الاربعاء 16 محرم 1424 هـ الموافق 19 مارس 2003 لم يعد نزار الخزرجي رئيس أركان الجيش العراقي السابق الى منزله في سورى (50 كيلومتراً جنوب غرب كوبنهاغن) بعد أن خرج في نزهة صباح أمس الأول، حسبما تقول عائلته. الخزرجي البالغ من العمر 65 عاماً ظل حتى اختفائه قيد الاقامة الجبرية في الدانمارك، لذلك أطلق الدانماركيون مذكرة بحث دولية عنه بعد أن فتشوا كل مكان على أراضيهم واضعين احتمال أن يكون قد تعرض لحادث أو عارض صحي. غير انهم عادوا ورجحوا أن يكون قد هرب للانضمام الى قوات المعارضة العراقية أو أن تكون الاستخبارات قد خطفته. للخزرجي قصة طويلة مع الاستخبارات المركزية الأميركية، بدأت ساعة وصوله الى كوبنهاغن، فقد تابعته في عدد من العواصم الأوروبية بين عامي 1996 و1999، وهو يتنقل من واحدة الى أخرى طالباً اللجوء السياسي دون موافقة، ويبدو ان المخابرات الأميركية بدأت مساومته، إذا وافقت الدانمارك على صيغة وسط تقضي بمنحه اذن اقامة «تسامحي»، لأن السلطات لا تستطيع ترحيله الى العراق، حيث يمكن أن يواجه حكماً بالاعدام. طوال عامين ظلت الاستخبارات الأميركية على صلة وثيقة به، اذ كانت واشنطن تبحث في ذلك الوقت عن قائد عسكري مسلم سني تثق في ولائه لها، ومن قدراته الشخصية ليخلف صدام بعد اجتياح العراق. وبدأ تلميعه في وسائل الاعلام العالمية والعربية، ويتردد ان لحظة فارقة غيرت مجرى العلاقة حينما أكد للأميركيين ان غزوهم العراق وتنصيب حكومة عميلة لهم بشكل مكشوف يمثل أمراً غير مقبول، والبديل هو أن تساعده أميركا لتدبير انقلاب عسكري ضد نظام الرئيس صدام حسين، وان بامكانه اتمام ذلك عبر صلاته الوثيقة بكبار الضباط وان نموذج أفغانستان لن يصلح في أرض الرافدين. ولما كان ذلك يناقض وجهات النظر الأميركية التي ترى ان أي محاولة انقلاب عسكري على نظام صدام مآلها الفشل، فإن الاتصالات انقطعت بين الجانبين وبدأ الأميركان البحث عن آخرين. وفيما يشبه الصدفة المدبرة بدأ الفريق الخزرجي يعاني من متاعب كبيرة، ففي أوائل نوفمبر لمحه أحد الأكراد المقيمين في الدانمارك فقام بابلاغ السلطات عنه، وعندما بدأت الشرطة الدانماركية التحقيق معه فيما كان يتأهب للسفر الى المملكة العربية السعودية التي منحته تأشيرة دخول، وفي غضون أيام قليلة تم منعه من مغادرة الدانمارك وسحبت منه جميع الوثائق الرسمية، كما وضع قيد الاقامة الجبرية. وقتها قال رئيس مكتب حقوق الانسان الدانماركي «من المخجل لنا نحن أن نأوي مجرماً كهذا ونخدمه في حين يجب التحقيق معه وان لم نتمكن نحن من محاكمته، فالأجدر بنا تسليمه الى محكمة العدل الدولية في لاهاي لينال عقابه العادل». هكذا وجد الفريق الخزرجي نفسه بعد أن كان يتم تسويقه كأهم حاكم بديل للعراق بيد الأميركيين، وجد نفسه ملاحقاً بتهمة استعمال الغازات السامة في قرية جلجة الكردية في مارس 1988 أثناء رئاسته للأركان. وفي احدى مرافعاته أمام المحكمة الدانماركية التي تنظر قضيته قال أنديرس جوزفسونن «انه من الضروري الافراج عن موكله لأن أمامه فرصة تاريخية للمشاركة في اقامة نظام بديل في بغداد في حال تدخلت الولايات المتحدة عسكرياً وأطاحت بالرئيس العراقي». غير ان المحكمة لم تأخذ بكلام المحامي واعتبرت ان حجته سياسية وليست قضائية. وفي جلساته الخاصة كان الخزرجي يردد ان المخابرات الأميركية ستساعده على قيادة ثورة عظمى تعيد أمجاد العراق، وانه يحضر نفسه وتحضره الوكالة الأميركية ليكون ديغول جديداً في بغداد. وعلق البعض ساخراً اذا كانت أميركا لم تحب ديغول فرنسا فكيف تصنع ديغولاً عراقياً. ويبدو ان الفريق الخزرجي ظل مصراً على وجهات نظره حتى وقعت قريب اذ صرح في نهاية يناير الماضي ان الجيش العراقي سينقلب على الرئيس صدام قبل وقوع الحرب، كما وجه نداء عاجلاً لكبار قادة الجيش العراقي ولكل عراقي مخلص، حسب قوله للتحرك بالسرعة الممكنة للانقلاب على صدام حسين والاطاحة بنظام حكمه للحيلولة دون وقوع الحرب. توقيت اختفاء الخزرجي من كوبنهاغن وطريقة هذا الاختفاء تثير علامات استفهام كثيرة، ففي نفس يوم اختفائه أعلن زعماء من المعارضة العراقية كانوا يجتمعون في تركيا ان أميركا غيرت تكتيكاتها باقامة حكومة عسكرية أميركية لمدة عامين في العراق، وانها أصبحت مقتنعة بتنصيب حكومة مدنية عراقية تدير شئون البلاد وتتولى زمام الأمور بأسرع وقت ممكن بعد زوال نظام صدام. بعد ساعات من تصريحات زعماء المعارضة العراقية بدا الرئيس الأميركي جورج بوش مهتماً في خطابه الذي ألقاه ليلة أمس بمخاطبة الجيش العراقي وتحذيره من القتال لصالح نظام يحتضر، على حد قوله. وربما يكون الأميركان قد أدركوا أهمية قيادة عسكرية بحجم الخزرجي، كما يحتمل أن يكون الأخير غير وجهات نظره بعد أن أحس ان القطار الأميركي سيمضي به أو بغيره. صحيفة «ايلاف» الالكترونية تنقل عن أحد المعارضين العراقيين المقربين جداً من الخزرجي ان رئيس الأركان العراقي السابق موجود الآن في السعودية وهو نفسه كان يردد انه بحاجة الى أن يكون في شمال العراق للمشاركة في القتال ضد صدام. لا أحد يعرف على وجه التحديد الجهة التي اختطفت الخزرجي أو ساعدته على الهرب من الدانمارك. ربما يرى الأميركان انه شخصية قوية استطاع مواجهة صدام وصارحه بأن الجيش العراقي الذي كان يرأس أركانه لا يستطيع مواجهة جيش تقوده أميركا، وذلك بعد أيام من غزو الكويت، صدام في ذلك الحين اكتفى بابعاده عن منصبه، وذلك لأنه ينتمي الى قبيلة كبيرة في محافظة الموصل الشمالية، ولم تكن القيادة العراقية وقتها على استعداد للدخول في معركة معه. وظل الخزرجي في منزله حتى عام 1996 ليهرب عبر الشمال العراقي الى الأردن ومنه الى العواصم الأوروبية، ولا يعرف أحد على وجه الدقة ما إذا كان هو فرس الرهان الأميركي الذي سيستخدم لمحاولة اقناع كبار الضباط العراقيين بالتحرك ضد نظام الحكم القائم، أم أن مصيره الى زنزانة في احدى العواصم الأوروبية الباردة بدلاً من القصر المنتظر. كتب مجدي شندي: