الاربعاء 11 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 12 فبراير 2003 لا يعني العيد للفلسطينيين سوى اعادة انتاج الألم، فمقابر الشهداء غدت الطقس الصباحي لأول ايامه حيث الدموع والذكريات الموجعة، اما من يحاول تجاوز ذلك بالتهاني ولقاء الاحبة فإن اذلال الاحتلال والاغلاق الخانق يكون له بالمرصاد. أعدت والدة الشهيدين الفلسطينيين فراس وفارس الجابر نفسها لزيارة ضريحي نجليها صبيحة أول أيام عيد الأضحى مثلها مثل الكثير من السيدات اللاتي فقدن ذويهم على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي. وفراس اغتالته وحدة إسرائيلية عام 2002 فيما سقط فارس في شهر فبراير 2003 خلال اشتباك مسلح مع وحدة خاصة من الجيش الإسرائيلي عندما كان يرافق ابنه لشراء ملابس العيد. ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة لزوجات وأمهات الشهداء، حيث تجمعهن مصيبة واحدة، ويجهزن أنفسهن للتوجه أول أيام العيد إلى مقبرة شهداء الانتفاضة. وهذا المشهد ليس وحده الذي يستقبل به الفلسطينيون العيد، فهناك مئات العائلات - التي هدم الاحتلال منازلها -تقضي عيد الأضحى المبارك داخل الخيام أو في منازل أقاربها وسط أوضاع معيشية سيئة، ويعتبر مخيم جنين أكبر شاهد على معاناة الفلسطينيين، حيث نصبت الخيام على أنقاض المنازل المدمرة، وعلقت بداخلها أنوار الشموع لتضيء عليهم عتمة الليل. ولا يقل حال ذوي الأسرى مأساوية في عيد الأضحى، حيث تعيش عائلات ل(5500) أسير فلسطيني لا يزالون يقبعون في السجون الإسرائيلية في حالة حزن كبير في هذه الأيام. وهذا كان حال عائلة الصحفي الفلسطيني نواف العامر مراسل «صحيفة القدس» ووكالة «كونا» الكويتية الذي اعتقل منذ عام وجدد له على أبواب شهر رمضان الماضي الاعتقال الإداري للمرة الثالثة، وهو ما أصاب عائلته المكونة من 8 أفراد بالصدمة بعد أن توقعت خروجه منذ شهرين لمشاركته إياهم في العيد. في الوقت نفسه، اختفت من الشارع الفلسطيني المظاهر الخاصة بعيد الأضحى من شراء المشتريات الضرورية من خضروات وفواكه واللحوم بأنواعها المختلفة للعام الثاني على التوالي. ويلاحظ المار في أسواق المدن الفلسطينية انخفاض نسبة المترددين عليها للشراء وضعف الحركة التجارية داخلها. ويقول أبو محمد الحيفاوي- 65 عاما من مدينة طولكرم لشبكة «إسلام أون لاين.نت»: إنه العام الثاني على التوالي الذي ينصرف فيه المواطنون عن شراء مستلزمات العيد أو شراء الأشياء الزهيدة منها. وأشار إلى وجوه المارة في الشوارع قائلا: «إنها وجوه يائسة في ظل حالة الاختناق التي يعيشها المواطنون جراء ما تقوم به قوات الاحتلال الإسرائيلي من قتل وتدمير في أنحاء الوطن وفي ظل أجواء يخيم عليها الحرب على أشقائنا في العراق». وأوضح الحيفاوي أن إحجام المواطنين عن شراء ما يلزمهم من مستلزمات أساسية يرجع إلى الحصار العسكري المحكم المفروض على مختلف المناطق التي حولت المدن الفلسطينية إلى كانتونات معزولة عن بعضها، وأصبح على المواطن الذي يحاول الوصول إلى مراكز المدن من المناطق المجاورة الأخرى لقضاء حاجياته الأساسية السير على الأقدام لمدة نصف يوم. وأوضح الحيفاوي أن أعمال الخير التى تتسع عادة في عيد الأضحى تخفف من ضعف القدرة الشرائية لكثير من الأسر، حيث يطال هذه العائلة أو تلك قطعة لحم تكون منقذة لرب الأسرة وللزوجة وتكفيهم إلحاح الأطفال في السؤال عن مأكولات العيد. كما يحاول المواطنون إضفاء جو الفرحة خلال العيد من خلال الزيارات والعلاقات الاجتماعية المترابطة والألفة وسيادة روح التضامن والتكافل لكن حتى ذلك بات في مصاف الأمنيات. فإذا كنت فلسطينيا وتفكر بالذهاب من رام الله الى نابلس مثلا لتقضي أيام اجازة عيد الاضحى الأربعة بين أقاربك وأهلك في يوم قد يجتمع فيه الكبير والصغير فعليك التفكير مطولا في مثل هذا الأمر الذي لم يعد يسيرا بطبيعة الحال. فنابلس التي تحتاج الى اقل من ساعة سفر تحتاج اليوم الى أكثر من خمس ساعات لأنه يجب اجتياز خمسة حواجز عسكرية وعلى كل حاجز ينتظر المواطن حتى يأتيه الدور ويخضع لتفتيش دقيق في حقائبه وبعد ذلك قد يسمح جنود الاحتلال له بالمرور وقد يتم منعه تحت تهديد السلاح. واذا فكر احدهم بالالتفاف على الحاجز عبر طريق ترابية فهم يكونون له بالمرصاد وتلاحقه الجيبات العسكرية وقد تكلفه هذه المخاطرة الشبح ساعات عدة يتخللها الاعتداء بالضرب. وكانت هناك امرأة لم تتجاوز الخامسة والعشرين من عمرها تحاول لف طفلتها التي يملأ بكاؤها الأفق لتجنبها البرد القارص الذي يلفح وجنتيها الطريتين لكن دون جدوى والام لاتزال تنتظر على الحاجز ليأتي دورها. وأمام حرقة بكاء الطفلة التي تعبر لوالدتها بحركة فمها انها جائعة اتفق المنتظرون على اعطاء الأولوية للام وعندما وصلت الى الجندي الذي يدقق في بطاقات المواطنين ويتلذذ باهانتهم ومعاناتهم اخذ هويتها وابلغها بأنه لم يسمح لها بالمرور وعليها العودة الى رام الله أو احضار تصريح خاص تصدره اسرائيل للسماح لها بالمرور . فأخذت الام تتوسل الى الجندي الذي تجاوز الخمسين من العمر لكنه صرخ بها طالبا منها العودة الى المنزل. عادت الام تجرجر قدميها غير قادرة على حمل ابنتها وحقيبة ملابسها الى رام الله بعد ان اقتربت الساعة من السادسة مساء..الوكالات
جنود الاحتلال يستمتعون بمنع زيارات الأقارب والتنقل، العيد في فلسطين استحضار الألم في المقابر وتحت الحصار
