الجمعة 20 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 21 فبراير 2003 اوروبا قارة من زجاج، لذا فلن تستطيع ان ترشق لا اميركا ولا سواها بأي حجر، لهذا تبقى ضغوطها لمنع ضرب العراق نظرية، وعلى طريقة تمنيات العشاق في اعيادهم. هكذا تقول الكاتبة اللبنانية زينة الطيبي التي تعايش الواقع الفرنسي منذ ثلاثة عقود، اثناء مقابلة اجرتها «البيان» معها خلال زيارة خاطفة لبيروت. وتجمل الطيبي النتائج التي توصلت اليها في الآتي: ـ ان هدف اميركا ضرب العراق وتدميره وتقسيمه والاهم ان سعيها من اجل تحقيق ذلك لا علاقة له باحداث 11 سبتمبر، بل هو مرسوم وقيد التنفيذ من قبل. ـ يملك الاميركيون من الحقد والكراهية ضد العراقيين كماً لا يمكن معالجته، او حتى التخفيف منه. ـ يهدف المخطط الاميركي الى رسم سايكس بيكو جديد لتقسيم المنطقة، ففي سايكس بيكو الاول اوائل القرن الماضي، جرى زرع اسرائيل زرعاً في الخريطة الاقليمية اما في «سايكس بيكو» الاميركي الجديد مع بدايات القرن الحالي فسيكون الكيان الصهيوني جزءا من الخريطة، لا مجرد عضو مزروع فيها. وهذا نص الحوار: ـ كيف يتابع القاريء الاوروبي ما يحدث في الشرق الاوسط؟ وما هي اولويات اهتماماته في هذا المجال؟ واين يقع الوضع في العراق وفلسطين راهناً في سلم اهتماماته؟ ـ الطيبي «لاشك ان الاوروبيين يهتمون بكافة ما يجري في الشرق الاوسط، لكن حجم الاهتمام وطريقته يرجعان بطبيعة الحال الى مستوى القاريء نفسه، ويمكن القول ان الرأي العام الاوروبي يحرص الا يكون لديه اي جهل بما يجري في منطقتنا. بل لديه رغبة وحرص في التعرف الى الاخرين. لا يشبه الاوروبيون الاميركيين في هذا المجال، ففيما يسعون هم للتعاطي مع الاخر والغير، نرى ان الاميركيين ينظرون من زاوية وحيدة تقول: «نحن فقط» او «نحن اولا واخيرا» او «نحن الاميركيين اولا.. ومن بعدنا الطوفان». وفي اعتقادي ان الرغبة الاوروبية في التقرب من الاخرين والتعاطي معهم، يعود الفضل فيها الى الثقافة الفرنكوفونية القائمة على حوار الحضارات والثقافات وليس على الصدام بين هذه الحضارات، كما يقول الاميركيون وهذه نقطة خلاف اخر بين الاوروبي والاميركي. ـ ما ابرز الفوارق الاخرى التي يمكن ان تجعل الاوروبيين اكثر تحمسا واندفاعا «لفرملة» الحرب الاميركية المرتقبة او العدوان الاسرائيلي المتواصل؟ ـ اعتقد ان من الفوارق الابرز ان الاوروبيين تعدوا مرحلة التفكير باستعمار غيرهم، او اقامة انتداب عليهم فهم يعملون بجدية واندفاع لترجمة مقولة «حوار الثقافات» قولا وفعلا معا. انني واثقة وعلى يقين من ان هذا الحوار ليس استعمارا مقنعاً، ولا يريد الاوروبيون ان يكون «انتداباً بالكلمة والفكر» كما يعتقد البعض وهو على خطأ. وهم يعملون لكي يكون العالم كله على علاقة وتواصل وترابط بين بعضه البعض، وليس العكس. ـ هل يمكن القول، اذن ان اوروبا اسقطت المشروع الاستعماري كفكرة من ايديولوجيتها السياسية والاقتصادية والعامة؟ ـ «هذا ما اعتقده فعلاً». ـ لكن على الارض لا نجد ترجمة كاملة ومقنعة لذلك فالاستعمار الفرنسي مازال موجودا في مناطق عدة في العالم، في افريقيا مثلا التي مازالت تشهد منذ فترة تحركات مناهضة للوجود الفرنسي فيها؟ ـ بالتأكيد هناك مصالح، وهذا ما نشاهده ونتابعه من خلال الاحداث المستمرة في «ساحل العاج» في افريقيا حاليا مثلا، لكن الفرنسيين في هذه الحالة «يأخذون ويعطون» وليس بواسطة الضغط والاستئثار بالاخضر واليابس كما كان يحصل ايام الاستعمار من قبل. واعتقد ان ذلك التطور بدأ مع الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديغول من جهة وكذلك مع التطور المتزايد الذي حصل في الوعي العام لدى ابناء الدول الخاضعة للاستعمار من جهة اخرى. وفي هذا الصدد، مازلنا نعيش على امجاد مقاومة الشعب الجزائري للاستعمار الفرنسي، و«ثورة المليون شهيد» من ابنائه. هذا يعني ان الجنرال ديجول ليس هو الذي غير بمفرده وبين ليلة وضحاها، من الرغبة الفرنسية الجامحة للاستعمار بل شكل الوعي الشعبي العربي عاملا اساسياً افضى الى هذا التغيير. ـ هل يمكن القول اذن ان الخلاف الاميركي ـ الاوروبي والتمايز في مواقف كل من الجانبين عن الاخر حيال المنطقة العربية نابع من خلافات مبدئية بين اميركا واوروبا حيال الفكرة الكولونيالية الاستعمارية للشعوب؟ ـ لا اعتقد ان بامكان اوروبا التأثير بقوة كبيرة على وقف النية الاميركية بضرب العراق خاصة وان المقصود بهذا «الضرب» قد لا يكون شن الحرب بحد ذاتها لمجرد انها ضربة عسكرية، بل هو يتمثل بتحقيق هدف الولايات المتحدة في تقسيم العراق. فالمطلوب اميركيا هو رؤية هذا الهدف محققا، سواء بضربة عسكرية او بضغوط سياسية او بمناورات دبلوماسية وما شابه من مرادفات ومفاهيم تندرج كلها في خانة التسمية العامة: «الحرب». وبالتالي فان على اوروبا ان «تفرمل» بالتالي تحقيق ذلك الهدف، وتحول دون تقسيم العراق. هذا هو الدور الفعلي الذي ان مارسته المجموعة الاوروبية بنجاح امكننا القول انها حالت فعلا دون تعرض العراق لحرب. لكن في مقابل ذلك، ثمة مؤشرات غير مشجعة على التفاؤل بحصول نجاح من هذا النوع، لان المخطط او لنسمه «الحرب» الاميركية تهدف الى تعميم حالة تقسيمية في المنطقة لا تقتصر على العراق، بل تتعداه الى دول عربية اخرى بحيث تعيد الولايات المتحدة رسم خريطة المنطقة على طريقة «الرسمة» التي مازالت قائمة منذ مرحلة «سايكس بيكو» في بدايات القرن الماضي حتى الان، فخلال هذا القرن «السابق» عاشت المنطقة زمن سايكس بيكو، اما في القرن الحادي والعشرين فان الاميركيين يريدوننا ان نعيش زمن «سايكس بيكو» بنسخة اميركية محضة واحادية». كل شيء سيتغير باتجاه الوصول الى خريطة جديدة للمنطقة تكون فيها اسرائيل «شيئاً او وجوداً طبيعياً» في المستقبل. ـ ماذا يعني هذا اوروبياً؟ بم تؤثر الخريطة الجديدة على المجموعة الاوروبية؟ ـ النتيجة البديهية انه بتنفيذ الاميركيين لهذه الخريطة يخلقون حالة من الضعف لدى الاوروبيين اي انهم من خلال الشرق الاوسط يضعفون اوروبا. الرصاصة الأخيرة: الفيتو ـ اذا كان اضعاف اوروبا هو احد الاهداف التكتيكية والاستراتيجية الاميركية، فان الحديث عن امكانية قيامها بأي دور ينزع فتيل حرب الولايات المتحدة على العراق والمنطقة يبدو عقيماً وغير ذي جدوى على الاطلاق؟ ـ هذا هو السؤال الحقيقي، لا احد يعرف او هو قادر على تحديد مدى قدرة اوروبا على الضغط على الولايات المتحدة ولعله يجب ان نسأل اولا: «اي اوروبا» مطلوب منها ان تقوم بهذا الدور؟ فهناك 12 دولة التزمت مؤخرا بالموقف الاميركي، وايدت اي حرب تخوضها ضد العراق، وابدت استعدادها للمشاركة فيها ايضا، المانيا وفرنسا هما الدولتان الاوروبيتان الوحيدتان اللتان تحاولان ضبط التهديدات الاميركية على ايقاع السعي لايجاد مخارج سياسية ووسائل دبلوماسية لانهاء الازمة من خلال القرارات الشرعية الدولية، وعبر المنظمات التي اتخذتها وفي طليعتها الامم المتحدة. في المقابل نرى ان اميركا تسعى الى «تفكيك» الاتحاد الاوروبي وفي الواقع نرى ان اوروبا موحدة اقتصادياً، لكننا لا نلحظ وجود وحدة فعلية فيها على المستوى السياسي من هنا فان التفكير يتجه لاستحداث منصب وزير خارجية لاوروبا، وهو مركز غير موجود حاليا ويعكس وجود خلافات وعراقيل سياسية ودبلوماسية امام الوحدة الاوروبية الشاملة. واعتقد ان اول صدام سياسي بين الاوروبيين بعضهم مع بعض، يحصل الان حيال الوضع في العراق، وهو بين فريق يرى انه لا يمكن حل المشاكل والمخاوف الناتجة عن هذا الوضع الا من خلال الامم المتحدة، ويؤيد مبدأ وجوب نزع اسلحة الدمار الشامل في العراق، وبالتالي فاذا قررت هذه المنظمة الدولية شن الحرب على العراق فليكن ولتقم حرب دولية عليه ويستدرك ذلك الفريق الاوروبي قائلا انه في حال قررت الامم المتحدة الحرب ووافقت عليها، فان اوروبا تدرس هذا القرار بما يوحي انها ليست موافقة سلفا عليه وقد يفسر لنا هذا سبب عدم استخدام فرنسا لحق النقض «الفيتو» في مجلس الامن حتى الان. واعتقد ان الفرنسيين يرجئون اعلان رفضهم للحرب على العراق حتى لو وافقت الامم المتحدة، حتى اللحظة المناسبة والتي يصبح فيها استخدام الفيتو «آخر خرطوشة» في السلاح السياسي والدبلوماسي المناويء لاغراق العراق والمنطقة بحمامات الدماء. في مقابل ذلك يبرز الفريق الاوروبي الاخر الذي اعطى الاميركيين «حق» القفز فوق الامم المتحدة وشن الحرب على العراق. من هنا بدأت تتضح معالم الشرخ السياسي بين الاوروبيين، وهو سواء اتسع ام بقي في نطاقه الحالي سيدفع بالدور الاوروبي الى التهميش، والعجز، واللاتأثير، اكثر فأكثر على الساحة الدولية عامة، وعند التقاطع الاسخن والاخطر في العراق خاصة. ولا يخفي الاميركيون، ولا يخجل بعض الاوروبيين من الحديث عن «العصا السحرية الاميركية» القادرة على ضرب اوروبا نفسها وتقسيمها. ـ اذن وبالعين الاوروبية نفسها، لا يمكن ان نرى الا حتمية الحرب على العراق، وتثبيت مؤامرة تقسيمه، بما يشمل المنطقة بأسرها؟ ـ الطيبي: اعتقد ان هذه هي الخلاصة الواقعية لما هو قائم ولاحتمالات ما يمكن ان يقع لكن الامر الاهم في العين الاوروبية هو أنه لا علاقة لضرب العراق وتقسيم المنطقة باحداث 11 سبتمبر فالتهديدات الاميركية بضرب العراق تعود الى ما قبل التفجيرات التي حصلت في هذا التاريخ في واشنطن ونيويورك، فقد اثبت الاميركيون قبل ذلك مرارا وتكرارا ذلك الكم الهائل من الحقد الذي يثقل صدورهم ضد العراق. وقد يفسر هذا جانبا من روحية العداء والانتقام بوضع شعبه خلال اكثر من 12 سنة تحت الحصار. ويمكن ان نذهب الى ابعد من ذلك، وفق المعطيات المتوافرة اوروبياً اذ يؤكد منحى المعلومات والامور ان الاميركيين يريدون القضاء على العراق وتدميره. ـ لماذا كل هذا الحقد لدى الاميركيين؟ ـ لانهم يرفضون ان يروا في العراق بلداً عربيا متطوراً غير متطرف دينياً، ويملك ثروات نفطية هائلة، ممنوع بالنسبة للاميركيين ان يبقى بلد عربي قائم ويتمتع بمثل هذه الصفات والمواصفات. بيروت ـ وليد زهر الدين: