الجمعة 11 محرم 1424 هـ الموافق 14 مارس 2003 عندما كان وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد يحاول التقليل من شأن التكاليف التي ستتحملها الولايات المتحدة في غزو العراق بالإشارة إلى أنها تبلغ نحو 50 مليار دولار لطمأنة الرأي العام الأميركي، على أن الاقتصاد الأميركي المضطرب والبطيء لن يتحمل الكثير، خرج لورنس ليندساي الذي شغل حتى ديسمبر الماضي، منصب كبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأميركي، بتقديرات أعلى كثيرا حيث أشار إلى أن تكلفة الحرب الأميركية ضد العراق ستتراوح بين 100 و200 مليار دولار. وكان ليندساي يشكل ما يمكن تسميته «نغمة نشاز» داخل الإدارة الأميركية بسبب صراحته غير المعهودة وعدم لجوئه إلى تزييف الحقائق، وكانت تصريحاته المتعلقة بالاقتصاد الأميركي وبالأهداف الأميركية الحقيقية المزمعة ضد العراق تشكل إحراجا حقيقيا للإدارة الأميركية. وكان ليندساي الذي أقيل في ديسمبر الماضي، بعد شهر من العديد من التصريحات التي لا تريدها الإدارة الأميركية، قد صرح أيضا أن الهدف الحقيقي للحملة الأميركية ضد العراق هو النفط العراقي، وهو ما أحرج الإدارة الأميركية التي تدعي أنها تهدف لنزع أسلحة العراق وإسقاط النظام العراقي لبناء نظام ديمقراطي، وهو إدعاء يتسم بالطرافة السوداء أكثر من الجدية، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، والإدارة الأميركية الراهنة تعمل بشكل مطرد ومنظم على تقويض الحريات المدنية في الولايات المتحدة، كما أن الرئيس الأميركي يجمع سلطات غير عادية على غرار حكام العالم الثالث، لدرجة أن زعيم الديمقراطيين في الكونغرس الأميركي، اعتبر أنه يجمع سلطات ديكتاتور، كما أن سلوك الإدارة الأميركية في مواجهة الدول المختلفة معها هو نموذج للعدوانية والانتقامية وروح التطرف التي تصل حد الفاشية والتي تثير الفزع فعليا من عودة نظام فاشي يملك قوة جبارة على غرار النظم الفاشية التي هددت أمن وسلام العالم خلال الحرب العالمية الثانية. وعلى أي حال فإن الخلاف بين تقديرات رامسفيلد ولورنس ليندساي بشأن ما ستتكلفه الولايات المتحدة لتمويل حملتها العدوانية ضد العراق، قد فتح النقاش حول تكلفة أي عدوان أميركي على العراق. ومع وصول الحشد العسكري الأميركي إلى الحد الذي يسمح للإدارة الأميركية بشن العدوان على العراق في الوقت الراهن، يتضح أن ليندساي كان هو الأقرب للدقة في تقدير تكلفة تلك الحرب وليس رامسفيلد الذي تبدو تقديراته بلا منطق أو عقل وتتسم بأنها موجهة لإقناع الرأي العام بانخفاض تكلفة الحرب من أجل إقناع المواطنين بتأييدها، فقد أبلغت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، البيت الأبيض بأن تكلفة ضرب العراق وإلحاق الهزيمة به واحتلاله لمدة ستة أشهر تبلغ نحو 85 مليار دولار. وهناك أنباء تشير إلى أن إدارة بوش الصغير طلبت من الكونغرس تخصيص 95 مليار دولار لمواجهة تكاليف الحرب. وهذه التكاليف يمكن أن ترتفع لأكثر من ذلك بكثير لأن الاحتلال الأميركي للعراق يحتاج حسب رئيس أركان القوات البرية الأميركية إلى 200ألف جندي بشكل دائم طوال فترة هذا الاحتلال. كذلك فإن الولايات المتحدة سيكون عليها أن تتحمل تكلفة تقديم منح ومساعدات للدول التي ستساعدها أو تقدم لها تسهيلات في الحرب ضد العراق. وقد جرت مساومة طويلة بين تركيا والولايات المتحدة بشأن ثمن مشاركة تركيا في الحرب عبر السماح للأميركيين باستخدام أراضيها لشن الهجوم جويا وبريا على العراق. ومع التمنع التركي هذه المرة فإن أنقرة تمكنت من رفع قيمة الصفقة التي تعرضها واشنطن عليها من 26 مليار دولار إلى 30 مليار دولار، منها 6 مليارات دولار منح حكومية أميركية، ونحو 24 مليار دولار ضمانات حكومية أميركية لقروض تحصل عليها أنقرة من المؤسسات المالية الأميركية، وهي قروض سوف تقوم الإدارة الأميركية بتسديدها بدلا من تركيا لو تعثرت الأخيرة في السداد، على غرار ما يحدث عندما تمنح الإدارة الأميركية ضمانات حكومية للقروض الاسرائيلية من المؤسسات المالية الأميركية. وإذا أضفنا تكاليف الصفقة التركية إلى التكلفة المباشرة للعدوان الأميركي المزمع ضد العراق فإن تكاليف الحرب تقع ضمن النطاق الذي حدده لورنس ليندساي فيما بين 100 و 200 مليار دولار. وإذا كانت الولايات المتحدة قد حملت حلفاءها بتكاليف الحرب ضد العراق عام 1991بل وحققت فائضاً في موازنة الحرب وخرجت رابحة ماليا على حساب حلفائها من تلك الحرب، فإن الأمر يختلف هذه المرة، لأن الحرب المزمعة ضد العراق هي حرب الإدارة الأميركية التي لا يوجد لها مبررات مقنعة لغالبية الأطراف الدولية وبالتحديد للدول التي شاركت في تمويل حرب عام 1991. وبالتالي سيكون على الولايات المتحدة أن تتحمل التكلفة الباهظة لهذه الحرب، في وقت تعاني فيه من وضع اقتصادي مضطرب ومن تباطؤ حقيقي ومن عجز قياسي في موازنيها الخارجية. وقد بلغ معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي الأميركي في الربع الأخير من عام 2002 نحو 7,0% فقط، وبلغ معدل البطالة نحو 7,5% في يناير الماضي، في حين بلغ العجز في ميزان الحساب الجاري الأميركي نحو 2,462 مليار دولار في العام المالي الأميركي المنتهي في أكتوبر الماضي، وعاد العجز في الموازنة العامة للدولة بقوة بحيث بلغ نحو 1,3% من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي عام 2002، بعد أن كانت إدارة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون قد نجحت في إنهاء ذلك العجز وحققت فائضا قياسيا تجاوز 171 مليار دولار عام 2000. أما أسعار الأسهم الأميركية المدرجة في مؤشرات داو جونز، وستاندارد أند بورز، وناسداك على التوالي، فإنها تقل في الوقت الراهن بنسبة 23%، 29%، 34% عن مستوياتها في نهاية عام 2001 بسبب الخسائر التي منيت بها الشركات بعد أحداث 11 سبتمبر ومجمل التداعيات اللاحقة لها، وأيضا بسبب انفجار فضائح الفساد في الشركات الأميركية الكبرى والتي هزت الثقة في أحد أهم آليات عمل النظام الرأسمالي في صيغته الراهنة القائمة على قيام المديرين التنفيذيين بإدارة الشركات لحساب حملة الأسهم تحت رقابة شركات المحاسبة التي تراقبهم لصالح حملة الأسهم، حيث فسد المديرين التنفيذيين وتواطأت معهم بعض شركات المحاسبة العملاقة. ومن الصعب تصور تحمل الاقتصاد الأميركي لتكلفة الحرب ضد العراق وهو في حالته الراهنة، وهو ما يطرح التساؤل حول الآلية الأميركية المحتملة لمواجهة تكاليف حملتها الاستعمارية ضد العراق. كميات نقد بناء على الخبرة الأميركية في تمويل مواجهة آثار أحداث 11 سبتمبر، فإنه من الممكن أن نتوقع أن تقوم الإدارة الأميركية باستغلال وضع الدولار كعملة احتياط دولية مهيمنة لإصدار أوراق نقدية أميركية بدون أي مبرر اقتصادي كما فعلت بعد أحداث 11 سبتمبر عندما أصدرت اكثر من 81 مليار دولار وحصلت مقابلها على سلع وخدمات من مختلف بلدان العالم، بحيث حملت العالم جزءا مهما من تكاليف مواجهة آثار ذلك الحدث. لكن الإصدار النقدي الأميركي هذه المرة قد يكون أكبر، وقد يثير الكثير من الاضطراب النقدي في العالم خاصة في ظل حالة الاقتصاد الأميركي التي أشرنا إليها آنفا، كما أن أي إصدار نقدي أميركي واسع النطاق بدون مبرر اقتصادي يمكن أن يؤثر سلبيا على حركة سعر صرف الدولار مقابل العملات الحرة الرئيسية، كما سيؤثر وهو الأهم على مكانته كعملة احتياط دولية رئيسية تهيمن على نحو 68% من سلة الاحتياطيات الدولية من العملات الحرة في العالم بأسره. والحقيقة أن الإجراء النقدي الأميركي الخاص بإصدار كميات كبيرة من النقد بدون مبرر اقتصادي من أجل تمويل الحرب، لن يكون وحده، بل إنه ليس العامل الأساسي في تعويض تكاليف العدوان الأميركي المزمع ضد العراق، حيث أن حسابات تعويض التكاليف الكبيرة التي ستتحملها الولايات المتحدة، لا تبتعد كثيرا عن العراق ذاته، بل هي مرتبطة بالعائد الاقتصادي الأميركي من احتلال هذا البلد النفطي العملاق الذي تبلغ احتياطياته النفطية المؤكدة، حسب ما يعلنه العراقيون، نحو 112 مليار برميل ويحتل المرتبة الثانية عالميا، بعد السعودية ويبلغ مرتين ونصف قدر احتياطيات منطقة بحر قزوين. وتشير بعض التقديرات الأميركية إلى أن الاحتياطي النفطي العراقي يتجاوز كثيرا الأرقام التي يعلنها العراق، حيث كان وزير الطاقة الأميركي الأسبق جون هارنغتون قد أعلن في عام 1987 أن العراق يعوم في الحقيقة على بحيرة من النفط وأن احتياطياته ربما تتجاوز الاحتياطي السعودي الضخم. ومن المؤكد أن الولايات المتحدة سوف تحاول، إذا نجحت في احتلال العراق، أن تنفذ مخططها بتوظيف احتياطي العراق من النفط من أجل إحداث انهيار في أسعار النفط واستعادة عصر النفط الرخيص كصورة للنهب الاستعماري للثروة الطبيعية العربية الرئيسية بما سيعوض الإدارة الأميركية والمجتمع الأميركي عن أي تكاليف للحرب ضد العراق كما تأمل الإدارة الأميركية. وكان العديد من المسئولين الأميركيين قد أعربوا عن أن سعر برميل النفط الذي تراه الولايات المتحدة عادلا يدور حول مستوى 15 دولاراً للبرميل. وإذا علمنا أن انخفاض سعر النفط بمقدار دولار واحد يؤدي إلى تخفيض المدفوعات عن الواردات النفطية الأميركية بمقدار 4 مليارات دولار في العام، فإن انخفاض سعر برميل النفط من مستواه الراهن الذي يتجاوز 30 دولاراً للبرميل إلى 15 دولار للبرميل سيعني ربحا أميركيا يبلغ 60 مليار دولار في العام، وهو ربح موزع بين الشركات الكبرى والإدارة الأميركية والجيش الأميركي والمواطنين الأميركيين أنفسهم. ووفقا لسيناريو النجاح الكامل للعدوان الأميركي على العراق فإن الولايات المتحدة يمكن أن تعوض كل تكلفة الحرب خلال عامين من تخفيض أسعار النفط إلى مستوى 15 دولاراً للبرميل. كما يمكنها استغلال انخفاض أسعار النفط من أجل تخزين كميات هائلة من النفط تتجاوز الاحتياطي الاستراتيجي الذي يبلغ نحو 600 مليون برميل، إلى إعادة بناء الاحتياطي النفطي الأميركي من خلال حقن الآبار بصورة تطيل العمر الافتراضي لهذا الاحتياطي بصورة مؤثرة. وتجدر الإشارة إلى أن حجم الاحتياطيات النفطية الأميركية يبلغ نحو 21 مليار برميل، في حين يبلغ حجم الإنتاج نحو 6 ملايين برميل يوميا، وهو معدل للإنتاج يجعل الاحتياطيات الأميركية تنفذ تماما خلال ما يقل عن عشر سنوات. ويبلغ حجم الواردات النفطية الصافية للولايات المتحدة (وارداتها من النفط مخصوما منها صادراتها من منتجاته)، نحو 8,10ملايين برميل يوميا في المتوسط في عام 2001. وكانت قيمة الواردات النفطية الأميركية من النفط قد ارتفعت من 3,50 مليار دولار في عام 1998 في ظل سعر بلغ 3,12 دولار للبرميل في المتوسط، إلى 2,67 مليار دولار في عام 1999 في ظل سعر بلغ 5,17دولاراً للبرميل في المتوسط، ثم ارتفعت تلك المدفوعات إلى 3,119 مليارات دولار عام 2000 عندما ارتفع سعر برميل النفط في المتوسط إلى 6,27 دولارات، ثم تراجعت هذه المدفوعات إلى نحو 86 مليار دولار عام 2001 بسبب الانخفاض الكبير في أسعار النفط بعد أحداث 11 سبتمبر . أي أن الزيادة في قيمة الواردات الأميركية من النفط في مجموع عامي 1999، 2000، 2001 بلغت 6,121 مليار دولار عما كان يمكن أن تدفعه لو استمرت أسعار النفط ومدفوعات الولايات المتحدة عن وارداتها منه عند مستوياتها عام 1998. كما تراهن الإدارة الأميركية على أن عمليات إعادة إعمار العراق بعد الحرب سوف تفتح سوقا هائلة للعمل لشركاتها بما ينعش الاقتصاد الأميركي، خاصة وأنها من المرجح أن تعمل على احتكار عقود إعادة الإعمار وعقود تطوير وتوسيع عمليات استخراج النفط العراقي بعد الحرب على غرار ما فعلته في الكويت بعد حرب الخليج الثانية. لكن من الضروري الإشارة إلى أن سيناريو النجاح الكامل والمستمر للمخطط الأميركي إزاء العراق قد لا يتحقق في الواقع، أو هو على الأرجح لن يتحقق لأن في العراق شعب كبير لن يقبل الاحتلال الأميركي وسوف يفعل كل شيء في مواجهته، بما يرجح أن تحدث اضطرابات كبيرة في العراق حتى إذا تم إسقاط النظام الحالي، بما يؤدي إلى اضطراب إنتاج وتصدير النفط ويؤدي بالتالي إلى تعطيل التوظيف الأميركي لاحتياطيات العراق النفطية من أجل تخفيض أسعار النفط، وبالتالي تفقد واشنطن السيطرة على الآلية الرئيسية لتعويض التكلفة التي ستتحملها في غزو العراق. بترتيب مع وكالة «الاهرام» للصحافة