الخميس 19 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 20 فبراير 2003 لاتزال مواقف مختلفة تظهر أن أفضل سبيل لتأجيج جدل ساخن وإثارة حساسية في ألمانيا إنما هو استخدام كلمات، أو جمل، أو رموز، أو تشبيهات تشير إلى الماضي النازي المظلم. ففي ديسمبر الماضي هاجم رئيس وزراء ولاية هيسن المسيحي الديمقراطي رولاند كوخ زعيما نقابيا بارزا في نزاع حول الدعوات المطالبة بفرض ضريبة على الثروات. فقد اتهم كوخ النقابي بأنه يضع «شكل نجمة جديدة» على صدور الاثرياء الالمان. وكانت صيحة الاحتجاج على ذلك فورية حيث هاجم المعلقون والخصوم السياسيون كوخ لاشارته لكلمة «النجمة» التي كانت بمثابة تلميح ضمني لشعار الهوية المتمثل في نجمة داود الصفراء التي أرغم اليهود على ارتدائها خلال الحكم النازي الدكتاتوري. وبادر كوخ بسرعة إلى الاعتذار معترفا بأن تلميحه «تطاول أكثر من اللازم» وقال «لم يكن قصدي». غير أن الضرر كان وقع بالفعل، فقد وصف باول شبيغل رئيس المجلس المركزي لليهود تصريحات كوخ بأنها «إهانة لا تحتمل» لكافة ضحايا النظام النازي. ولم يكن مثال كوخ هو المثال الوحيد في سلسلة حوادث الاسقاطات النازية التي شهدها العام الماضي وتعلقت بسياسيين على كلا جانبي السياسة الالمانية. فهناك مثال وزيرة العدل السابقة هيرتا دويبلر ـ جميلين الذي يمكن اعتباره في إطار فئة «لم يكن قصدي». فدويبلر ـ جميلين خرجت بتصريحات مغوارة أمام شخصيات نقابية عمالية قبيل الانتخابات الوطنية في ألمانيا في سبتمبر الماضي، شبهت فيها أساليب الرئيس الاميركي جورج دبليو. بوش بتلك التي كان ينتهجها الزعيم «النازي أدولف» هتلر في استغلال السياسة الخارجية لتحويل الرأي العام عن المشاكل المحلية. وقامت لهذا التصريح الدنيا ولم تقعد. وحاولت دويبلر ـ جميلين دون نجاح أن تتعلل بأن تصريحاتها تم إخراجها من سياقها. وبعد انتقادات قاسية للهجتها الخاطئة ـ التي أثارت أيضا تعليقا باردا وغاضبا من جانب البيت الابيض، انتهى الامر بخسارتها لتفويضها البرلماني المباشر في الانتخابات، ثم انسحابها بعد ذلك من حكومة المستشار غيرهارد شرويدر، موفرة بذلك على شرويدر عناء طردها. وإذا لم يكن أدولف هتلر نفسه هو موضوع الحساسية، فهناك شخصيات نازية أخرى بارزة استخدمت أسماؤها في التلطيخ السياسي في ألمانيا. ففي مايو الماضي اتهم السياسي البارز في الحزب المسيحي الديمقراطي فولفجانج شويبله الاشتراكيين الديمقراطيين باستخدام أساليب وزير الدعاية النازي يوزيف جوبلز في اللجنة البرلمانية التي كانت تحقق في صلات بين عنصر ضاغط لاتمام صفقة أسلحة والحزب المسيحي الاجتماعي، الشقيق الاصغر البافاري للحزب المسيحي الديمقراطي. وما كادت الاحتجاجات الصاخبة بشأن التشبيه بوزير دعاية النازي تخبو ـ وهي الاحتجاجات التي طالب فيها الحزب الاشتراكي الديمقراطي غاضبا بضرورة الاعتذار ـ إلا وأصبح المستشار السابق هيلموت كول هو التالي في طابور الاسقاطات اللفظية لعهد النازي. فقد ذكرت مجلة «دير شبيغل» الاسبوعية أن مراسليها تناهى إلى مسامعهم قول كول لنائب برلماني أثناء وجبة غداء بكافتيريا البرلمان، ان رئيس البرلمان فولفجانج تيرسه هو «أسوأ رئيس منذ هيرمان جورينغ» ـ وهيرمان جورينغ هو الرجل الذي اشتهر أثناء الحكم النازي بأنه مارشال الحرب في الرايخ الثالث والذي ترأس أيضا ذات مرة الرايخستاج (البرلمان). وكما قالت «دير شبيغل»، فقد رفض كول التعليق مباشرة على تعليقه قائلا أنها كانت محادثة خاصة. غير أنه زعم أنه ليس من أسلوبه عقد مثل تلك المقارنات. ولا تعتبر التلميحات إلى الماضي النازي هي نقطة الاشارة التاريخية الوحيدة التي تتسبب في نشوب خلافات في ألمانيا. فإذا ما عدنا إلى الوراء قليلا نجد أن المقارنة بجمهورية فايمار التعسة التي كانت قائمة في العشرينيات والتي سبقت دولة الرايخ الثالث لهتلر، إنما تثير أيضا حساسية ما. ففي نوفمبر أغضب أوسكار لافونتين السياسي البارز السابق في الحزب الاشتراكي الديمقراطي حزبه عندما انتقد معالجة برلين للأوضاع الاقتصادية، وشبه المستشار شرويدر بالسياسي السابق هاينريش برونينج. وبرونيج هو سياسي بارز شغل منصب رئيس دولة الرايخ ومستشار الرايخ في أوائل الثلاثينيات إلا أنه كان لا حول له ولا قوة في منع ظهور النازيين. د.ب.أ