصاصة وصرفت اموال كثيرة ومنيت وكالة المخابرات بفشل ذريع.. وحينما يئس طوال سنوات قال تينيت لبوش (في يونيو الماضي) ان خطته لن تنجح الا لو احس العراقيون ان عملاً عسكرياً ضخماً على وشك الحدوث. ظلت «CIA» ومديرها منذ اواخر التسعينيات يحاولون تنفيذ خطة تقوم على تحديد الشخصيات الاساسية المقربة من صدام وايجاد وسيلة اتصال بهم حتى تغريهم بالنفوذ والثروة ولكن دون جدوى.. مجرد معلومات مغلوطة تجعل الاميركيين يتجرعون مرارة صدام والقيادة العراقية جنباً الى جنب مع مرارة ابن لادن والظواهري التي لم تغادر حلوقهم بعد. بعد 11 سبتمبر تحدث السيناتور ريتشارد شيلبي رئيس لجنة المخابرات في مجلس الشيوخ مستعرضاً اخفاقات تينيت وانهى كلامه بالقول «هل ابقي عليه» كلا بالتأكيد ربما يكون النجاح الوحيد الذي حققه تينيت قد حدث في الجمهوريات التي نشأت بعد تفكك الاتحاد السوفييتي حيث ساعد في تنصيب زعماء شيوعيين سابقين خوفاً من سيطرة الاسلاميين. يعيش جورج تينيت.. ليت القادة الاميركان كلهم بهذا المستوى. مجدي شندي