الاحد 29 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 مارس 2003 أكدت كوندوليزا رايس مستشارة الرئيس الاميركي لشئون الأمن القومي اصرار الولايات المتحدة على المضي قدما في نزع اسلحة الدمار الشامل الموجودة لدى العراق، واكدت على رفض واشنطن لاهدار الوقت سواء من جانب القيادة العراقية او من حلفاء اميركا الغربيين الذين لا يتفقون معها في الرأي حول سبل معالجة الازمة العراقية. وقالت رايس في مقابلة اجرتها معها صحيفة «لوس انغلوس تايمز» ان الولايات المتحدة تعد العراقيين بمستقبل افضل وبتحسين فوري لوضعهم في مرحلة مابعد النظام الحالي وفي مايلي نص المقابلة: ـ التقت بكم انجيلا ميركل، زعيمة المعارضة في المانيا، وتلقت معاملة بالغة الكياسة من جانب الادارة الاميركية وتمت الاشارة الى فرنسا باعتبارها دولة «غير صديقة» فما هو الشعور السائد هذه الايام داخل البيت الابيض حيال القادة الفرنسيين والالمان الحاليين والاعتمادية الخاصة بـ «اوروبا القديمة»؟ ـ اننا قلقون من ان النقاش في الامم المتحدة قد سمح له بأن يتحول الى نقاش حول التأجيل ومنح المزيد من الوقت، ويبدو ان النقاش يدور حول «كبح» جهود الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى واسبانيا بدلا من ان يدور حول ردع صدام حسين. لقد مررنا بهذه التجربة من قبل، ففي التسعينيات استطاع صدام ان يقسم مجلس الامن وان يمارس المراوغة والخداع، والآن، وعلى نحو مفاجيء، يبدو ان هناك دعما كبيرا للقرار 1284 الذي صدر في عام 1999، والذي كان يفترض ان يعيد المفتشين الى العراق، ولكن فرنسا امتنعت عن التصويت عليه في حينه! اننا نتوقع تماما ان يبدأ صدام في الاسبوع الجاري او قريبا من ذلك بعمل ما دأب على القيام به على الدوام: قليل من التقدم هنا وقليل من التعاون هناك، وسيقوم بتدمير هذا الصاروخ، ويجد هذه القنبلة او تلك التي لم يستطع العثور عليها قبل بضعة اسابيع عندما كان يفترض به ان يعلن عنها، وسيمارس كل الألاعيب التي بجعبته من أجل كسب الوقت. وان اولئك الذين يسمحون له بكسب الوقت انما يعطلون القرار المهم الذي يتعين على مجلس الامن اتخاذه لكي يؤكد، مرة واحدة والى الابد، انه قوة فاعلة من اجل السلام، وعلينا ان نجرد صدام من اسلحة الدمار الشامل لانه بنفسه قرر انه لن يفعل ذلك طوعاً. ـ ان هذه الازمة العابرة للاطلسي ليست بالحادث الاعتيادي المؤسف في العقود الاخيرة، اليست اشد خطورة من ناحية نوعية؟ ـ انه امر مؤسف حقا، اذا حظينا بفرصة لحل سلمي حقيقي لهذه الازمة، فانها ستكون من خلال الوحدة في مجلس الأمن لجعل صدام حسين القضية الجوهرية، وللأسف اكتشف ان بامكانه ان يثير اعضاء مجلس الامن ضد بعضهم البعض. وبين الفينة والاخرى، نحتاج الى العودة بذاكرتنا لكي نعرف ما الذي جعل العلاقة عبر الاطلسي قوية: ان هذا الشيء هو التزام لا بالأمن فحسب وانما بالقيم ايضا، واهم قيمة هي ان الناس لديهم الحق بالعيش بحرية وليس في ظل الاستبداد، والشعب العراقي يستحق التمتع بهذا الحق كأي اوروبي او اميركي. ـ اذن الضرر الذي وقع للتحالف عبر الاطلسي يمكن اصلاحه؟ ـ آمل ذلك بالتأكيد، ولكنه سيحتاج الى بعض الجهد. ـ ربما حان الوقت لنقل التركيز من الجدل حول عمليات التفتيش وحتى الى ما بعد الحرب نفسها الى العراق ما بعد صدام، فما هو تصوركم الأشمل للعراق؟ ـ اذا اضطررنا لاستخدام القوة، فان العالم سيرى ولايات متحدة ـ وتحالفنا كما نعتقد ـ تكرس جهدها اولا وقبل كل شيء للتحسين الفوري لحياة الشعب العراقي، واول من سيستفيد في عالم ما بعد صدام هم العراقيون انفسهم. فهذا شعب متعلم، وقادر تماما على السير على طريق التطور الديمقراطي وستكون الولايات المتحدة هناك لتدعمه في تنفيذ ذلك. وفي الاعقاب المباشرة لأية اعمال حربية، فان اكثر ما يهمنا هو ان الاحتياجات الانسانية تلقى الاهتمام اللازم، ونحن نعمل مع جميع انواع المنظمات غير الحكومية ووكالات الاغاثة الرسمية من اجل التحضير المسبق للمساعدات الانسانية والامدادات الغذائية ولقد قمنا بالفعل بتوفير عشرات الملايين من الدولارات لهذا الغرض. وسنكرس جهودنا ايضا من اجل اعادة تشغيل المباني الادارية للحكومة العراقية لكي يتمكن الشعب العراقي من اخذ زمام الامور فيما يتعلق بحياته. ان معظم المواطنين العراقيين سيكون لهم مستقبل هائل في عراق ما بعد صدام، وبالطبع، فان اعضاء الحلقة الداخلية حول صدام حسين لا يملكون اي مستقبل، ولكن معظم العراقيين سيستعيدون بلادهم. ونأمل بأنه اذا ما استخدمنا القوة العسكرية وبدأنا الزحف نحو عراق ما بعد صدام، فان العراقيين ممن هم خارج نطاق حلقة صدام الداخلية سيفهمون ان مستقبلهم لا يمكن مع صدام ونظامه، ونأمل بأن لا ينفذوا الاوامر باستخدام اسلحة الدمار الشامل او حرق إرث العراق بنفس الطريقة التي حرقت بها حقول النفط الكويتية. وبالمفهوم الواسع، فان عراقا منزوعاً من اسلحة الدمار الشامل، ومحتفظا بسلامة اراضيه، وحيث يكون هناك طريق للتطور الديمقراطي سيكون عاملا ايجابيا هائلا للمنطقة ككل، منطقة بدأت تسمع اصواتا قوية جدا من البحرين الى المغرب تطالب بالاصلاح السياسي والاقتصادي وفي الواقع ان العرب انفسهم يتحدثون الان عن «ميثاق عربي» لهذه الاصلاحات. وعلى نحول لا يقل اهمية، وفي ظل غياب احد اكبر التهديدات للمنطقة واحد اكبر الداعمين للارهاب عن الساحة فانه ستمنح قوة دفع كبيرة لفرصة السلام في الشرق الاوسط، وسيكون الشعب الفلسطيني قادرا على السعي بفاعلية اكبر نحو تحقيق حلمه بدولة ديمقراطية. ـ هل هذه «معركة من اجل عالم اسلامي» التي من شأنها ان تغير الشرق الاوسط؟ ـ هذه تسمية خاطئة، فلا احد يخوض حربا من اجل عالم اسلامي، وما نفهمه هو ان هناك اصواتا قوية تطالب بما نؤمن به: وهو ان الحقوق في تقرير مستقبلك، والعيش بدون خوف من حكومة استبدادية، وان تكون قادرا على تعليم ابنائك ـ اولادا وبنات ـ هي متطلبات للكرامة الانسانية غير قابلة للتفاوض، وهذه قيم عالمية، ونحن نريد ان نساعد على بروز تلك الاصوات وتقويتها. ـ اليست هذه الموجة من التغيير الديمقراطي قابلة ايضا لاجتياح حلفاء اميركا غير الديمقراطيين في المنطقة مثل السعودية ومصر؟ ـ هنالك اشخاص يقدرون الاصلاح في كل بلد في المنطقة تقريبا، وكما ذكرت، فان ولي العهد السعودي كان يتحدث عن «ميثاق عربي» للاصلاح الاقتصادي والسياسي. وهذا شيء لا يبعث على الخوف في المنطقة، وانما هو شيء ينبغي طلبه، فالمنطقة كلها، الغنية جدا بالموارد الاقتصادية والبشرية، ظلت متخلفة بفعل سنوات من الكراهية والصراع، لقد حان الوقت لان يصبح الشرق الاوسط المنطقة النابضة بالنشاط والازدهار التي يمكن ان يكونها. ـكنتم احد اللاعبين في السياسة الاميركية التي قادت الى انهيار الامبراطورية السوفييتية وجلبت الديمقراطية لاوروبا الشرقية، هل ترون ان الحملة الحالية كعملية تاريخية مشابهة من توسيع الديمقراطية؟ ـ نعم، انني اراها كاستمرار لعمليات تاريخية تؤكد عبر العالم ان الناس يريدون ان يكون لهم رأي في حياتهم، فالديمقراطية والتحرير الاقتصادي هما مسألتان مرغوبتان من قبل الجميع. وانه لمن المثير انك جئت على ذكر اوروبا الشرقية، وذلك بالطبع لان الاوروبيين الشرقيين ـ اولئك الذين تحرروا حديثا من الاستبداد ـ كانوا من اقوى المؤيدين لمحاولة تهيئة الظروف لايصال الحرية لشعب العراق. وفي جميع المناقشات حول تهديد صدام حسين وهناك بالفعل تهديد كبير بأسلحة الدمار الشامل والصلات بالارهاب، ومن المهم عدم اغفال ما يجري للشعب العراقي، وانا اعتقد حقا ان احد الاسباب التي جعلتنا نحصل على مثل هذا التأييد القوي من دول البلطيق، من بولندا والمجر ورومانيا وبلغاريا، هو انهم يعرفون الشعور بالحرمان من الحرية. ـ لقد اتخذت الولايات المتحدة قرارا بتشكيل «ادارة انتقالية يرأسها اميركي» لحكم العراق بعد الحرب بدلا من حكومة مؤقتة من العراقيين. ـ كان قد اخبرني الشريف علي بن الحسين، وهو عضو في المؤتمر الوطني العراقي يرأس العائلة الملكية في المنفى قائلا: ان الاحتلال من قبل الولايات المتحدة هو امر غير مضمون وغير حكيم، فحالما يزول صدام واسلحته، فان الجيش لن يشكل تهديدا، والسكان العراقيون ليسوا بحاجة «لازالة الصفة النازية عنهم» والعراق ليست المانيا او اليابان، وانما هي فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، بلد جرى تحريره، وفي الواقع ان فكرة الاحتلال هذه غير مستحسنة، فهي في لحظة واحدة من شأنها ان تحول الاميركيين من محررين الى قوة احتلال، وافضل شيء يقومون به هو ان يغادروا في اسرع وقت ممكن. ـ كيف تردون على معارضة المعارضة العراقية لخطتكم؟ ـ ان الولايات التحدة تعتزم البقاء في العراق طالما هناك حاجة لنا ولن نبقى يوما واحدا اطول من ذلك، وليست لدينا رغبة في ان نكون قوة احتلال، وكل ما نريد عمله هو التأكد من الحفاظ على سلامة ووحدة اراضي العراق وعدم اندلاع العنف الطائفي وان الاحتياجات الانسانية المباشرة للعراقيين تلقى الاهتمام، ونحن نريد ان نضع البلاد على طريق اعادة البناء والمستقبل الديمقراطي، ونريد ان نتأكد من بدء هذه العملية، ونريد التأكد من اكتمالها، وكل واحد في هذه الادارة، والرئيس بشكل خاص، يريد ان يرى العراقيين مسيطرين على مستقبلهم بشكل تام ومطلق بأسرع وقت ممكن. ـ من سيسيطر على النفط في العراق ما بعد صدام؟ ـ ان النفط وموارد العراق الاخرى هي ملك للشعب العراقي، اولئك هم من تعود اليهم، واولئك هم من ينبغي ان يستفيدوا منها، والتغير الكبير سيتمثل في حقيقة انه وبدلا من ان تفيد عائدات النفط صدام حسين وتستخدم في بناء القصور لهذا النظام الرهيب، وبدلا من تمويل الارهابيين او تمويل تطوير اسلحة الدمار الشامل، فان موارد العراق ستحوّل الى فائدة الشعب العراقي، وتلك هي الطريقة الوحيدة التي ينبغي ان تسير عليها الامور، وتلك هي الطريقة الوحيدة التي تريدها لها الولايات المتحدة. خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»