الجمعة 18 محرم 1424 هـ الموافق 21 مارس 2003 كان الغبار الصحراوى يلف الكويت عندما توجهت القافلة المحملة بعدد كبير من الصحافيين الى خط الحدود الكويتية العراقية، للانتظار فى احد المعسكرات المتسعة هناك، استعداداً للسماح لهم بمرافقة القوات الاميركية والبريطانية الى مدينة البصرة العراقية. لكن هذا الغبار الذى استغرق اليوم بكامله ظل على حاله حتى ساعة متأخرة من الليل ، بينما المتأهبون فى معسكر بنسلفانيا الواقع على الحدود الشمالية للكويت، يعدون الساعات الباقية على انتهاء فترة الانذار الذى كان الرئيس الاميركى جورج بوش قد وجهه الى الرئيس العراقى صدام داعيا اياه الى مغادرة العراق هو وعائلته أو مواجهة الحرب. الحرب اذن كانت هى الأمر المؤكد، وان كان الانتظار يدور حول موعد انطلاق القذيفة الاولى، وقد كان الترقب فى ظل هذا الوضع هو سيد المواقف على الأقل فى هذا المعسكر الذى احتشد فيه الصحافيون ومراسلو وكالات الانباء ووسائل الاعلام من كافة انحاء العالم، وقد جهزوا عدسات آلات التصوير، وأخذ الصحفيون أقصى درجات التحفز للحصول على معلومة ما، أو تصريح خاص، أو التقاط خبر يمكن ان يشبع ذلك الفضول الهائل الذى يغلف حياة هذه الكائنات التى جاءت من بلاد بعيدة لأداء مهام مهنتها. توقعات الحرب مرت الدقائق بطيئة ثم الساعات واحدة تلو الأخرى، وتفاوتت تقديرات الجميع حول موعد الضربة، هناك من قال انها ستحدث بعد دقيقة واحدة من انتهاء مهلة الساعة الرابعة بتوقيت الكويت، أو الواحدة صباح الخميس وفقا لتوقيت غرينتش، وهناك من توقع ان تحدث نهاية الجمعة رابطا بين ذلك وعطلة البورصة الأميركية يومى السبت والاحد، وهناك من لمح الى ان الحرب بدأت فعليا على الارض قبل أيام، مدللا على ذلك بدخول قوات الاستطلاع ورجال مشاة البحرية الاميركية الى جنوب العراق عدة مرات، حتى قبل اكتشاف قوات الامم المتحدة وجود بوابات تم شقها فى السور الشائك التى كانت الكويت قد أنشأته على حدودها لمنع تسلل العراقيين من الجانب الاخر اليها. كان الجميع متأهبا، حتى ان الجنود الاميركيون.. المرابطين في ذلك المعسكر الذى يسمى «بنسلفانيا» على اسم احدى الولايات الاميركية والكائن فى شمالي الكويت وتحديدا على بعد مسافة من الحدود العراقية لاتزيد عن اربعة....كيلومترات والذى يضم الفرقة (101) المتخصصة فى الانزال الجوي وبه مهبط للطائرات العمودية هؤلاء المرابطون كانوا فى حالة استعداد قصوى، غير ان مطاردة الغبار الصحراوى الذى اشتد سعاره منذ اسبوعين، كان يشعرهم بالكثير من الضيق، اذ انه يتسلل الى الانوف ناعما، ليروح المرء بعدها فى نوبة سعال طويلة . وقال أحد قادة الألوية فى تلك الفرقة ان الرياح والرمال تؤثران كثيراً على المروحيات التي تتألف من آلاف وآلاف القطع الصغيرة وهو الأمر الذى دفع قائد المعسكر خلال الايام الماضية لالغاء الكثير من عمليات الطيران التدريبية، غير انه اذا كان ممنوعاً على المروحيات المدنية التحليق وسط رياح تبلغ سرعتها 45 عقدة، فإن مروحيات الاباتشي قادرة على التحليق حتى مع رياح بسرعة ستين عقدة. وفى كل الاحوال فان الشروط المناخية في شمال الكويت وجنوب العراق تستوجب اعمال صيانة استثنائية لقطع يبلغ ثمنها ما بين مليونين وثلاثة ملايين دولار ويمكن ان تتضرر كثيراً في حال تعرضت للرمل ، وفقا لما قاله قائد اللواء. كتيبة متقدمة وتحتشد على الحدود الكويتية كتيبة متقدمة لمرافقة الوحدات العسكرية التى ستتحرك للحرب وهى مخصصة لمرافقة الوحدات العسكرية التى ستتحرك في الحرب للقيام بالصيانة السريعة للاعطال البسيطة، فيما سيتم اعادة الاعطال المعقدة الى موقع المعسكر الثابت في هذه المنطقة لصيانتها ومن ثم اعادتها مرة اخرى. وعلى الرغم من ذلك فان الجدية الصارمة كانت بادية على ملامحهم وهم ينتظرون الساعات الباقية على انقضاء مهلة الانذار، فيما كان يمكن للمرء ملاحظة ان هؤلاء الذى كانوا بالأمس يمارسون ألعابهم ورياضاتهم «بمنتهى الجدية» هم كذلك فى لحظات انتظار دخول معمعة الحرب. يقولون انها ضرورية لأداء.. واجبهم الذي جاؤوا من أجل القيام به والذى يعنى اسقاط الرئيس العراقي صدام حسين ونزع..اسلحة الدمار الشامل التى يعتقد هؤلاء الجنود انه يحوذها. معسكر بنسلفانيا كبير الحجم، لكنه بالطبع أقل كثيرا من معسكر فوكس الذى يتمدد على مساحة 27 هكتار متر مربع الذى يبدو وكأنه مدينة كاملة مجهزة، يضم معسكر بنسلفانيا سبعة فرق تضم مايزيد على ثمانمئة جندي وقفوا على اتم الاستعداد لشن اي هجوم والدخول الى الاراضى العراقية، متى ما طلب منهم القيام بذلك. حفر أرضية كانت الساعات التى سبقت بدء الهجوم طويلة لدى الجنود الاميركيين، فهؤلاء الذين نزلوا فى حفر أرضية تحيط بهم دوامات الاتربة التى اشتدت عاصفتها على الاماكن الصحراوية وداخل المدن الكويتية، كانوا يتوقون الى عدم المكوث طويلا بعيدا عن بلادهم ومناخها، لكنهم أيضا كان لديهم قناعة بانهم يخوضون حربا مشروعة لازالة أسلحة خطرة ستهدد العالم والولايات المتحدة وفقا لما صرح به أحد الجنود الذين التقيناهم فى ذلك المعسكر. لكن القناعة الاكبر التى لدى هؤلاء الجنود هى ان الحرب لن تكون طويلة، وان لدى بلادهم من القوة ما يمكنها من حسم الأمر فى أسابيع معدودة، فيما يراهن قادة هذا المعسكر الذين التقوا الصحفيين ومراسلى وسائل الاعلام الدولية على ان العراقيين هم أيضا يتوقون للتخلص من رئيسهم صدام حسين ومن نظامه الذى لم ينعموا بالاستقرار مثل كل الدول الاخرى منذ ان وصل الى حكم بلادهم، ويعتقد هؤلاء القادة الاميركيون ان العراقيين سوف يستقبلون أنباء سقوط صدام بالبهجة، وان هؤلاء العراقيين سوف يستقبلون الجنود الاميركيين بترحاب، خصوصا فى المنطقة الجنوبية من العراق التى يعلم الاميركيون انها ذاقت الكثير من العذاب منذ ان قامت بانتفاضتها ضد نظاام الحكم العراقى فى العام 1991، بعد طرد القوات العراقية من الكويت. ويستعد الصحافيون الذين ينتظرون الاذن من القوات الاميركية لمرافقتها الى داخل العراق، بعد ان تم تدريبهم فى مقر القوات الاميركية فى الكويت على التعامل مع المواد الكيماوية والبيولوجية، ولكنهم يعلمون ان دخولهم الى هناك لن يتم قبل ان تبدأ القوات البرية فى الدخول الى العراق، بعد ان تكون الطائرات الحربية العملاقة قد مهدت الطريق أمامها، وهو أمر قد يستغرق عدة أيام، لكن هناك قناعة تامة بان الأمر سوف يحدث حتى وان تأخر قليلا. دخول البصرة ووفقا لما يتردد فان دخول البصرة بات قريبا وسط معلومات عن ان قوات الاستطلاع الاميركية دخلت ومازالت تدخل الى عدة مناطق فى الجنوب، وان الأمر بات ممهدا تماما بعد قام الرئيس العراقى بسحب معظم قواته والتركيز على خطة تستهدف استدراج الأميركيين الى بغداد والدخول فى حرب عصابات يرى العراقيون انها قد تمكنهم من اطالة وقت الحرب على القوات الاميركية التى ان دخلت الى الصيف المقبل فانها سوف تكون أشد كلفة على تلك القوات، فى الوقت الذى يعنى اطالة الحرب، ان غضب الرأى العام العالمى سوف يزداد، وان وعود الرئيس الاميركى جورج بوش بحرب قصيرة وهو الوعد الذى ظل يكرره قبل ان يعلن خطاب الحرب، سوف تنقلب عليه وعلى مستقبله السياسى. لكن ثقة الجنود الاميركيين بما لديهم من أسلحة ومعدات وأجهزة متقدمة للغاية، يدفع الثقة الى نفوسهم، فى الوقت الذى يؤكد التوجيه الذى يقدم لهم كل يوم انهم يقومون «بعمل عظيم» لصالح بلدهم والانسانية. الحرب عندما كنا فى معسكر بنسلفانيا، كانت على الابواب، فقد يفصلنا عن موعدها ساعات قصيرة، ولكن الأمر فى تلك اللحظات الليلية كان كان يؤكد ان الحرب قادمة لامحالة، ولعل هذا كان مايمثل قناعة تامة للاميركيين، الذين كانوا قد جاءوا للحرب، واكتملت استعداداتهم لأجلها، فى الوقت الذى كانت أبواب الدبلوماسية قد أغلقت تماما، ولم يعد الأمر يحتمل قول آخر، فالشرط الرئيسى الذى أعلنه الرئيس الاميركى بوش لمنع وقوعها كان رحيل الرئيس العراقى وعائلته الى المنفى، وهو الأمر الذى رفض على الفور من القيادة العراقية، ثم ان آرى فلايشر الناطق الرسمى للبيت الأبيض لم ينتظر قليلا هو الآخر حين أعلن انه حتى فى حال رحيل صدام فان القوات الاميركية سوف تدخل العراق. هل هي الأخيرة؟ اذن الحرب كانت واقعة حتما، وهو الأمر الذى حدث بالفعل بعد ان انقضت الساعات الحرجة، لكن الكلام الان ليس عن وقائع الحرب فقط، بل متى ستنتهى؟، وهل ستكون تلك الحرب حقا بداية لاستقرار منطقة الخليج.
