الخميس 26 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 27 فبراير 2003 طالب المشاركون في ندوة عقدت مساء أمس الأول وسائل الاعلام بتكثيف التغطيات الإعلامية لكافة جوانب الأزمة العراقية، وابراز الآثار المستقبلية للعدوان الأميركي الوشيك على مستقبل الأجيال المقبلة في الخليج. وأكدت الندوة التي أقيمت بنادي دبي للصحافة تحت اشراف جمعية الصحفيين أهمية تقديم رؤية مستقبلية تشعر الناس ان هناك ما يهدد حياتهم فعلياً اذا حدثت الحرب، وذلك لخلق رأي عام عربي يمكن الاستناد اليه وقت الضيق. شارك في الندوة الدكتورة مريم سلطان لوتاه الأستاذ المساعد بقسم العلوم السياسية جامعة الامارات، والدكتورة حصة عبدالله رئيس قسم الاعلام الجماهيري بنفس الجامعة والدكتور محمد عبيد غباش الأستاذ المساعد بقسم العلوم السياسية، وحبيب الصايغ نائب مدير تحرير «الخليج». في البداية تحدثت مريم لوتاه عن الرؤية السياسية العامة التي تقف وراء التغطية الاعلامية العربية للأزمة. قائلة انه يتعذر الاحاطة بهذه الرؤية بعيداً عن السياق العام على كل مستوى أو في تفاعل هذه المستويات مع بعضها. ووصفت لوتاه الأزمة العراقية بأنها تتسم بالتداخل والتعقيد، لا يوجد تكافؤ بين طرفيها، اضافة الى كون الدول الخليجية والعرب عامة يدخلون في علاقات مع الطرفين علاقة تبعية مع الطرف الأقوى، في الوقت نفسه الذي ترتبط فيه مع العراق بحكم التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك. وهذا التداخل والتعقيد يفرض ذاته على الرؤية السياسية التي تحكم التغطية الاعلامية وتساءلت الدكتورة مريم.. هل هناك سياسة اعلامية واضحة لمعالجة ما يجري؟ ثم أجابت قائلة يجد الانسان نفسه في حيرة أمام نوعية التغطية بشكل يجعله يشك في وجود رؤية وراءها، فهي من ناحية مجرد تغطية خبرية لا تعمق الوعي، ومن ناحية أخرى تتميز بندرة المادة التحليلية التي تحمل وجهات نظر عربية تجاه ما يجري، وهذه الحيرة تصيب حتى المختص والمهتم وليس الجمهور العام وحده، فالتغطية الخبرية تسير في صالح الطرف الأقوى وربما تثير الرعب والاستسلام لدى الطرف الذي ينتظر العدوان، وألمحت الى انها كانت مؤخراً في زيارة أحد المفكرين الكبار وفوجئت برأيه الذي يقول فيه «ان الحرب قد تكون مخرجاً وتضع حداً لما نعيشه من أزمات». وأوضحت مريم لوتاه انها ليست مع هذا الرأي بل تعتقد ان أمام السياسيين والاعلاميين فرصة لاتزال لادارة الأزمة بشكل أفضل. وحاولت لوتاه تشخيص التغطية الاعلامية قائلة «انها تتراوح بين التصعيد والتهدئة بشكل مفاجيء ثم التصعيد، وهذا يخلق حالة من التذبذب والانكسار والهزيمة النفسية قبل أن تبدأ المعركة الحقيقية، كما ان هناك آنية في التعامل مع الأزمة وكأنها منفصلة عما سبقها، وعما يتبعها، وهذا يمنع وجود فهم تتبعي للأمور، كما تفتقر للاطار النظري الذي يمكن الاعلامي من تقديم رؤية مستقبلية، وهذا الافتقار يجعل الاعلاميين مجرد ناقلين للخبر، وتفتقر كذلك الى ما يعرف بآلية ادارة الأزمة اعلامياً. وألمحت مريم لوتاه الى تساوي الاعلام الرسمي مع الاعلام الخاص الذي يندر وجوده وان الأخير حتى لو بدا أكثر جرأة وصراحة إلا انه لا يخلق وعياً حقيقياً. وأجرت لوتاه مقارنة بين الاعلام الغربي والآخر العربي فقالت ان الأخير ليس وحده هو الموجه، فالأخبار المتعلقة بالأزمة العراقية تشارك عدة جهات في صياغتها قبل نشرها في وسائل الاعلام الغربية، هذه الجهات بينها المخابرات المركزية والبنتاغون رغم ما يبدو من انه يتمتع بقدر من الحرية والديمقراطية، غير ان هذا التوجه لدينا أكثر مباشرة. واختتمت لوتاه بالقول «نجد أنفسنا أمام رؤية سياسية شديدة الحذر ورؤية اعلامية حذرة حتى في تحليل الأخبار الغربية والدليل تغطية المظاهرات التي اجتاحت العالم بأسره، وربما يكون هناك خوف لدى النظم من التركيز على قضية كهذه، فربما يؤدي ذلك الى تحرك الشارع أو يخلق توجها مضاداً للنظم وسياساتها. قسوة ثم تحدث الدكتور عبيد غباش قائلاً ان هناك قسوة على الاعلام العربي لاحظها في كلمة الدكتورة مريم وان هناك تحولا حقيقيا برأيه ـ في معالجة الاعلام للقضية، نافياً أن يكون هناك اعلام عربي متجانس متوحد ومتناغم مع ذاته. وقال غباش اذا فصلنا الاعلام الكويتي الذي تقوم بعض وسائله بتبرير غزو العراق فإن الاعلام العربي بمجمله يشن حرباً شرسة ضد هذه التبريرات. فهناك تغطية لما يجري في الداخل العراقي وهناك قدر من التحليل وان لم يكن بالقدر الكافي، والشيء الجديد هو اختلاف الاعلام بشكل ملحوظ عن السياسات الرسمية المعلنة. وأشار غباش الى ان هناك تنوعاً وطرحاً لأسئلة شائكة هناك تحذيرات اعلامية من النوايا الامبريالية والاميركية وحديث عن ان هذه الحرب هي لاعادة الكولينيالية الى العالم العربي وانها تستهدف إحكام القبضة على منطقة الخليج وكذلك الضغط على فكرة ان ضرب العراق سيجعل المجال مفتوحا امام اسرائيل وان الحرب لاتهدف فقط الى تفكيك دول وانما تمتد الى منظمات دولية مثل الاوبك. ويرى غباش ان الحملة الاعلامية العربية نجحت نجاحا باهرا من تعبئة الملايين ورفض مبررات العدوان الاميركي غير ان هناك اخفاقات منها فشل الاعلام العربي في ارسال صوته للقضاء العالمي وانه لايزال غير قادر على تمثل الصوت الحقيقي للشعوب في ضوء قلق الانظمة الموجودة مدللا على ذلك بأن الحرية المتاحة في معالجة الشأن العراقي لا تمتد الى الامور الاخرى حيث تكثر المحرمات. المسكوت عنه ثم تحدثت الدكتورة حصة عبدالله لوتاه متناولة المسكوت عنه فقالت هناك أبعاد مخيفة على مستوى الواقع، فلو حدثت الحرب سيكون دمار لن تستطيع المنطقة معالجته على مدى ملايين السنين. واوضحت الدكتورة حصة ان هناك قضايا لم يعطها الاعلام الحجم الذي يستحق ومنها البعد الانساني ومدى الدمار الذي ستلحقه الحرب بنفسية الانسان، موضحة ان هزيمة 67 ستكون اقل من حجم الهزيمة التي ستحدث لو تمت الحرب على العراق. وقالت انه كان يجب على الاعلام ان يستعين بالمختصين لشرح ما سيحدث في علاقة الناس ببعضهم واثر الاحساس بالهزيمة على سلوكهم. اما البعد الاخر الذي لم ينل ما يستحق فهو الدمار البيئي الذي يمكن ان تحدثه هذه الحرب، فهناك مناطق بين السعودية والكويت تحتاج الى 30 مليون عام لتعود كما كانت، كما ان المنطقة لم تعرف الاصابة بالسرطان الا بعد الحرب. كما اوضحت ان النفط معرض للنضوب او للسيطرة من قبل قوات اجنبية موضحة انه في حال حدوث ذلك ستضرر قطاعات كبيرة، فعلى سبيل المثال تصرف الامارات 4 مليارات درهم على التحلية ولو لم تتوفر اموال النفط لما كان هناك ماء. وتساءلت الدكتورة حصة قائلة هل لعب الاعلام دورا في تهميش الرأي العام، وهل لو شعر الناس بأنهم مهددون في حياتهم وان هناك مشكلة حقيقية ستحدث اذا ما تمت الحرب هل كانوا سيظلون على سلبيتهم؟ واجابت لو قام الاعلام بدوره لكان هناك رأي عام عربي. وتحدث حبيب الصايغ عن المشاكل الذي تصادف الصحافة المحلية الاماراتية ومنها مشكلة المصادر، فهناك محاذير بالنسبة للمراسلين تجعل جديدها يبدو قديما وان التعاطي يتم على محورين الضخ اليومي للاخبار اعتمادا على الوكالات الاجنبية وعمل الصحيفة الخاص من خلال مراسليها في العواصم المهمة التي تركز على التحقيقات الميدانية والحوارات ومحاولة ابراز الصورة التي تحكي مالا تستطيع الكلمات. واشار الصايغ الى ان هناك صحفا لها خط جذري ضد الحرب واخرى تبدو متذبذبة الموقف، كما انتقد عدم وجود صحفي متخصص في الشأن العراقي يلم بكل جوانبه على حد قوله. في نهاية الندوة قال الدكتور عبيد غباش لست مع الهستيريا في الكلام عن نتائج الحرب، فنحن شعوب قديمة ولسنا نخاف من ان يأتي شعب حديث ليطردنا ويحل محلنا.