السبت 12 محرم 1424 هـ الموافق 15 مارس 2003 لا يزال الغموض يكتنف شخصية رئيس بلدية القدس الجديد أوري لوفليانسكي الذي ثارت حوله ضجه كبيرة لكونه أول رئيس بلدية من معسكر المتشددين، دينيا. مصادر مقربة من رئيس البلدية كشفت بعض أسرار «أوري لوفليانسكي» حيث اتضح أنه مجرد دمية يحركها الزعيم الروحي لحزب« ديجل هتوراة» الحاخام يوسف شالوم الياشيف الذي كشفت المصادر ذاتها أن رئيس البلدية الجديد لا يتنفس إلا بمشورته. التطرق لسيطرة المتطرفين على بلدية القدس تدفعنا لدراسة المتدينين بشكل أعمق نظرا لخطورتهم المتزايدة المتواكبة مع نسبة مواليدهم الكبيرة. مجلة «كل هزمان» الصادرة في القدس دللت ـ في تقرير لها نشرته منذ أيام ـ على الارتباط الشديد بين المتطرف وأستاذه بقولها ان رئيس البلدية أوري كان رافضا للمنصب خوفا من اضطراره لتدنيس حرمة يوم السبت إلا أنه وافق لمجرد تلقيه وعدا من الحاخام الياشيف بلقائه أكثر من مرة أسبوعيا! لتلقي التوجيهات والتعليمات منه بالطبع. اوري وافق لأنه لا يستطيع رفض عرض كهذا من الحاخام المسن الذي تجاوز الثالثة والتسعين من عمره والذي يلقب ب«المعلم العبقري» الأمر الذي دفع قيادات حزب ديجل هتوراة للتصريح في مناسبات خاصة بان زعيمهم هو الرئيس الحقيقي لبلدية القدس! وسعيا للبحث خلف المحرك الرئيسي للدمية التي تتحرك على المسرح عبر خيوط يجذبها الياشيف نجد أن الحاخام المتطرف هاجر للقدس بشكل غير قانوني قادما من تركيا حيث اعتزل الدراسة مع أقرانه مفضلا دراسة التوراة بشكل انفرادي حتى ذاعت شهرته كمفسر للتوراة والتلمود وصارت له جماعة تؤيد أفكاره التي كانت متشدده منذ البداية والدليل على ذلك استقالته من المحاكم الشرعية والتي عين قاضيا فيها وعمره لا يتجاوز السادسة والعشرين لمجرد اصدار الحاخام الأكبر فتوى شرعية متعلقة بالزواج من الأجنبيات اعتبرها الياشيف مرنه أكثر من اللازم، بعد استقالته التي صاحبتها ضجة إعلامية كبيرة عاد الياشيف لدراسة التوراة وفي بداية الثمانينيات توفى أكثر من قيادي للطائفة الحريدية في إسرائيل على رأسهم ستابلر، «كهانمان» و«هحازون إيش» فأصبح الياشيف رقم أثنين في قيادة الطائفة وبعد وفاة الحاخام «شاخ» أصبح هو الزعيم الروحي للحريديم وورث ألقاب سلفه الفخيمة التي تتصدر أسمه كلما تم ذكره خاصة في صحيفة « يتد نئمان» الناطقة بلسان حزب «ديجل هتوراة»، تحركات الحاخام حتى غير السياسية تحظى بتغطية واسعة في هذه الصحيفة وبقية الصحف الدينية لدرجة أن خبر حضوره حفل زفاف أو ما شابه ذلك يحتل دائما المانشيت الرئيسي لتلك الصحف! ورغم أن أوامره نافذه على كل أعضاء الطائفة في إسرائيل إلا أنه ليس عضوا في مجلس حكماء التوراة المسئول عن رسم السياسات وإصدار الفتاوى وهو ما فسره الجميع بأنه إشارة إلى أن مكانته تتجاوز هذا المجلس. الياشيف ـ حسب وصف مجلة «كل هزمان»، يعد من المتشددين الرافضين للاستعانة بالتكنولوجيا أو حتى دخولها لمعقله في حي مئاة شعاريم بالقدس. ومن فتاويه الشهيرة «الصادرة منذ ثلاث سنوات» حظر استخدام الكمبيوتر إلا في أغراض العمل فقط. كما حظر حمل طلبة المعاهد الدينية للهاتف الجوال. ناهيك عن حملات غير مباشرة يوجه بها الطائفة الحريدية نحو التطرف من خلال تعليمات منه للصحف الدينية. تطرف الياشيف فاق حتى تطرف «الوقح» عوفديا يوسف الزعيم الروحي لشاس لدرجة أن الأول رفض تأييد حزب شاس عند إقامته في عام 1984 على الرغم من طلب عدد من كبار الحاخامات دعم الياشيف الذي رفض بشدة وسرعان ما أقام حزب «ديجل هتوراة» الذي خاض انتخابات عام 1988 وحصل على مقعدين في الكنيست. سر رفض الياشيف للتعاون مع عوفديا أنه يعتبر الأخير معتدلا أكثر من اللازم لذا قرر مقاطعته حتى على المستوى الشخصي! وعلى صعيد الانتخابات الأخيرة فاز حزب ديجل هتوراة المتحالف منذ عام 1992 مع حزب اجودات يسرائيل بخمسة مقاعد في الكنيست. الخلافات بين الياشيف وعوفاديا تجددت مؤخرا بعد أن اقامت ابنة عوفديا «عدينابرشالوم» مؤسسة تعليمية نسائية لا تعتمد فقط على علوم التوراة الأمر الذي رفضه الياشيف بشدة وقاد حملة لاذعة ضده. تشدد «الياشيف» طال أيضا عدداً آخر من الحاخامات بخلاف «عوفديا يوسف» حيث اشتبك مع الحاخام «الياهو بقشي دورون» الملقب ب«الأول في صهيون» لمجرد أنه أصدر فتوى تلتف حول وصية الديانة اليهودية بترك الأرض كل سبع سنوات بدون زراعة حيث افتى بإمكانية زراعتها لو تم تأجيرها لغير اليهود. الياشيف واتباعه نزعوا عن الحاخام الكبير ألقابه وسبوه بألوان من السباب أقلها: «الضال المضلل صاحب الخزي والعار». في المقابل تعرض «الياشيف» لهجوم قاسٍ من فصيل معارض للصهيونية من ابناء الطائفة الحريدية عندما افتى بإخلاء مجموعة من القبور لتعبيد طريق سريع الأمر الذي دفع عدداً من اتباع هذا الفصيل لرشق موكب الياشيف بالحجارة في حادثة تاريخية، ومن بين الذين اشتبك معهم أيضا لتطرفه الحاخام «اهرون ليف شتينمان» الذي حاول أن يطرح حلاً وسطاً لقضية تجنيد طلبة المعاهد الدينية من خلال تخصيص وحدات معينة لهم داخل الجيش إلا أن الياشيف اعترض على الفكرة بشدة داعيا لاستمرار عدم تجنيد المتدينين. الحاخام المتطرف الياشيف يرفض لقاء ارييل شارون على الرغم من انه التقى من قبل غريمه بنيامين نتانياهو عدة مرات، بل ويرفض حتى محادثته هاتفيا « معظم القيادات السياسية تحرص على الحصول على البركة منه» لذا لم يكن مستغربا أن يستبعد شارون في إئتلافه الحكومي الحالي أي ممثل للحريديم وأن يرتمي في أحضان حزب شينوي العلماني. الأمر الذي دفع الياشيف لتوجية انتقادات لاذعة للائتلاف الجديد واصفا شارون بأنه: «شخص علماني لا يهمه إلا المصالح». وواصفا الحزب الديني الوحيد الذي ضمه الائتلاف «حزب المفدال غير الحريدي» بأنه مجموعة من المتمردين». الحاخام الياشيف يرفض أيضا أي حل وسط يقرب مواقف الأغلبية العلمانية في إسرائيل من مواقف القوى الدينية عبر «اتفاقية كنيرت» التي طرحها عدد من المثقفين في عام 2001.