الاثنين 30 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 3 مارس 2003 قبيل انعقاد القمة العربية بساعات قليلة عقد وزراء الخارجية العرب واعضاء لجنة الثمانية العديد من الاجتماعات التى استهدفت التوصل الى صيغة مقبولة تعرض على قمة شرم الشيخ. ونستطيع القول هنا ان قضيتين اساسيتين سيطرتا على الاجتماعات والمشاورات الجانبية هما: 1ـ قضية التسهيلات: وهنا يمكن القول ان كلا من ليبيا وسوريا والعراق واليمن والمغرب والجزائر كانت ترى أن يكون القرار فى هذا الشأن واضحا بألا تقدم أية دولة عربية أية تسهيلات من أى نوع للولايات المتحدة وأن يتم اغلاق جميع أراضى الدول العربية أمام المعدات أو الجنود الأميركيين للانطلاق ضد العراق. البعض تشدد ورأى ان القواعد العسكرية الاميركية فى بعض الدول يجب الا تعمل نهائيا فى غرض الحرب ضد العراق وان تسرع الدول العربية فى بناء اتفاقيات امنية جديدة اذا رأت هى ذلك بان تستخدم هذه القواعد الاميركية فى اعمال لا تكون ضد اى دولة عربية. السعودية رأت ان هذه الصيغة ستنسف القمة لان هناك العديد من الدول العربية لديها التزامات حقيقية لا يمكن اغفالها وان هناك اتفاقات دولية ترتب اثارها وان ذلك الموقف سيجعل العديد من الدول العربية ينسحب من اعمال القمة احتجاجا عليه. الكويت رأت ان هذه الصيغة لا تشكل اى التزام عربى لانه اذا كان التزاما عربيا تجاه الشعب العراقى فان هذا الالتزام يجب ان يكون بذات القدر تجاه الشعب الكويتي، ورات الكويت ان بعض اصدقائها الدوليين مثل الولايات المتحدة لعبوا ومازالوا دورا بارزا فى حماية امنها وانه اذا تمت حماية نظام صدام فى الوقت الراهن، فمن الذى يحمى نظام الكويت من صدام غدا؟ واكدت الكويت فى المشاورات انها حريصة على الشعب العراقى، ولكن لايمكن ان تكون حريصة على نظام صدام لان الاوضاع باتت تشكل خطرا حقيقيا على امن الكويت. قطر ايضا رفضت الصيغة الاولى فيما رأت مصر اقتراح صيغة جديدة حول عدم مشاركة الدول العربية فى أية اعمال عسكرية ضد العراق وان يكون هذا المبدأ ثابتا. السعودية ايدت هذا التوجه وسوريا اعتبرته حدا ادنى من التوافق الذى يجب ان يسود فى القمة العربية وانها تفضل ان يكون هناك قرار جريء وصريح يتضمن عدة التزامات : اولها: عدم الموافقة على منح أية تسهيلات عسكرية من اى نوع من المعدات والقوات الاميركية فى الهجوم على اراضى العرق. ثانيها : عدم استقبال أية دول عربية لمعدات او قوات اميركية تستعد للهجوم على الاراضى العراقية. ثالثها: عدم المشاركة فى أي عمل عسكرى ضد العراق. ليبيا رأت احياء اتفاقيتي الدفاع العربى المشترك وان تكون هناك قرارات واضحة من القمة العربية فى احياء هذه الاتفاقية فى حال قيام الولايات المتحدة بأى اعمال عسكرية ضد العراق الا ان هاتين الصيغتين تم رفضهما واعتبارهما غير عمليتين فى تدارك ابعاد الموقف الراهن. وتم الاتفاق مبدئيا على ان تكون الصيغة قاصرة على رفض مشاركة الدول العربية فى الاعمال العسكرية التى تهدد أمن وأراضى الدول العربية بما فيها العراق. الكويت رأت ان موضوع التهديدات العسكرية الاميركية للعراق يجب ان يقترن باستمرار التهديدات العراقية للاراضى الكويتية، وعلى الرغم من ان العديد من الدول العربية حاولت اثناء الوفد الكويتى عن ذلك لانه فى الوقت الراهن لا توجد أية تهديدات فعلية للاراضى الكويتية الا ان الكويت صممت على موقفها. ازاء ذلك عادت كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن والسودان وليبيا وطالبوا فى مذكرة مشتركة بضرورة ان ينص القرار على تقديم اية تسهيلات عسكرية الا ان مصر حاولت اقناع هذه الدول بالتراجع عن هذه الفكرة والاتفاق على الصيغة المصرية ـ السعودية الاولى بعدم المشاركة فى الحرب ضد العراق. قضية ارسال وفد لبغداد شكلت قضية ارسال وفد الى بغداد جانبا هاما من المشاورات بهدف حث القيادة العراقية على التعاون الكامل مع المفتشين الدوليين وتنفيذ قرار مجلس الامن «1441» وان يكون وفد القمة مخولا باجراء أية اتصالات اخرى وبحث اية مسائل مع القيادة العراقية. الا ان العراق رفض تماما هذه الصيغة واعتبر ان ذلك يعنى ان العراق متهم بعدم التعاون مع المفتشين الدوليين، وأن الرئيس صدام حسين سيرفض أي وفد عربى يحمل له مطالب جديدة يقوم على تنفيذها. كان الوفد العراقى قد سلم رؤساء وملوك الدول العربية رؤساء الوفود رسالة من صدام عبر فيها عن تمنياته بأن تنجح الامة العربية فى مواجهة قوى الشر والطغيان وان ينجح قادة الامة فى دحر العدوان عن اشقائهم من ابناء الشعب العراقى واكد على قومية كل الزعماء العرب وانهم يضعون مصالح أمتهم نصب اعينهم. وقال صدام حسين انه لا يريد من قادة الدول العربية ابراز الدعم العسكرى للعراق او الدعم المادى ولكن يكفى العراق وشعبه ابراز التضامن السياسى وان يقفوا جميعا فى خندق واحد مع الشعب العراقى ضد قوى الشر والطغيان. واكد صدام حسين فى رسالته انه لتجنيب الامة العربية هذه اللحظات المصيرية قبل بالكثير من اعمال المفتشين الدوليين وانه نفذها جميعا دون تسويف او مماطلة بل ان العراق قبل بتدمير صواريخه من اجل تجنيب المنطقة العربية الحرج فى الدفاع عن القيادة العراقية. وكانت رسالة صدام المطولة قد اشارت الى المراحل السابقة من عمل المفتشين الدوليين والخطوات التى اتخذها العراق فى سبيل التعاون مع كل القوى الدولية واكدت رسالة صدام اهمية ان يتعاون مجلس الامن مع العراق بالموضوعية والحياد اللازم. انقسام واضح كان هناك انقسام واضح خلال المشاورات تجاه احدى الفقرات رأت بعض الدول الخليجية مثل «الكويت» اضافتها للبيان الختامى والتى كانت تطالب بالنص على ان ««يتحمل الرئيس العراقى النتائج الخطيرة والتداعيات غير المسبوقة فى تهديد امن وسلامة العراق اذا لم يقبل بالتعاون مع فرق التفتيش الدولية ورأت بعض الدول ان اضافة هذا الاقتراح تعنى انه اذا نجح فريق التفتيش الدولى فى نزع الاسلحة العراقية فان الدول العربية تطالب بتطبيق هذا النموذج ايضا على اسرائيل وان تكون هناك فرق للتفتيش الدولى معنية بنزع اسلحة الدمارالشامل الاسرائيلية غير ان وفود كل من العراق وليبيا وسوريا والسودان واليمن والى حد ما مصر رفضت هذه الصيغة باعتبارها تشكل انذارا صريحا وواضحا للرئيس العراقى بانها تعبر عن توجه اميركي واضح وان الشعوب العربية ستتأكد وقتها ان الدول العربية انما تنفذ الاملاءات الاميركية المطلوبة من القمة. وفى هذا السياق دخل وزير الخارجية العراقى فى مشادة حامية مع بعض وزراء الدول الخليجية قائلا لهم اذا اردتم ان تحملوا الرئيس مسئولية عدم التعاون مع المفتشين الدوليين أليس من الخزى والعار ان تقولوا ذلك وانتم أول ناس تعلمون ان الرئيس والحكومة نفذوا كل التعهدات وكل ما طلبته لجان التفتيش اليس من الخزى والعار ان يصدر البيان على هذا النحو، وبه هذه العبارة فى الوقت الذى اعترفت فيه تقارير المفتشين انفسهم بان العراق يتعاون ايجابيا مع الامم المتحدة. ارجو ان تكونوا منصفين للحقيقة لا نريدكم ان تتضامنوا مع العراق ولكن كونوا حياديين على الاقل. وقد ادى حديث الوزير العراقى الى اصرارالوفد الكويتى على ادراج بند الحالة بين العراق والكويت وفق مقررات قمة بيروت الا ان الوفد العراقى عاد واعترض على الطلب الكويتى معتبرا ذلك بمثابة تهرب من الالتزام والمسئولية العربية تجاه الوضع الامنى والعسكرى والسياسى المحيط بالعراق. وقد فشلت كل المحاولات التى جرت لرأب الصدع ان الكويت تمكنت من ضم اصوات بعض الدول الخليجية التى رأت ان مطلب الكويت شرعى باعتبار ان القمة عادية وان هذه القمة يجب ان تتابع القرارات السابق اصدارها فى قمة بيروت وانه من ضمن هذه القرارات ما يتعلق بالحالة بين العراق والكويت وانه لو كانت قمة طارئة لما كان هناك مبرر للكويت فى هذا البند الا ان الوفد العراقى صمم على موقفه وهدد بالانسحاب من اعمال القمة اذا تم ادراج بند الحالة بين العراق والكويت والذى لم تحدث به أية تداعيات او تطورات جديدة. وبعد ان استعرت الخلافات تدخلت كل من مصر والسعودية وكذلك ليبيا ودول اخرى ليشتمل البند على المطلبين العراقى والكويتى معا. وقد وافق العراق على ذلك بعد تدخل الرئيس العراقى هاتفيا وابلاغه لوفده المشارك ببذل كل الجهد الممكن لانجاح اعمال القمة والا يدخلوا فى تراشقات مع الوفد الكويتى معربا عن ادراكه لسوء نية بعض الدول التى تشارك فى القمة والتى جاءت لتنفيذ مخططات تآمرية لافشال مسعى العرب فى ان يكون لهم رأى موحد تجاه منع ضرب العراق. من جانب آخر خيمت الحالة المأساوية على قمة شرم الشيخ العربية حيث جاءت الخلافات انعكاسا للأزمة التى شهدها مؤتمر وزراء الخارجية العرب منذ السادس عشر من الشهر الماضى حين انقسم وزراء الخارجية العرب لدى اجتماعهم الطارئ بالقاهرة على انفسهم وفشلوا فى تبنى موقف موحد ازاء البيان الختامى الذى صدر عن اجتماعهم والذى جاء حاملا فى طياته الغاما كان الجميع يتوقعون انفجارها فى شرم الشيخ بعد ان ادت تبعاته الى الغاء القمة الاستثنائية التى دعت اليها مصر والالتئام بشق الانفس حول قمة عادية عقدت وسط اجواء مضطربة من الخلافات التى عبرت عن نفسها فى تصريحات عربية ـ عربية تحولت فى المنتجع المصرى الساحلى الى قنابل موقوتة تكشف جانب منها فى التراشق الحاد بين العقيد الليبى معمر القذافى وولى العهد السعودى الامير عبد الله بن عبد العزيز. وقبيل ساعات من انعقاد القمة صباح السبت كانت جلسة تشاورية بين القادة جرت على عشاء عمل مساء الجمعة قد شهدت انقساما حادا حول العديد من القضايا فى مقدمتها قضية تنحى الرئيس العراقي صدام حسين عن السلطة التى اقتحمت اجواء المؤتمر بشكل مفاجئ برغم نفي الاطراف الرئيسية فى القمة وضعها على جدول اعمال الزعماء، غير انه ووفقا للمعلومات فقد نقل سفراء الولايات المتحدة الاميركية ببعض العواصم العربية اقتراحا عاجلا سبق القمة دعوا فيه الى العمل على اقناع صدام حسين بالتنحى معتبرين ذلك الحل الوحيد لتفادى خيار الحرب. الاقتراح الاميركي كان محور مشاورات مكثفة فى الليلة السابقة على القمة شاركت فيها كل من مصر وليبيا وسوريا واليمن والسعودية حيث قوبل الاقتراح بالرفض من بعض الاطراف التى رأت ان القمة غير مخولة ببحث الامر فيما اقترحت ليبيا بالمقابل الدعوة لانتخابات جديدة يعبر فيها الشعب العراقى عن موقفه من استمرار صدام من عدمه. اما مصر فقد رأت ان الانتخابات او غيرها مسألة داخلية تخص العراقيين وحدهم فيما رأت دول اخرى اهمية القبول بأفكار عملية عبر طرح الفكرة بصيغة غير رسمية دون تضمينها البيان الختامى على ان يتم الاتفاق على وفد عربى يتوجه للعراق للقاء صدام يبحث معه فى امكانية انقاذ الشعب العراقى من خلال تنحيه بشكل لائق دون المساس بكرامته والوفد العراقى الذى فاجأته هذه الافكار عبر عن امتعاضه رافضا الفكرة من الاساس، وقضية تنحية الرئيس العراقى لم تكن الا واحدة من المشكلات التى تفجرت قبل ساعات من التئام شرم الشيخ، فقد شكلت قضية القرار الخاص بمنع الحرب على العراق محور نقاشات ساخنة، حيث رأت كل من سوريا وليبيا والجزائر واطراف اخرى ان القرار الصادر عن القمة بشأن منع الحرب على العراق يجب ان يكون واضحا لا لبس فيه فيما رأى اخرون ان قرار منع الحرب يجب ان يكون مشروطا بالوسائل الاخرى حتى يكون واقعيا، الصيغة الاولى التى طرحت للقرار رأت عدم لجوء الولايات المتحدة والدول المساندة لها باستخدام القوة العسكرية ضد العراق وانه ايا كانت الخلافات مع العراق فان مجلس الامن هو المنوط بادارة الازمة من خلال الوسائل السلمية وفقا لاحكام ميثاق الامم المتحدة غير ان وجهة النظر الثانية رأت ان صيغة القرار على النحو السابق لا تتضمن اى اشارة الى تعاون العراق مع المفتشين الدوليين وان مثل هذا الموقف قد يزيد من تعقيدات الأزمة وان القوى الدولية قد تنظر الى الدول العربية على انها تؤيد اسلحة الدمار الشامل العراقية. وعلى ضوء الخلافات الحادة فى وجهات النظر حاولت دول اخرى وفى مقدمتها مصر الخروج من دائرة الخلاف عبر النص على حل الازمة من خلال مجلس الامن الذى يجب ان يكون دوره رئيسيا فى التوصل لحل سلمى يجنب المنطقة ويلات حرب باتت وشيكة. وهكذا مضت القمة فى جلستها العلنية بكلمات رؤساء الوفود بينما ترددت معلومات حول مبادرة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والتى تطالب بتنحى الرئيس صدام حسين مقابل ضمانات محددة مع وضع العراق تحت وصاية الجامعة العربية وقد جرى التكتم على المبادرة واجراء الاتصالات مع الاطراف المعنية لانهاء الموقف ثم سرعان ما انفجر الموقف بالتراشق الكلامى الذى جرى بين العقيد معمرالقذافى والامير عبد الله بن عبد العزيز والذى كاد يهدد بانسحاب الوفد السعودى من القمة لولا تدخل الرئيس مبارك والعديد من القيادات العربية الاخرى مما افضى الى العودة والاسراع باعلان البيان الختامى والذى لم يحقق امنيات الشارع العربى بما يحول دون منع الحرب. وهكذا انتهت اعمال القمة بينما ان الكل بات الآن فى انتظار تفعيل نتائجها ولكن السؤال فى اى اتجاه؟. شرم الشيخ ـ مصطفى بكري: