الاثنين 14 محرم 1424 هـ الموافق 17 مارس 2003 تزدحم احدى ساحات وسط العاصمة الاردنية عمان بجمع غفير من العراقيين طوال ساعات النهار في سعي منهم للبحث عن فرص عمل، الا ان المشكلة في الساحة الاقتصادية الاردنية، انها ساحة فقيرة لا تلبي حاجة مواطنيها فكيف الحال بعابر سبيل او باحث عن العمل من جنسية اخرى. وبحسب المواطنين العراقيين المتواجدين في الاردن فإن معظمهم يعتبر الاردن محطة انتقال سواء الى البلاد الغربية او البلاد العربية الاخرى وخاصة الخليجية منها الا ان سوء الاوضاع الاقتصادية في المنطقة بصورة عامة تدفع عدد لا بأس من هؤلاء الى البقاء في الاردن، حتى في ظل ظروف صعبة. وتعتبر الساحة الهاشمية هي «البريد الشعبي» للعراقيين الباحثين عن اخبار اهليهم ومواطنيهم في الوطن فهناك يتجمعون ويلتقون ويتذكرون واحيانا يبكون. فالوقوف على اخبار الاهل والوطن هي الغاية القصوى التي ينشدها هؤلاء حول طاولات المقاهي الرخيصة والمقاعد العامة في «الساحة». فيما تفترش النساء المتشحات بالعباءات السوداء ارض الساحة الهاشمية لبيع السجائر المهربة - المنتهية مدة صلاحيتها في العادة - فيما تبيع اخريات بعض الادوات الخفيفة والتمور العراقية التي استطعن احضارها من العراق. وذلك بهدف كسب قوتهن بالحلال ولسد رمق من يعلن من اطفال وشيوخ وابناء. ويلجأ الرجال الى العمل باسعار زهيدة جدا ولساعات طويلة وذلك من اجل تأمين لقمة العيش وسد متطلبات الحياة الاساسية التي يحتاجونها في غربتهم. ويجد العراقيون انفسهم مهددين في كل لحظة بقطع مصدر رزقهم وانهاء خدماتهم من قبل صاحب العمل حيث ان معظمهم يعمل بدون تصريح عمل ويتجاوز المدة القانونية للاقامة الممنوحة له رسميا من قبل السلطات المختصة بالاردن، والتي تحدد عادة بستة اشهر. وكانت الحكومة الاردنية قد اصدرت مؤخرا قرارا يمنع بموجبه العراقيون الذين يقل عمرهم عن 40 عاما من دخول الأراضي الأردنية. وذلك خشية منها من اندلاع أعمال شغب من جانب ما يقارب 400 ألف عراقي على أراضيها احتجاجا على الحرب الأميركية المحتملة ضد بلادهم في ظل تفاقم الازمة العراقية وتهديد الولايات المتحدة الاميركية بشن عدوانها على العراق. والتقت «البيان» بعدد من العراقيين رفضوا الكشف عن هوياتهم، خشية منهم على ما يبدو من الملاحقات الامنية. يقول فني عراقي يعمل في مجال المصاعد الكهربائية اشترط عدم الكشف عن اسمه ان حجم المعاناة التي يعيشها العراقيون في الاردن يتفاقم خصوصا بعد التهديد الاميركي الصريح بشن العدوان على العراق والحديث عن اقتراب موعد ساعة الصفر، مشيرا الى ان اصحاب العمل يستغلون حاجة العراقيين للعمل من اجل الاستمرار في العيش وتأمين متطلبات حياتهم حيث يدفعون اجوراً زهيدة لا تلبي الاكل والمتطلبات اليومية اضافة الى عدم التزام ارباب العمل بدفع الاجور بشكل منتظم. مشيرا الى انه يعمل الان بأجر لا يتعدى ثلاثة دنانير اردنية أي ما يعادل اربعة دولارات ونصف في اليوم وهو مبلغ لا يكاد يكفي لانقاذ فرد واحد في الاردن من التسول وطلب الحاجة سواء كان مواطنا او غيره. ويشير بعض العراقيين الى ان ملاحقة رجال الامن لهم مستمرة ولا تنقطع وهو ما يدفعه الى المبيت في اغلب الاحيان في المقابر والمناطق المهجورة خوفا من ترحيلهم لانهم لا يملكون تصاريح. وتقول احدى البائعات العراقيات اين العرب والمسلمون مما نعانيه قبل الحرب المزمع شنها على العراق؟؟ ورأت انه لن يستمر الامر طويلا بعد الحرب حيث ستزيد معاناتنا ولن نجد من يقف الى جانبا مستهجنة مواقف ابناء جلدتهم وقوميتهم ودينهم ومشيرة الى انه اذا كان وجودنا هنا خوفا من الحرب كما يروج البعض فأين الامة العربية والاسلامية من هذا العدوان الغاشم الذي لا يستهدف العراق وحسب بل كل الامة من اقصاها الى ادناها وان الدور قادم على الجميع ولن يفلت منها احد. وقد نشطت الحكومة الاردنية - بحسب العديد من التقارير وتأكيدات ذات العراقيين - في ترحيل المواطنين العراقيين المقيمين في الاردن بشكل غير قانوني وبخاصة الذين انتهت تصاريح عملهم التي تمنح لهم قبل دخولهم الى الاردن والتي يحدد بناء عليها مدة الاقامة بستة اشهر للعامل العراقي فيما فرض القرار الجديد قيودا اضافية على القادمين الى الاردن حيث حدد السن المسموح بدخولهم فوق 40 سنة. ويشير عدد من العراقيين إلى أن هذه الاجراءات المشددة التي لم تستثن حتى الفئات «المثقفة» مثل اساتذة الجامعات فقد شملت هذه الإجراءات المشددة عددا من الأساتذة العراقيين الذين يعملون كمحاضرين بالجامعات الأردنية تحت مسمى «أردنة» كوادر التدريس. وقال أستاذ جامعي عراقي يعمل بالأردن رفض ذكر اسمه، قصته قائلا : انه رحل الى الحدود العراقية وتم ختم جواز سفره بطريقه تمنعه من دخول الاردن الا بعد خمس سنوات دون سبب على حد قوله. يذكر ان الاساتذة العراقيون يشكلون حاليا ما نسبته 45% من أعضاء هيئات التدريس في بعض الجامعات الأردنية.