الخميس 17 محرم 1424 هـ الموافق 20 مارس 2003 ايقاع الحرب المتسارع، وجد طريقه الى المدن العراقية وبدا واضحاً بشكل أكبر في العاصمة المستهدفة بغداد، قبل أن تنزل عليها الصواعق الأميركية، فقد خلت الشوارع من مارتها وأغلقت معظم المحلات التجارية وتعطلت الدوائر والمؤسسات والمدارس منذ قرابة ثلاثة أيام. ويبدو ان الانذار الأميركي وجد طريقه للبيوت العراقية والقلوب الراجفة، فهرع التجار الصغار والكبار الى تحميل ممتلكاتهم على شاحنات ونقلها الى بيوتهم خوفاً من أن تشيع حالات النهب التي تشيع عادة في الحروب، وهم قد خبروا هذه الحروب. ونفضت العاصمة بغداد تقريباً نصف سكانها الى دروب الهجرة التي تعددت اتجاهاتها، اذ بقيت ادارة الاقامة والجوازات تمنح تأشيرات للسفر وللجوازات، وهو ما أكده وزير الداخلية العراقي. وأشار الى ان الجوازات ستبقى مفتوحة، لكن الذين سافروا للأردن أعيدوا للأراضي العراقية، وفق المصدر نفسه، رغم ان هناك نفياً عراقياً وأردنياً لغلق الحدود بين البلدين. وتعطل النقل في بغداد جراء نقص مادة البنزين التي أفرغت منها محطات الوقود خوف انفجارها أثناء الحرب واصابتها للمواطنين، لكن العراقيين خزنوا الوقود في منازلهم للحاجة وقت الطواريء. وأفرزت هذه الحالة أمرين انعكسا سلباً على المجتمع العراقي الأول ان حوادث انفجار الوقود ازدادت بين السكان، نتيجة تخزينها في البيوت، وراح ضحيتها كثيرون، والأمر الآخر ازدياد أجرة النقل، حتى بلغت حدوداً غير معقولة، فأجرة السفر الى أي منطقة خارج حدود بغداد بلغت 500 دولار، إذا ما قيس الدولار بالدينار العراقي الذي هبط أمس الى أدنى مستوياته، فبلغت قيمة الدولار الواحد 3 آلاف و200 دينار عراقي. وتسود أجواء التخوف والترقب وحالة من الوجوم والكآبة، وهي حالة لا تشبه ما سبق أن سادت المجتمع العراقي في السابق، وانتشرت الاشاعات الحارقة كالنار في الهشيم، مما أفقد العراقيين الثقة بما يقال حولهم داخلاً أو خارجاً، ومن ذلك قصة حظر التجول التي أورد انها ستكون نافذة في حالة الحرب. لكن حظر التجول محظور في العاصمة بغداد وفق مصادر متنوعة أرجعت الأمر الى ان هذا الحظر سيعني ان الحزبيين والقوات الشعبية التي ستنتشر في الشوارع ستكون هدفاً سهلاً، ولذا ارتأى المسئولون ان مشاركة الناس في الشوارع وخروجهم وقت القصف وبقاء حالة الانسياب الشعبي مهمة في اخفاء أوجه وأشكال المقاومة الشعبية الموجودة، كما انها مهمة في حال قتال الشوارع. مؤشرات كثيرة تسببت في حالة الوجوم والكآبة للعراقيين منها ان مجلس قيادة الثورة العراقي أصدر قراراً باعادة الضباط المحالين للتقاعد ببلوغ السن القانونية أو بسبب اعاقتهم التي بلغت 60% في الحروب السابقة للخدمة، وشمولهم بالاستدعاء الى الخدمة العسكرية. وشكل اختفاء مظاهر الحماية العسكرية داخل بغداد دافعاً آخر للخوف، فقد لاحظ السكان ان أية قطعة عسكرية ليست موجودة داخل بغداد وانما حصرت القطاعات العسكرية خارجها. وكعادة العراقيين في حربين سابقتين، فقد تم تفكيك المنشآت المهمة ونقلت الأجزاء الحساسة الى مخازن آمنة، ولوحظ ان الدوام تعطل تماماً لليوم الثالث على التوالي، وبصمت نقل العراقيون أدواتهم الحساسة وكمبيوتراتهم للبيوت ولمخابيء آمنة خوفاً عليها. تصريح وزير الصحة العراقي الدكتور أوميد مدحت تحولت به المستشفيات الخاصة والعامة المدنية والعسكرية الى درجة الانذار، وأقر بقاءها مفتوحة في حالة الحرب، كما تم تحويل المستوصفات البعيدة في الأقضية والنواحي الى مراكز متطورة لتوفير غطاء سريري في حالات الطواريء وبالطبع هذا القرار شمل المستشفيات الأهلية التي جندت للحرب. وبلغ التضخم في السوق مداه حتى بدت سوق بغداد صباح أمس متوقفة عن النبض بعد أن أقفلت المحال التجارية وعجز الكثير من الأهالي عن توفير ما يعتقدونه مستحقات الحرب من أدوية للاسعاف الأولي، ويذكر ان الأقنعة الواقية من الأسلحة الكيماوية بلغت أسعارها عشرة آلاف دينار عراقي، مما دفع المواطنين الى العزوف عن شرائها. وتجولت وحدات للاسعافات الخاصة قدمت للمواطنين شرحاً بكيفية صناعة كمامات واقية من الفحم والأقمشة القطنية كبديل، كما قدمت نصائح بكيفية اغلاق النوافذ الخارجية والأبواب الداخلية للحماية من التقنابل الانشطارية والأسلحة الكيماوية أو البيولوجية التي يتوقع العراقيون أن يلقيها الأميركيون عليهم. وكعلاقة مهمة تأكد بها العراقيون ان الحرب تختلف عما سبقها، كانت السفارات تغلق أبوابها ويغادر موظفوها، حتى السفارة الروسية التي كانت قد بقيت في الحرب السابقة مفتوحة وضاجة بموظفيها، خلت خلافاً لكل الأنباء والتصريحات من أي شخص سوى من حارس عراقي مسن يجيب كل من يسأله ان السفارة مغلقة ولا أحد فيها. العراقيون يستشعرون العزلة التي وضعهم فيها المجتمع الدولي أصدقاء وأعداء، ويلوذون بركن ما في بيوتهم اعدوه كملجأ أخير من موت لن يختار ضحاياه بل سيضربهم عشوائياً، وقد يحصدهم جماعياً. وبغداد التي ضجت على مر التاريخ وصنع أهلها قمماً من المجد، تقبع في زاوية من العالم محاصرة بكل أنواع الحروب، حتى مكابدة النفس وردعها عن الخنوع والبكاء. كتبت لهيب عبدالخالق: