الثلاثاء 1 محرم 1424 هـ الموافق 4 مارس 2003 دعا جاك شيراك الرئيس الفرنسي إلى مصالحة شاملة بين الجزائر وفرنسا وإقامة علاقات ثقة وصداقة وتعاون متينة و مميزة في جميع المجالات، و«بناء شراكة فريدة بين البلدين». داعيا العراق الى ابداء المزيد من التعاون مع مفتشي الامم المتحدة، مجددا في الوقت نفسه رفض بلاده للحرب. وقال شيراك في خطاب مطول دام أربعين دقيقة ألقاه أمس بقصر المؤتمرات في العاصمة الجزائرية وحضره عبد العزيز بوتفليقة الرئيس الجزائري ونواب البرلمان والطاقم الحكومي و أعضاء السلك الديبلوماسي المعتمد بالجزائر ومئات من ممثلي وسائل الاعلام المحلية والدولية، « إن الوقت قد حان لتحالف جزائري ـ فرنسي جديد» و وصف اللحظات التي يقف فيها مخاطبا الجزائريين على أرضهم بالتاريخية. وقال « أي إحساس يتملكني وأنا أرى اليوم أعضاء البرلمان الجزائري يستقبلونني في قصر الأمم على مسافة كيلومترات قليلة من خليج سيدي فرج المكان الذي بدأ منه التواجد الفرنسي بالجزائر قبل 173 عاما. وأي دليل على إرادتنا لنتحمل سويا ماضينا المشترك». كانت بداية حديثه هكذا ـ كما كان متوقعا عن التاريخ الذي وحد البلدين بقدر ما فرقهما وتناول حقبة الاحتلال الفرنسي للجزائر بشجاعة نادرة تحدث عن مآسيها وآلامها وما خلفته في النفوس وعن حرب دامية» أحيانا لا تغتفر»، فقال «كان زمن الاحتلال عام 1930 وملحمة مقاومة الأمير عبد القادر فالاستعمار والاستيطان، وكان التمرد والقمع والمواعيد المخفقة والحوارات المجهضة وعدم الفهم المتبادل. ثم كانت مأساة تلك الحرب التي لم تكشف لمدة طويلة عن هويتها، كانت دامية وأحيانا لا تغتفر بمواكب الدمار والآلام وبضحاياها التي لا تحصى وبعائلاتها الممزقة بمصائرها وأحلامها المتكسرة وبنزوح مؤلم لمجموعة بشرية تجاوزت المليون» وذكر الرئيس الفرنسي بأن تاريخ البلدين ظل مشتركا مدة 132 عاما، وذكّر بأن أبناء الجزائر شاركوا في الحربين العالميتين الأولى والثانية للدفاع عن فرنسا وتحقيق انتصارها وانتصار الحلفاء والعالم الحر و أكد بأن «جيش افريقيا الذي يشكل الجزائريون نسبة عالية منه كان له الدور الحاسم في دحر المحور النازي ـ الفاشي في معارك إيطاليا. واعترف الرئيس الفرنسي بأن هذا الماضي معقد وما زال موجعا وقال يجب علينا أن لا ننساه ولا نتنكر له وقال جاك شيراك إن واحدا من كل ستة فرنسيين يعيش صلة رحمية مع الجزائر إن كان منحدرا قبل الاستقلال أو بعده، انهم ملايين الأشخاص من أجيال متعاقبة هم فرنسيون ولكنهم يحتفظون بجذورهم الجزائرية. وذكر أيضا بانتماء الجزائر الطبيعي للمجموعة الفرنكفونية . وبعد أن عرج على أهم المحطات التاريخية وأهميتها بحلوها ومرها في تجسيد التقارب بين البلدين والشعبين استعرض شيراك تطور العلاقات فقال إن فرنسا غدت الشريك الأول للجزائر سواء في الاستيراد أو التصدير وارتقت المبادلات اليوم الى ضعف ما كانت عليه عام 1999. وأكد أن بلاده تريد مواصلة مساهمتها القوية في مجهود تنويع الاقتصاد الجزائري وفي انشاء الوظائف وتأهيل العمال. وعبر عن استعداد فرنسا للمساهمة في تطوير البنى التحتية للاقتصاد الجزائري عبر الاستثمارات الخاصة وكذا في مواجهة التحديات الكبرى ذات العلاقة بالجانب الاجتماعي للجزائريين مثل تحديات المياه والسكن والمواصلات وهي قطاعات سجلت فيها الجزائر تأخرا كبيرا وغدت أزمة مزمنة. وقال شيراك «إن المؤسسات الفرنسية مستعدة من الآن لمضاعفة تواجدها والتزاماتها حيال الجزائر. وفرنسا ستظل المحامي الأفضل لكم أمام المؤسسات المالية الدولية والاتحاد الاوروبي من أجل مرافقة مثلى لمشاريعكم» وأكد أن بلاده تثق بمستقبل الجزائر بدليل أنها حولت ديونها الى استثمارات في شتى المجالات. و فيما يتعلق بالجانب البشري أي تنقل الأشخاص بين البلدين وهي نقطة كانت مثار خلاف منذ سنوات أكد شيراك أن الجزائريين هم في مقدمة من يحصلون على تأشيرات الدخول الى فرنسا وأن الجهود في هذا المجال ستتكثف بإعادة فتح كامل المكاتب القنصلية التي أغلقت في سنوات الجحيم الإرهابي. وعرج شيراك الى الحديث عن الازمة العراقية مجددا رفض بلاده الحرب التي تحضر الولايات المتحدة لشنها على العراق. وقال إن فرنسا لا تسعى الا نحو تحقيق هدف واحد هو نزع سلاح العراق طبقا لإرادة المجتمع الدولي كما عبر عنها بالإجماع مجلس الأمن» وعبر عن يقينه بأنه من الممكن تحقيق هذا الهدف بالطرق السلمية. وقال إن الحرب هي دائما دليل فشل ومأساة. وهي في كل الأحوال أسوأ الحلول. وأضاف «إن الشرق الأوسط ليس بحاجة اليوم لنزاع جديد ينتج عنه ما لا يمكن حسبانه» وقال الرئيس الفرنسي، إننا نقدر ثمن الدم ونتصور النتائج الكارثية التي تترتب عنها والخراب الذي تخلفه حرب جديدة في منطقة مدمّاة وهشة.وجدد موقف فرنسا القاضي بضرورة إعطاء كامل الفرص الممكنة لنزع السلاح سلميا وتمكين المفتشين من العمل بكل فعالية مع إعطائهم الوسائل كلها التي نص عليها القرار 1441 الصادر عن مجلس الأمن، وكذا الوقت الضروري لنجاح مهمتهم. وطالب شيراك العراق بالتعاون بشكل أكثر، و قال إن إزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية مسئوليتنا أمام التاريخ». الجزائر ـ مراد الطرابلسي: