الجمعة 13 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 14 فبراير 2003 أكد الدكتور حيدر عبدالشافي رئيس حركة البناء الديمقراطي الفلسطينية على ضرورة تنظيم الانتفاضة وإنهاء عفويتها والاهتمام برسالتها لتكون أداة فاعلة في المسيرة الوطنية. ودعا إلى توحيد القرار الفلسطيني من خلال قيام قيادة موحدة وطنية تعنى بفاعلية القانون في المجتمع الفلسطيني والقضاء على الفساد والمفسدين وأعرب عبدالشافي عن خشيته في حال قيام القوات الأميركية بمهاجمة العراق أن يتاح المجال لآلة الحرب الإسرائيلية أن تبطش بأبناء الشعب الفلسطيني، وبالتالي تنفيذ مخططات الترانسفير التي تسعى إليها القيادة الإسرائيلية بكل الوسائل. وقال بأن الجانب الإسرائيلي غير مستعد حالياً في ظل ما أقامه من حقائق مادية على الأرض من استيطان وطرق التفافية أن يعطينا دولة لها إمكانية البقاء، ربما يعطينا دولة ولكن في حدود يعلم أنها لن تدوم ولن تعمر. جاء ذلك في حوار أجريناه مع د. حيدر عبد الشافي أول رئيس وفد فلسطيني مفاوض في مؤتمر مدريد. ـ بعد كل ما جرى منذ انطلاقة الانتفاضة، ماذا نقرأ في ملفها، وكيفية العمل على بناء قيادة موحدة تقود جماهير الشعب الفلسطيني؟ ـ من المؤسف أن انتفاضة الأقصى لم تلق العناية والاهتمام اللازم، بمعنى العمل على تنظيم الانتفاضة وإنهاء عفويتها والاهتمام برسالتها لتكون أداة فعالة في المسيرة الوطنية، وكان هذا يقتضي في ظل تواجد فعاليات سياسية متعددة أن تجمع هذه الفعاليات في جسم واحد لتناقش ما يجري ثم يتم التوصل إلى قرارات موحدة وبأسلوب ديمقراطي. وأضاف هذا الواجب وهو تنظيم الانتفاضة على هذا الأساس لم يعن به وبالتالي كانت تقوم أخطاء استفاد منها الجانب الإسرائيلي، أكرر أنه كان لا بد ومن الضروري هذا التنظيم كي لا يترك المجال لاجتهادات فردية أو فئوية كما هو الواقع الذي نعيشه حالياً، فقضية العمل الاستشهادي مثلاً لا تحظى بموافقة الجميع، إذن هل يبقى العمل الاستشهادي أم يتوقف أم ماذا.. كان يمكن أن تحسم هذه المسألة من خلال وحدة القيادة وهذا ما طالبنا به منذ البداية لكن لم يستجب لهذا الطلب الرئيس عرفات ومؤسسة فتح التي رفضت على أساس أن هناك رئيساً منتخباً ولا ضرورة لقيادة موحدة وطنية. واستطرد قائلاً: هذا هو الوضع الذي أفسح المجال للجانب الإسرائيلي أن يسرف في عدوانه الوحشي على أبناء شعبنا الفلسطيني سواء من قتل للناس أو تدمير منازلهم مع سكوت تام من المجتمع الدولي، مع أنني لا أبرر هذا السكوت للعالم الديمقراطي بحجة الأعمال الاستشهادية. ـ كيف يمكن العمل على إعادة تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها تمثل الائتلاف الذي يجمع الطيف السياسي الفلسطيني جميعه؟ ـ المطلوب في انتفاضة الأقصى هو العمل على توحيد القرار من خلال قيام قيادة وحدة وطنية، هذه القيادة عدا أهميتها في توحيد القرار يجب أن تتصدى لأمور أساسية في المجتمع الفلسطيني لأن الوضع القانوني في مجتمعنا الفلسطيني ضعيف وغير سليم، ثانياً يجب أن تعنى القيادة بكيفية التصرف في المال العام لأن ما جرى ويجري بخصوص التصرف بالأموال العامة سييء جداً. ـ يتحدثون في إسرائيل الآن عن هذا العام بأنه «عام الحسم» مع الفلسطينيين فنلاحظ رئيس الأركان موشي يعالون يتحدث عن ذلك بوضوح انطلاقاً من الافتراض بأن العدوان الأميركي على العراق سيوفر أجواء مواتية لتحقيق ذلك الهدف، ماذا تفهم من ذلك؟ ـ لموشيه يعلون أن يفكر كما يشاء، لكن أنا شخصياً قلق جداً من احتمالات عدوان اميركي على العراق، ونحن نعلم أن الإدارة الأميركية تجاهر وتصر على مهاجمة العراق في حال عدم موافقته على المطالب الأميركية، والافتراض القائم حالياً بأن أمريكا ستهاجم العراق، وقد يتمخض عن هذا الهجوم ظروف تسعى إسرائيل من خلالها إلى القيام بأعمال وحشية وعدوانية صارمة ضد أبناء شعبنا الفلسطيني، فأخشى ما أخشاه في حال الهجوم على العراق عدا عن تدمير للشعب العراقي وموارده والسيطرة على خيراته أن تقوم إسرائيل بالعمل على تهجير وترحيل أعداد كبيرة من الشعب الفلسطيني، ويجب أن نحسب لهذا الوضع الحساب الجيد لتفويت الفرصة على الجانب الإسرائيلي. ـ ماذا تتوقع الآن بعد فوز الليكود بزعامة شارون في الانتخابات النيابية في إسرائيل؟ ـ من حيث المبدأ لا أتصور أنه سيكون جانب إسرائيلي على استعداد للاستجابة لموقفنا وعلينا قبل كل شيء الاهتمام بشئوننا الداخلية وتحقيق مستوى معقول من العناية بالحقوق الفلسطينية، وفي اعتقادي أن إسرائيل حتى الآن وتحت أي قيادة سياسية غير قادرة ولا هي على استعداد للتسلسم بالسلام العادل على الأسس المتوازنة التي نعرضها على الجانب الإسرائيلي. ـ سمعنا عن نجاح أجهزة الأمن الفلسطينية في الكشف عن مخطط موسادي شاباكي يهدف إلى تجنيد فلسطينيين باسم القاعدة، فهل تحاول إسرائيل من خلال ذلك توفير غطاء ارتكاب جرائمها وتحديداً في قطاع غزة؟ ـ لا أستبعد أن تلجأ المخابرات الإسرائيلية وجهازها السري الداخلي الشاباك إلى كل الوسائل بدون استثناء لتشويه سمعة الجانب الفلسطيني وخلق الذرائع لمزيد من العدوان وبالتحديد قطاع غزة لما يتمتع به من مخزون من المقاتلين الفلسطينيين ولكون معظم سكانه من اللاجئين. ـ ما موقفكم من المشروع الأميركي المسمى خارطة الطريق لإقامة دولة فلسطينية على ثلاث مراحل إلى عام 2005؟ ـ أنا أعرف أن إسرائيل في ظل ما أقامته من حقائق مادية على الأرض الفلسطينية من استيطان وطرق التفافية وتقسيم الضفة الغربية وقطاع غزة إلى كانتونات، وما تقوم به حالياً على غير استعداد لأن تعطينا دولة، ربما تعطينا دولة ولكن في حدود تعلم أنها لن تدوم ولن تعمر، لذلك عندما يعرض علينا أي شيء لا بد أن ننظر بعناية لهذا الشيء، هل ممكن أن نستبقيه ونبقي عليه ويكون دولة أم لا؟ وباعتقادي أن أي عرض أقل من موقفنا المعلن، دولة مستقلة في حدود عام 1967 وعودة اللاجئين وحل قضيتهم، وأن تكون القدس عاصمة لنا، ودولة ذات سيادة على الأجواء والمعابر، ربما هذا هو الحد الأدنى الذي نعلن نحن أننا على استعداد للقبول به، أما إذا لم تستعد إسرائيل للموافقة على ذلك فهذا غير مقبول، وهذا يعني أن إسرائيل عليها التخلي عن كل الحقائق المادية التي أنشأتها على الأرض المحتلة، وأساساً إسرائيل عملت كل هذه الوقائع لتواجه العالم بالأمر الواقع، ولا أتصور أن تتخلى إسرائيل عن ذلك، ربما تلجأ إسرائيل إلى مقايضات، لكنني ضد أي نوع من أنواع المقايضة لأنها ستعطي إسرائيل فرصة بإعطائنا شيئاً غير قابل للبقاء. ـ كيف ترى الحوار بين الفصائل الفلسطينية في القاهرة؟ ـ باعتقادي أنه لا غنى عما طالبنا به من إقامة قيادة وحدة وطنية تشارك بها كل الفعاليات السياسية من أجل توفير الفرصة لنقاش جاد تشارك به كل فصائل العمل الفلسطيني لاتخاذ القرار بشكل ديمقراطي، وهذه هي اسلم الطرق لتوحيد الموقف الفلسطيني أمام ما يتعرض له من عدوان وحشي وظالم، لا بد من إشراك كل الفصائل الفلسطينية في صنع القرار على أساس مفهوم قيادة الوحدة الوطنية لتكون القرارات ملزمة للجميع من قبل القيادة الموحدة. ـ ما رأيك بما تردد عبر وسائل الإعلام من تفاهمات بين د. سري نسيبة المسئول السابق عن ملف القدس في السلطة الفلسطينية ورئيس جهاز المخابرات الإسرائيلية الداخلية «الشاباك» عامي ايلون حول التنازل عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين؟ ـ أنا لا أستطيع إلا أن أدين هذا الموقف وسري نسيبة يتحدث عن شخصه وهذا غير ملزم للجانب الفلسطيني، وأنا آسف لمثل هذه التصريحات، لماذا وبأي حق يتخلى نسيبة عن حقوق ملايين اللاجئين الفلسطينيين، وأحقية عودتهم إلى وطنهم السليب فلسطين، فكيف يجوز ذلك، ومن أجل ماذا؟ ـ في ظل ما يدور من أحداث على صعيد القضية الفلسطينية وما يمارسه جيش الاحتلال الإسرائيلي من عنف، ما هي مسئولية العرب إزاء ذلك؟ ـ في الحقيقة هناك مسئولية قومية تجاه القضية الفلسطينية، لأنه في اللحظة التي بدأ فيها المخطط الصهيوني في ظل الانتداب البريطاني أجمع الكل على أن مسألة الدفاع عن فلسطين هي مسئولية قومية على اعتبار أن فلسطين هي جزء لا يتجزأ من الوطن العربي، لكن مع الأسف هذا لا يعمل به، وهناك تقصير من الجانب الفلسطيني لا يمكن إغفاله إذ أن مهمة ومسئولية الجانب الواقع تحت الاحتلال أن يعمل على التأكيد على هذا المفهوم، إلا أن القيادة الفلسطينية الأولى ولجنتها التنفيذية واللجنة العليا أهملت وتهاونت في تأكيد المفهوم القومي، وبعد أن قامت الدول الاستعمارية بتجزئة المشرق العربي وتقسيمه إلى دويلات نشأت مع الأسف الاهتمامات الجزئية، وتضاؤل القومية الشاملة إلى درجة التلاشي، وضعف مفهوم قومية التحدي وتدهورت الأمور إلى أن صار هناك تبادل اتهامات ما بين الشعب الفلسطيني والعرب وأصبح الوضع مؤسفاً، وصارت قيادة المنظمة ومن قبلها قيادة فتح تعمل على ما يمكن أن تكون هناك حرب على اعتبار أن العرب قادرون على محاربة إسرائيل لكنهم لا يريدون ذلك، إلى أن جاءت حرب 1967 ليدرك الفلسطينيون أن لا شيء هناك يعتمدون عليه إلا أنفسهم. إن الذي لا شك فيه أن مسئولية مقاومة المخططات الصهيونية هي مسئولية قومية، ونحن نأسف أشد الأسف ألا تسير الأمور بمفهوم قومية التحدي.. فماذا نقول عن الظروف التي نمر فيها وما يتعرض له شعبنا الفلسطيني من قهر غير متصور، وما زالت هناك علاقات سياسية بين العرب وإسرائيل؟! حوار: يوسف أحمد