الخميس 26 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 27 فبراير 2003 شكلت انتفاضة الأقصى في فلسطين المحتلة ضربة قاسية للمشروع الصهيوني فأسقطت رهان المستعمر بتمزيق أبناء الشعب الفلسطيني داخل الخط الأخضر واشقائهم في الضفة الغربية وقطاع غزة وذلك عندما هب فلسطينيو 1948 دفاعاً ومؤازرة عن عروبتهم فقدموا عشرات الشهداء والجرحى، ليثبتوا مرة اخرى للصهاينة انهم عرب متمسكون بارضهم وعروبتهم وان كل محاولات التهويد واسرلة المجتمع العربي داخل الخط الأخضر باءت بالفشل. التقينا الصحفية نبال هواري القادمة من بلدة ترشيحا الفلسطينية الواقعة في جبال الجليل بالقرب من الحدود السورية واللبنانية اثناء زيارة لها للعاصمة الاردنية وكان لنا معها الحوار التالي: ـ ما مدى تفاعلكم مع انتفاضة الأقصى، والجهود التي تبذلونها لدعم اشقائكم في الضفة الغربية وقطاع غزة؟ ـ لم تكن الانتفاضة الباسلة بعيدة عن بيوتنا وارواحنا، لقد كانت وما تزال، صوتنا العالي وصرختنا المدوية في وجه الاحتلال والاضطهاد والتمييز العنصري. لم نتعامل مع الانتفاضة على انها تحدث خارج تأثير الروح، ولذلك اندفعت المدن والقرى العربية في منطقة الخط الأخضر، لتقول لا للاحتلال، ولتدخل ساحة الانتفاضة من بوابة الفعل الحقيقي، ومن هنا قدم اهلنا في مناطق فلسطين المحتلة عام 1948 ثلاثة عشر شهيداً وعشرات الجرحى في انتفاضة الأقصى المباركة. لقد سقطت كل رهانات الاحتلال على فصل شريان الدم الفلسطيني، بعضه عن بعض، وقد دخلت الانتفاضة كل بيوتنا، وتشكلت في كل المدن والقرى لجان شعبية لدعم صمود الأهل في الضفة الغربية وقطاع غزة. ولا أبالغ اذا قلت ان وسائل الدعم التي يقدمها ابناء شعبنا في مناطق الخط الأخضر، هي وسائل الدعم المتواصلة التي يتلقاها الأهل المحاصرون في فلسطين. وقد شاركت على الصعيد الشخصي بعدة وفود شعبية، قامت بكسر الحصار عن مقر الرئيس ياسر عرفات، واخترقنا الحصار على مدن رام الله وغيرها من المدن الفلسطينية. أقول لقد فشلت السياسات الاسرائيلية المتعاقبة في أن تفصل بين جزئي البرتقالة الفلسطينية، فنحن شعب واحد، همومنا واحدة ومصيرنا لن ينفصم أبداً، بغض النظر عن معوقات الجغرافيا السياسية. ـ ما هي المسئولية الملقاة على عاتق المرأة الفلسطينية، وهل تعاني من اضطهاد محدد في الوطن المحتل؟ ـ اذا كانت المرأة العربية في الوطن العربي تعاني من اضطهاد واحد، فان المرأة في فلسطين تعاني من اكثر من اضطهاد، يقف في مقدمتها الاحتلال وسياسة التغريب. لكن لا بد من القول ان الوعي بضرورة مقاومة الاحتلال واهدافه، وحّدت الرجل والمرأة معاً، لذلك فان الدور الذي تقوم به المرأة الفلسطينية في مناطق الخط الأخضر، هو دور يختلف عن دور غيرها من النساء العربيات، وطبيعة نضالها السياسي والاجتماعي تختلف ايضا فهي تسعى الى المحافظة على تماسك اسرتها في مواجهة كل اغراءات وقوة الاحتلال التي تسعى الى التفكيك، وتسعى كذلك الى نشر الوعي وتنشئة جيل متمسك باهدافه وقيمه وتراثه، في مواجهة جيل مجاور لا يتحلى باي نوع من القيم. المرأة الفلسطينية مثلت صورة واضحة من صور الوطن، لذلك كان الاحتفاء بها كبيراً في الادب الفلسطيني. استطيع القول ان المرأة الفلسطينية الآن، وبعد ان نجحت في مهماتها الكبرى قد دخلت كل المجالات، فهي الطبيبة والمهندسة والمحامية والاديبة والصحفية والعاملة، وهي نصف المجتمع بالفعل لا بالقول، وقد افرزت قياداتها السياسية والنقابية والاجتماعية، ووصلت المرأة الى اعلى المواقع التي وصل اليها الرجل، وليست النائب حسنية جبارة هي المثل الوحيد في بلادنا. لدينا منتديات وجمعيات كثيرة تمارس المرأة من خلالها دورها الاجتماعي والسياسي والثقافي جنباً الى جنب مع الرجل، واقول شريكة له، لا تابعة اليه، وهذه ثمرة من ثمار نضالها الطويل. ـ حدثينا عن المحاولات الاسرائيلية الهادفة «لأسرلة» المجتمع العربي في فلسطين 1948؟ ـ ارجو الا يغيب عن بال احد اننا نعيش في دولة تقودها عقلية اقصائية، لا تعترف بالآخر ولا تريد الحوار معه، لذلك قامت اسرائيل ومنذ نشأتها (بأسرلة) كل المؤسسات في البلاد، ضاربة عرض الحائط بثقافتنا وجذورنا الممتدة عميقاً في هذه الأرض، ولولا وعي وانتماء وانتباه بعض المثقفين في بلادنا، لكنا الان مجموعة من البشر المقطوعة الجذور، لكننا ناضلنا بكل ما نملك من امكانيات لمقاومة سياسة التجهيل والتغريب التي حاولت السلطات فرضها على مجتمعنا العربي، واستطعنا الحفاظ على عروبة مدارسنا، وفرض مؤسساتنا الثقافية على الآخر. ولا يخفى على احد تلك الاسماء الكبيرة التي فرضت نفسها، ليس على المشهد الثقافي في بلادنا، بل امتد تأثيرها الى بلدان الوطن العربي ايضاً، ومن ابرز هذه الاسماء اميل توما، توفيق زياد، اميل حبيبي، حنا أبو حنا، محمود درويش، سميح القاسم، سالم جبران، سلمان ناطور وغيرهم الكثير، الذين استطاعوا مقاومة (الاسرلة) ونشر تيار الوعي الثقافي العربي، الى درجة فرضت على المؤسسات الرسمية الاسرائيلية الاعتراف بقوة حضور المشهد الثقافي. لقد كان ذلك نتيجة نضالات متواصلة للاجيال التي سبقتنا، واستطيع التأكيد ان جيلنا قد ازداد تمسكا بوعيه وثقافته العربية، وصارت مثل هذه الصراعات تشمل كل فئات وشرائح المجتمع، ولذلك ليس غريباً ان يذهب بعض المرشحين العرب للكنيست الاسرائيلي بتسمية قائمتهم «ضاد»، ولا يخفى على احد مغزى هذا الرمز واهميته في موضوع الصراع ضد (الأسرلة). ـ ما موقفكم من مقاومة التطبيع مع الاحتلال الاسرائيلي، وهل ينعكس ذلك عليكم سلباً؟ ـ يبدو ان السوط الذي رفعه المثقفون والسياسيون العرب لمواجهة الاختراق الصهيوني للوطن العربي، قد اصاب ظهورنا بقسوة، ولم يعد بعض المتحمسين لمقاومة التطبيع قادرين على التفريق بين المحتل وبين المبتلى بذلك الاحتلال. صار البعض وللأسف ينظر للعلاقة معنا على انها نوع من التطبيع، وهنا أسأل لجان مقاومة التطبيع في الوطن العربي هل كنا مخطئين عندما تشبثنا بأرضنا؟ وهل كان علينا ان نترك بيوتنا ومواقعنا للمحتلين الغزاة؟ الإشكالية المعقدة التي لم يستطيع بعض دعاة مقاومة التطبيع فك ألغازها، أدخلتنا نحن عرب فلسطين في الشبهات، فهل المطلوب منا ان نحلف بأغلظ الايمان اننا عرب وفلسطينيون واننا نحب ارضنا وبلادنا حتى يصدقنا الاشقاء العرب، وحتى يذهبوا للتفريق بيننا وبين المحتلين الصهاينة. ارجو الا يفهم احد انني ادعو للتساهل في موضوع مقاومة التطبيع، بل انني اطالب الاشقاء العرب ان يتماسكوا اكثر في مواجهة الاختراق الاسرائيلي لمؤسساتنا العربية، وان نسعى الى تحصين انفسنا جميعاً في مواجهة مثل هذا الاختراق، واعتقد أن هذا ما يجعلنا قادرين على مساعدة الاشقاء العرب في هذا الميدان، لكن من العار ومن الفضيحة القومية ان نكون نحن الضحية متهمين وموضوعين على قائمة المقاطعة. البيان ـ وكالة شيما برس: