السبت 14 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 15 فبراير 2003 في خطوة غير مسبوقة وربما تحفيزا لبقية عناصر جيش الاحتلال على ارتكاب مذابح جديدة ضد المدنيين بدم بارد، اعترف منذ أيام مجرمو الحرب الذين اسقطوا طائرة الركاب الليبية بتأكدهم من كون الطائرة طائرة ركاب مدنية وكونها دخلت بطريق الخطأ فوق سيناء بالإضافة إلى حقيقة أنها كانت في طريق العودة للمسار الصحيح. الاعترافات تأتي في توقيت حساس وتقدم إجابات مهمة لأسئلة ظلت معلقة وإن بقت دماء 106 شهداء مدنيين تطلب الثأر من بقية القتلة «اثنين من الاربعة الذين نفذوا الجريمة بشكل مباشر لقوا مصرعهم بينما لا يزال اثنين على قيد الحياة أحدهم يعمل في العال». الملف الدامي فتحته صحيفة «هآرتس» العبرية في الملحق الأسبوعي الأخير وترجع بداية تفاصيله لفبراير 1973 عندما اسقطت مقاتلتان إسرائيليتان طائرة ركاب مدنية ليبية تخطت بطريق الخطأ ـ حسب اعتراف التقرير الإسرائيلي ـ المجال الجوي لإسرائيل عملية الاسقاط تمت بينما كانت الطائرة قد استدارت لتعود للمسار الصحيح. ووفقا لرواية مجرم الحرب طيار الفانتوم التي اسقطت الطائرة والذي اشارت له الصحيفة بحرف «ي» فقد تسببت الطائرة في بث الرعب في صفوف القوات الإسرائيلية خوفا من توجهها لقاعدة بئر جفجافة بسيناء آنذاك أو ببئر سبع أو تصوير أهداف عسكرية. قائد طائرة الركاب فوجيء بمقاتلتين تحيطانه وتحاولان أسره وإجباره على الهبوط في مطار عسكري لكنه ـ وفقا لتقرير الصحيفة أيضا ـ استدار عائدا لمصر وهنا وعلى الرغم من تأكد القيادات بجيش الاحتلال بأن الطائرة لا تشكل خطرا أمنيا فقد صدرت الأوامر باسقاط الطائرة فقامت المقاتلتان الإسرائيليتان معا بإطلاق النار على خزان الوقود الخاص بها فانفجرت ولقي 106 من ركابها وطاقمها مصرعهم بينما أصيب سبعة آخرون. عملية تدريبية عدالة السماء طالت اثنين من الأربعة الذين اشتركوا في الجريمة وهما الملاح «باروخ بلتيالي» «لقي مصرعه بعد بضعة شهور من جريمته خلال حرب أكتوبر» بينما لقي الطيار «دورون شلو» مصرعه عام 1977 «مات خلال عملية تدريبية للقوات الإسرائيلية في سيناء بمكان ليس ببعيد عن مكان جريمته». مجرم الحرب «ي» أكد انه لا يزال يعيش في حالة رعب مستمرة بناء على تحذيرات متوالية من اجهزة الأمن الإسرائيلية تحذره من محاولات تصفية العرب لحسابهم معه. وفي السياق نفسه قال مجرم الحرب جيورا فورمان قائد غرفة العلميات الذي أصدر أوامر الاسقاط لا يجب أن تطارد الصحافة الطيارين الذين اسقطوا الطائرة فقد تلقوا اوامر فنفذوها. شموئيل شيفر مدير إدارة مخابرات سلاح الطيران والذي كان متواجدا بدوره في غرفة العمليات رفض بشدة التعليق على الجريمة أو كشف بعض أسرارها وقال حتى لو مر مئتي عام على الحادثة فلن اتكلم. فالصمت افضل في هذه الحادثة، خاصة وأن حديثي سيضر بالعلاقات مع مصر. التقرير الإسرائيلي ذكر من ناحية أخرى أن مصر لم تكن متورطة في هذه الحادثة باستثناء كون الطائرة دخلت فوق سيناء من الأراضي المصرية، خاصة وان اتفاقية لوقف إطلاق النار وضعت حدا لحرب الاستنزاف في اغسطس 1970 وهي الهدنة التي احترمها المصريون. قائد الطائرة التابعة للخطوط الجوية الليبية كان فرنسيا «42 سنة» مشهود له بالكفاءة ناهيك عن خبرته في الطيران التي تجاوزت الآلاف من ساعات الطيران وقد اقلع بالطائرة في مناخ سيء حيث كانت هناك عاصفة ترابية تمنع الرؤية الطبيعية وفوجيء بعدم ظهور جبل المقطم أو بحيرة قارون على يساره كما كان مخططا فأرسل لبرج مراقبة مطار القاهرة رسالة لا سلكية يبلغ فيها بأنه يتجه نحو شمال الشرق نحو القاهرة بينما كان في الواقع على بعد 120 كيلو متراً شرق هذه النقطة بعد تعطل اجهزة الرادار الخاصة بالطائرة التي تم رصدها من خلال الرادار الإسرائيلي قبل دخول المجال الجوي لسيناء في تمام الواحدة ظهرا و54 دقيقة. التقرير الإسرائيلي اعترف بتكذيب مصادر غربية لرواية موشيه ديان وزير الحربية آنذاك بشأن تحذير الطائرة قبل اسقاطها حيث اتضح أن الطائرة تم اسقاطها بعد اربع دقائق فقط من تعديلها لمسارها وعودتها من حيث اتت مما لا يتيح لقائد الطائرة فرصة للتفكير في تهديدات الطيارين الإسرائيليين. قائد الجريمة اعترف مؤخرا بأنه لم يتم إرسال أية تحذيرات للطائرة على الإطلاق قبل اسقاطها حيث اعترف بنيامين فيلد نائب قائد القوات الجوية الإسرائيلية بأنه تم ارسال رسالة تحذيرية لقائد الطائرة على التردد الدولي لكن اتضح فيما بعد انها لم تصل! فتقرر بعث رسالة لبرج المراقبة في القاهرة لكن ثبت بعد ذلك انه تم ارسالها على تردد خاطيء! الاعترافات الإسرائيلية الأخيرة تضمنت ذكر الطيار مجرم الحرب بانه اقترب لنحو خمسة أمتار فقط من الطائرة بدرجة أتاحت له رؤية طاقم الطائرة والإشارة لقائدها بالهبوط في المطار العسكري الإسرائيلي إلا أن الطيار الفرنسي أشار من جانبه نحو العودة من حيث أتى، وهنا تم اطلاق النار على محركات الطائرة المدنية وليس على جناحها كما زعمت إسرائيل في البداية بهدف اجبارها على الهبوط اضطرايا مما ادى لانفجارها على الفور.وهي الحقيقة التي أكدها كذلك الملحق العسكري لفرنسا في تل أبيب. اصابات بالغة كذبة أخرى تم فضحها في التقرير الإسرائيلي حيث كان جيش الاحتلال أعلن عقب اسقاط الطائرة أن جميع ستائرها وهي من طراز «البوينج» كانت مسدلة بحيث لم يتح للطائرتين المقاتلتين رؤية ركابها المدنيين، بينما اعترفت «هآرتس» بأن أحد الركاب (مصري) والذي نجا من الموت بأعجوبة وأصيب بإصابات بالغة قال انه شاهد من خلال النافذة المقاتلات الإسرائيلية وعليها نجمة داود واضحة فصرخ في قائد الطائرة محذرا. في حين أكد مساعد الطيار عواد مهدي «مصري» بعد نجاته أيضا من الموت: عندما تأكدنا أننا فوق سيناء حاولنا الهروب بأقصى سرعة. التقرير الإسرائيلي اعترف من ناحية أخرى بأن طائرات عمودية إسرائيلية سارعت لمكان اسقاط الطائرة حيث كان هناك عدد من الأحياء إلا انها غادرت المكان دون ان تنقل مصابين بعد تبادل سباب مع مساعد الطيار الذي صرخ في وجوههم بأنهم قتلة، عملية نقل المصابين للمستشفى العسكري المتأخرة عن موعدها بشكل لا إنساني تمت مع مساعد الطيار بينما هو مقيد على مقعد على الرغم من إصابته البليغة بارتجاج في المخ». أما القتلى فقد كانوا مصابين بحروق بالغة لدرجة لا تسمح بالتعرف على شخصياتهم على الإطلاق وسط بقايا متعلقات شخصية ولعب اطفال وبطاقة خاصة بالطيار الفرنسي. والغريب أن السفاحين ـ الطيارين الذين اسقطوا الطائرة ـ اصروا على الذهاب للمستشفى العسكري بسيارة جيب حتى يروا نتائج ما فعلوه باسقاط الطائرة. من بين الأكاذيب أيضا التي روجت لها الصحف الإسرائيلية في اعقاب اسقاط الطائرة للتشويش على الجريمة الزعم بان الطيار الفرنسي لم يكن يحمل رخصة قيادة تخول له التعامل مع الطائرة «بوينج» 727 وهو ما نفته مصادر مسئولة بشركة إير فرانس التي تمت إعارة الطيار منها للشركة الليبية حيث عرضت ترخيص قيادة الطراز بوينج 727 الخاص بالطيار والصادر في 1970 وكان ساريا حتى ديسمبر 1973. الوثائق الإسرائيلية كشفت بشكل مواز أن رئيس الأركان الإسرائيلي وقتها «ديفيد اليعازير» هو الذي اصدر الأمر النهائي باسقاط الطائرة وهو القرار الذي اعترف حتى ضباط الجيش بأنه قرار كان يتحتم محاكمته عليه مع آخرين شاركوا في عملية الاسقاط وهو ما لم يحدث على الاطلاق حتى اليوم. المصادر الإسرائيلية نفسها كشفت أن ضابط الاتصال بسلاح الطيران الإسرائيلي اتصل برئيس الاركان وأبلغه بأن طائرة ركاب ليبية دخلت المجال الجوي لسيناء فأمره بإجبارها على الهبوط أو تفجيرها في حالة الرفض. بعد دقائق عاد الضابط نفسه ليراجع رئيس الأركان مؤكدا له أن الطائرة دخلت للمجال الجوي لسيناء عن طريق الخطأ فأغلق رئيس الأركان المكالمة دون أن يرد! يذكر أن الطيار القاتل الذي اشارت له المصادر الإسرائيلية بالحرف «ي» تقاعد في عام 1975 ولم يكمل خدمته العسكرية الطبيعية وهو يعمل منذ هذا التاريخ في شركة الطيران الإسرائيلية «العال».