السبت 12 محرم 1424 هـ الموافق 15 مارس 2003 رغم التشدد الحديدى الذى أبدته الجماهيرية الليبية إزاء صراعها مع الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا بشأن أزمة سقوط الطائرة بان إم الأميركية فوق بلدة لوكيربى عام 1988، بدا لافتا أن طرابلس سارعت الخطى نحو حل الملفات العالقة بهذه الأزمة والإعلان عن تحمل المسئولية المدنية عن الجريمة استباقا للتطورات التى قد تطرأ على المنطقة العربية وسط نذر الحرب الأميركية على العراق، فبعد صراع سياسى عاصف دام لأكثر من أربعة عشر عاما حين سقطت طائرة بان إم فوق بلدة لوكيربى باسكتلندا قبلت ليبيا تحمل المسئولية المدنية عن الحادث الذى راح ضحيته 259 قتيلا ووافقت الجماهيرية على دفع تعويضات لأسر الضحايا تصل إلى 7,2 مليار دولار فى أعقاب مفاوضات مكثفة وغير مسبوقة عقدها وليام بيرنز مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى وعدد من المسئولين الليبيين والبريطانيين خلال اجتماع في لندن يوم الثلاثاء الماضى. وينص الاتفاق على أن تدفع ليبيا 10 ملايين دولار عن كل ضحية من الذين كانوا على متن الطائرة إلى جانب الضحايا الأحد عشر الذين قتلوا نتيجة تساقط الحطام فوق الأراضى الإسكتلندية. ووفقا لمعلومات كشفها ل«البيان» الدكتور أحمد رفعت أستاذ القانون الدولى المصرى بجامعة القاهرة وأحد الخبراء الذين اعتمدت عليهم الجماهيرية الليبية فى الملف القانونى لهذه الأزمة فإن المرحلة الأولى من حل الأزمة والتى تمثلت فى تسليم المواطنين الليبيين عبد الباسط المقراحي والأمين فحيمة لم تؤد إلى رفع العقوبات نهائيا عن الجماهيرية وإن كانت قد علقت هذه العقوبات بصورة مؤقتة الأمر الذى أبقى طرابلس تحت رحمة التقلبات المحتملة فى السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، بل وتحت رحمة أى نوع من الملفات الأخرى التى قد تستخدم لإحياء العقوبات من جديد، وأشار رفعت إلى أنه منذ صدور حكم المحكمة الاسكتلندية التى انعقدت وفق اتفاق خاص فى كامب زيست فى هولندا والذى أدان أحد المواطنين الليبيين فيما أطلق سراح الآخر، عملت ليبيا على تسوية الملف المدنى للقضية بتعويض أسر الضحايا حتى لا تظل هذه الأسر ملفا يمكن إعادة استخدامه فى المواجهة مع الجماهيرية وقد كانت المشكلات التى تواجه تسوية الملف هو خوف ليبيا من أن الإعتراف بالمسئولية المدنية قد يقود إلى محاولة أميركية بريطانية لإدانة أطراف أخرى من المسئولين الليبيين على أن الصفقة الأخيرة التى سوف تسدد من خلالها ليبيا 7,2 مليار دولار لاسر الضحايا اشتملت أيضا على عدم المطالبة بالتحقيق فى الواقعة مع أى من المسئولين الليبيين. أما الخطوة الثانية حسب الإتفاق المبرم فى لندن وكما يقول دبلوماسى ليبيى فى القاهرة فإن طرابلس سوف ترفع رسالة عاجلة إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفى عنان تعترف فيه بالمسئولية المدنية عن حادث الطائرة بان إم الأميركية وتقرر تعويض الضحايا ومن ثم فإن الجانب الأميركى البريطانى سوف يقوم بإبلاغ مجلس الأمن الدولى بأن ليبيا نفذت كامل الشروط الخاصة بالأزمة ومن ثم يمكن العمل على رفع العقوبات عن ليبيا وهى العقوبات التى كانت قد علقت من قبل عام 1999. وحسب الدكتور أحمد رفعت أيضا فإن هذا الإتفاق الأخير يحقق مكاسب متعددة للجانبين الليبى والأميركى فى وقت واحد، فعلى صعيد المصالح الليبية فإن طرابلس تنتفع برفع العقوبات نهائيا عنها الأمر الذى يؤهلها للعودة إلى المجتمع الدولى والإندماج مع المؤسسات العالمية حيث كانت تواجه العديد من الصعوبات بهذا الشأن بسبب الضغوط الأميركية على كل بلد ينشئ علاقة طبيعية مع القيادة الليبية. وفى نفس الوقت فإن طرابلس قد توصلت لهذا الإتفاق فى وقت بالغ الدقة والحساسية قبل ايام قليلة من موعد الحرب المحتملة على العراق وهى الحرب التى تهدد بإعادة رسم خريطة التوازنات السياسية والعسكرية فى منطقة الشرق الأوسط فيما تبرز الحاجة إلى إعادة تقويم العلاقات العربية مع الولايات المتحدة والقوى الأخرى فى العالم تفاديا لأى نوع من الصدام الذى قد ينعكس بالمزيد من السلب على المصالح العربية. أما من ناحية المكاسب الذى جنتها الولايات المتحدة الاميركية من وراء هذه الصفقة السياسية أنها من جهة أدت إلى تراجع الاحتقان المتواصل الذى ارتبط بملف العلاقات بين واشنطن وطرابلس مما يساعد على تقليل حدة التوتر فى العالم العربى والتأكيد على أن واشنطن يمكنها أن تتفاوض وتتوصل إلى حلول بصورة سلمية، وفى نفس الوقت فإن كون أغلبية ضحايا طائرة لوكيربي من الأميركيين يجعل من هذا الإتفاق فرصة للفخر على المستوى المحلى فى الولايات المتحدة بالتأكيد على أن الإدارة حسمت هذا الملف المدنى وأعادت الحقوق الضائعة لضحايا الطائرة بعد سنوات طويلة من الجدل والنقاش والأزمات. ومن هنا وحسب تقييم المسئول القانونى عن هذا الملف فإن كل الأطراف خرجت رابحة من هذه الصفقة الأمر الذى يساعد على ترسيخ لغة جديدة للحوار بين الولايات المتحدة والجماهيرية الليبية لإنهاء فترة طويلة من النزاعات. ويبدو لافتا فى هذا السياق كذلك أن المسئول الأميركى الذى تولى ملف المفاوضات بشأن المسئولية المدنية لحادث الطائرة هو وليام بيرنز مساعد وزير الخارجية الأميركى لشئون الشرق الأدنى وهو نفسه الذى يتولى عملية الوساطة بين الجانبين الفلسطينى والإسرائيلى لإعادة العلاقات بين الجانبين إلى طاولة التفاوض ودخول بيرنز على خط الأزمة يتيح له فرصة التواصل المباشر مع بلد يعد من أبرز المحسوبين على تيار المعارضة للتسوية السلمية فى الشرق الأوسط، ومن هنا فإن اقتراب بيرنز من القيادات الليبية ومساهمته فى حل أزمة من هذا النوع تمثل نقطة تحول فى علاقات طرابلس مع العالم يساعد المسئول الأميركى على أن يواصل هذا الحوار نحو تقريب وجهات النظر الأميركية الليبية بشأن قضايا التسوية للصراع العربى الإسرائيلى، وهذا التطور لم يغب عن مساعد وزير الخارجية المصرى السابق السفير علي حجازى الذى أشار إلى أن وجود بيرنز بهذه الصورة فى المفاوضات المباشرة مع الليبيين هو بحد ذاته نقلة نوعية فى العلاقات بين واشنطن وطرابلس خاصة أن المرحلة الأولى من الأزمة لم تنته إلا حين تدخلت مصر والمملكة السعودية للوساطة بين الجانبين لكن الوصول إلى اتفاق بين الجانبين فى اتصال مباشر يدشن لمرحلة جديدة لا يستبعد أن تنتهى بالتطبيع الكامل بين البلدين، وفى تقدير حجازى فإن هذا التطبيع ينبغى أن يشغل فكر القيادة الليبية التى تدرك مثل بقية الدول العربية مخاطر ما بعد الحرب المرتقبة.