الثلاثاء 10 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 11 فبراير 2003 توجه حجاج بيت الله الحرام البالغ عددهم اكثر من مليوني حاج فجر اليوم الى مدينة منى لاكمال فريضة الحج بعد وقوفهم بعرفات امس حيث ادوا الركن الاساسي للحج وقضوا ليلة امس في مزدلفة لجمع الحصى ومنذ فجر اليوم بذبح الهدي ورمي جمرات العقبة الأولى وسيمضون يومين اخرين في منى للمبيت لرمي بقية الجمرات، فيما القى سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ مفتي السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء خطبة تناول فيها موسم الحج ودعا الناس الى تقوى الله والتمسك بالتوحد عند المحن وحذر من الهجمة الشرسة التي سيتعرض لها الاسلام ومحاربة الدين الاسلامي وقال ان الامة الاسلامية مستهدفة في دينها واخلاقها واقتصادها. ومع اشراقة شمس يوم امس الذي صادف التاسع من ذي الحجة بدأت جموع حجاج بيت الله الحرام في مغادرة مشعر منى وتوجهوا الى صعيد عرفات ليشهدوا الوقفة الكبرى في يوم الحج الاكبر في اجواء ايمانية يغمرها الخشوع والسكينة ووسط مظاهر العبودية الكاملة لله سبحانه تعالى. وتحركت مواكب ما يزيد على مليوني حاج وحاجة من منى على متن السيارات ومشيا على الاقدام عبر الانفاق بعد ان باتوا ليلتهم على صعيدها الطاهر وقضوا يوم التروية متأسين بالرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم. وتعالت أصوات الحجيج بالتكبير والتهليل والدعاء الى الله سبحانه طوال رحلتهم من منى الى عرفات مبتهلين الى الله أن يمن عليهم باتمام أداء الركن الخامس من الاسلام وهو الحج ومتضرعين سائلين المولى عز وجل العفو والمغفره والرحمة والعتق من النار في هذا اليوم العظيم الذي لم تطلع الشمس على يوم خير منه. وردد الحجاج نداء الحج الخالد الذي ردده نبيهم الكريم مع أصحابه في حجة الوداع لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ان الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. والوقوف بعرفة هو الركن الأساسي للحج مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم الحج عرفة والوقوف بعرفة يعنى وقوف الحاج على أي جزء من الحدود الشرعية لعرفات ولو لساعة من النهار حتى غروب الشمس وليس بالضرورة الصعود الى أعلى قمة جبل عرفات. وقد أدى حجاج بيت الله الحرام صلاتي الظهر والعصر قصرا وجمعا امس بمسجد نمرة على صعيد عرفات الطاهر في يوم الوقفة الكبرى اقتداء بسنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. حيث مسجد نمرة في نفس المكان الذي خطب فيه الرسول صلى الله عليه وسلم خطبته الشهيرة في حجة الوداع وأدى فيه صلاتي الظهر والعصر جمعا وقصرا وتبلغ مساحة المسجد حوالي 27الف متر ويستوعب اكثر من 300 ألف مصل. وقد شارك في الصلاة التي أقيمت بأذان واحد واقامتين وفقا للسنة النبوية المطهرة أمير مكة المكرمة ورئيس لجنة الحج المركزية الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز كما أداها عدد من رؤساء الدول و الحكومات وكبار الشخصيات الاسلامية الذين يؤدون فريضة الحج هذا العام. ودعا المفتى العام ورئيس هيئة كبار العلماء وادارة البحوث العلمية والافتاء بالسعودية الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ المسلمين في خطبة عرفات المسلمين الى التمسك بنهج الله القويم واتباع سنة نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم في جميع اعمالهم واقوالهم. وحث المفتى العام للسعودية المسلمين على الاعتصام بحبل الله وتوحيد الصف والكلمة لمجابهة مكائد أعداء الاسلام والتمسك بشريعة الاسلام قولا وعملا لابراز الوجه المشرق للاسلام ونشر تعاليمه السمحة الداعية للتسامح والمحبة والسلام. وقد بدأ آل الشيخ خطبته مستهلها بحمد الله والثناء عليه سبحانه على ما افاء به من نعم ومنها الاجتماع العظيم على صعيد عرفات الطاهر. ودعا الناس الى تقوى الله في السر والعلن وتوحيده واقامة اركانه والتمسك بنهج الله القويم واتباع سنة نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم في جميع اعمالهم واقوالهم. وبين فضيلته ان مراد الله من خلق الجن والانس هو لعبادته مخلصين له الدين وبين لهم كل امور الدين يستبصروا فيه واعطى العبد الاختيار بين كل ما يتعلق بالدين من التعامل والحكم بين الناس واقامة العدل وهيأ من الاسباب الشرعية والكونية مما يجعله صالحاً للانسان. وحث فضيلته على التمسك بكلمة التوحيد التي كلفنا الله بها وحذر من مخالفتها وقال «ان اصل الدين لا اله الا الله، وهي كلمة لاجلها ارسل الرسل وانزل الكتب وقام عليها الجهاد وخلق الله لاجلها الخلائق اجمعين. وبين ان كلمة التوحيد تفرق بين الاسلام والكفر والهدى والضلال. واكد ان المسلم يجب ان يدعو الله عز وجل لقوله تعالى «ادعوني استجب لكم ـ مشيراً الى ان الذبح والنذر لله عز وجل ـ والطواف حول بيت الله ولا يجوز الطواف بقبر نبي ولا ولي ولا صالح ولا سحر ولا حجر. وتحدث عن العقيدة الصحيحة للمسلم. وجدّد فضيلته الى الدعوة الى الاسلام مؤكداً ان هذا امر مطلوب من الجميع ويجب ان نبذل الغالي والنفيس من اجل هذا الدين مستشهداً بما بذله الدعاة والعلماء والمجاهدون منذ فجر الاسلام الى اليوم ومشيراً الى ان الله عز وجل يهيئ في كل عصر من يدافع عن دينه. واكد ان هذه الدعوة المباركة دعوة الاسلام ولا تختلف في المذاهب الاربعة واجماع الامة بل هي دعوة الى جذور الاسلام. وحذر الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ من الهجمة الشرسة التي يتعرض لها الاسلام وقال «ان العدو كشر عن انيابه ويحارب ديننا ويسعى جاهداً لابعاد المسلمين عن دينهم» مشدداً على اهمية تمسك المسلمين بدينهم وقال «فهذا الطريق لدحر الاعداء، فالاخلاص في العبادة والابتعاد عن المعاصى مثل الزنا والخمر والسحر والعودة الى الاسلام هو السبيل لوحدة الامة وصيانة عقيدتها «مستشهداً بقوله تعالى، انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه». وحث على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر مشدداً على ان الاعداء لن ينالوا من الاسلام اذا تمسك المسلمون بدينهم لان الامة اذا عادت الى دينها فلا يوجد قوة تقهرها فالله عز وجل يقول، ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة الا تخافوا ولا تحزنوا». ودعا فضيلته المسلمين الى ان يوطدوا انفسهم عند المحن بالصبر والاحتساب ولا يكونوا امعات ان احسن الناس احسنوا وان اساء الناس اساؤوا بل يجب على المسلم ان احسن الناس احسن وان اساؤوا ابتعد عن اساءتهم. وحذر من اولئك الذين يجدون في الفتن مرتعاً خصباً لبث شرورهم وبلائهم تحت ستار الوطنية تارة وحماية الحقوق تارة اخرى ويتسمون بالدين لتحقيق مآربهم الخبيثة ومكائدهم في الاسلام واهله». واشار الى ان الامة مستهدفة في دينها واخلاقها واقتصادها حيث يحاول الاعداء زعزعة الدين والتشكيك بثوابته ومسلماته لأن الامة اذا تخلت عن دينها ذلت وهانت مستشهدا بقوله تعالى «كنتم خير امة اخرجت للناس» وقوله تعالى «ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر اولئك هم المفلحون». ومضى فضيلته يقول «ان الامة مستهدفة في مناهج تعليمها فزعموا ان هذه المناهج تدعو الى الارهاب والضلال. واضاف «ان اقتصاد الامة مستهدف كذلك من اعدائها الذين حاولوا فرض التبعية الاقتصادية على الامة وربط اقتصادها باقتصادهم لأن المال هو عصب الحياة لقوله تعالى «ولا تؤتوا السفهاء اموالكم التي جعل الله لكم قياما». وذكر سماحته المسئولين في العالم الاسلامي وصانعي القرار بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «من استرعاه الله رعية فمات يوم يموت وهو غاش لرعيته الا حرم الله عليه الجنة» وقال ان غش الامة هو بعدم تعريفها بدينها وتفقيهها بدينها وحث المسئولين على اقامة العدل وحماية المسلمين وجعل هذه الامور تقرباً الى الله. واوصى حجاج بيت الله الحرام بشكر الله عز وجل على نعمه حيث يسر وصولهم الى هذه البقاع الطاهرة.. هذا البلد الامين الذي اوجب على كل مسلم حفظ امنه بقوله تعالى «اولم يروا انا جعلنا حرماً امناً ويتخطف الناس من حولهم». كما حذر من الظلم والفساد في حرمه مستشهداً بقوله تعالى «ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب اليم»، وقال ان الله هيأ لهذه المشاعر رجالاً صادقين مخلصين بذلوا الاموال والامكانات في سبيل راحة الحجيج وامنهم وان من الوفاء وعمل البر ان نتعاون معهم بالبر والتقوى وان ندعو الله لهم بالتوفيق والسداد على ما بذلوا وعملوا. ونبه الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله من المخاطر المحيطة بالأمة ومحاولات قوى الشر الانقضاض على الامة لاستغلال خيراتها وتفريق شملها. وطالب الامة الاسلامية على التكاتف والتعاون وجمع الكلمة في سبيل عز الامة وحفظ كيانها من تسلق الاعداء. ودعا شباب الاسلام الى التمسك بالاسلام لأن فيه عزتهم مستشهداً بقوله تعالى «فلله العزة ولرسوله وللمؤمنين» كما حثهم على تعلم الاسلام من مصادره الاساسية كتاب الله وسنة رسوله». كما خاطب الفتاة المسلمة وحثها على طاعة الله ومعصية الشيطان والنفس الامارة بالسوء والتمسك بالحشمة والعفاف. ودعا سماحته رجال الاعلام الاسلامي الى التصدي للاعلام المعادي ومقارعة الحجة بالحجة ودمغ الباطل بالحق محذراً من السموم التي تبثها بعض القنوات الفضائية التي تبث الحادها وظلالها وفجورها. وناشد الدعاة لادراك اهمية المرحلةالتي تمر بها الامة الاسلامية ودعاهم الى نبذ الخلاف والدعوة الى الله عز وجل لقوله تعالى «ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن». وحث سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ علماء الاسلام على نشر العلم الشرعي وتبيين الحق وكشف الزور والاباطيل ودعوة الامة الى التمسك بهدى الدين.



