الاحد 8 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 9 فبراير 2003 فند خبراء ومحللون استراتيجيون وأمنيون في مصر المزاعم التي وردت في خطاب وزير الخارجية الاميركي «كولن باول» امام مجلس الامن، يوم (الاربعاء) الماضي، وادعى فيها استمرار العراق في محاولات امتلاك برنامج تسلح نووي. اضافة لتأكيداته بوجود اسلحة بيولوجية وكيميائية وصواريخ بعيدة المدى لدى بغداد، وأن النظام العراقي مرتبط بعلاقات مع تنظيم «القاعدة» بزعامة اسامة بن لادن. واعتبر الخبراء المصريون ان ادعاءات باول «منافية للمنطق، ولا يصح ان تصدر عن وزير خارجية دولة كبرى». وأكدوا ان ادلته تفتقر الى الدقة، وتحتاج الى مراجعة وتثبت من قبل المفتشين الدوليين. وفي هذا السياق، شدد رئيس هيئة الطاقة النووية السابق في مصر الدكتور «فوزي حماد» على ضرورة الحرص ازاء تقرير باول، وقال. ان مصنع الشفاء في السودان ضرب بالصواريخ الاميركية لاسباب مماثلة، ومعروف الآن انه كان لانتاج الدواء وليس لانتاج اسلحة بيولوجية. واضاف د. «حماد» ان تقرير بليكس والبرادعي، بعد شهرين من التفتيش، ذكر انه ليس هناك بادرة تدل على ان العراق اعاد احياء برنامجه النووي، وان المثار هو مجموعة من انابيب الالومنيوم وان كل الدراسات في الوكالة الدولية للطاقة النووية تشير الى ان هذه الانابيب ليس لها علاقة بإثراء اليورانيوم. واعتبر «حماد» ان «تقرير باول» يفتقر الى الدقة فيما يتعلق مثلاً بمقولة ان العراق طرد المفتشين الدوليين من قبل، لأن العالم كله يعرف ان مجلس الامن هو الذي سحب المفتشين قبل بدء عملية «ثعلب الصحراء». وحول الصور الجوية التي تحدث عنها «باول» قال الدكتور حماد: هذه الصور يجب ان تخضع لتحليل المفتشين، وربما يكون لديهم صور ممثالة. وفيما يتعلق بالجزء النووي في بيان باول، قال الخبير المصري: البيان مازال يعيش في مناخ «اليونسكوم» وهي مرحلة انتهت، ونحن الان في مرحلة القرار 1441 التي تشهد تعاون العراق بشكل كبير في كافة نواحي اعداد البنية التحتية لأنظمة التفتيش وفتح كل المواقع، واذا كان باول صادقاً في كلمته عندما قال: (اننا عندما كتبنا القرار 1441 لم نكتبه لكي نذهب الى الحرب، ولكن كتبناه كي نحافظ على السلام». اذا كان صادقاً فإن اعطاء المفتشين عدة اشهر اضافية كما طلبوا سيكون من اجل السلام، ولكن الحديث الان يدور عن عدة ايام، واقول: إن عدة اشهر سوف تكون اجدى للسلام، خاصة وان العراقيين ابدوا استعدادهم لمزيد من التعاون، وقدموا مؤخراً مزيداً من الوثائق واسماء (214) عالماً في المجال النووي، وهم يعملون في مناخ مفتوح بشكل كبير، والحقيقة ان البيان محاولة لكسب تعاطف الرأي العام العالمي الرافض للحرب، من اجل التمهيد لمعركة بغداد. وأكد الدكتور «حماد» ان العراق لا يمثل تهديداً كما جاء في بيان باول، وقال ان الكلام الحقيقي عن اسلحة الدمار الشامل يجب ان يوجه الى كوريا الشمالية، التي انهت الاشراف الدولي وطردت المفتشين.. ولديها كميات «بلوتنيوم» وبرنامج لاثراء وانتاج اليورانيوم (235)، عالي الاثراء، خارج الاشراف الدولي وخارج معاهدة منع الانتشار التي انسحبت منها كوريا مؤخراً. واستدعى الخبير النووي المصري مرة اخرى كلمة كبير المفتشين «محمد البرادعي» حول وجود المفتشين في العراق كرادع لأي برامج قد يعيدها العراق وتأمين للعالم والمنطقة، واستدعى ايضاً ما قاله «بليكس» حول وجود نظام تفتيش فاعل يستطيع ان يذهب لأي مكان في العراق وان هذا النظام في خدمة مجلس الامن. واكد الدكتور حماد انه يرى ان مجلس الامن، بحكمته ودوره في حفظ الامن والسلم الدوليين، عليه ان يستفيد من هذا النظام للتفتيش على كل دول المنطقة.. حتى تصبح المنطقة خالية تماماً من اسلحة الدمار الشامل. وأكد الخبير الاستراتيجي اللواء طلعت مسلم ان «كولن باول» لم يقدم جديداً في تقريره الذي عرضه امام مجلس الامن، وانه قال كلاماً لا يصح ان يصدر من وزير خارجية دولة بحجم الولايات المتحدة الى جانب كونه رئيساً سابقاً لاركان الجيش الاميركي. ووصف «مسلم» تقرير باول بأنه «كذب وتلفيق وتحميل للأمور اكثر من يجب ان تحتمل». مشيراً الى ان التقرير حوى ما يخالف ما سبق ان قدمه من قبل كل من هانز بليكس ومحمد البرادعي بشأن التسليح العراقي. واوضح ان التقرير الى جانب ما حواه من كلام مناف للمنطق، فإنه احتوى على مبادئ لو تم الاخذ بها لأصبحت الامور في منتهى الخطورة، مدللاً على ذلك بحديث باول عن «عدم قدرة المفتشين الوصول للاسلحة العراقية» بما يعني ان اميركا وحدها هي التي تستطيع ذلك دون اية جهة اخرى. معتبراً ان جهة الادعاء الاميركية اعطت لنفسها ـ بأكاذيب باول ـ حق الحكم على العراق، في حين ان القاعدة القانونية تقول ان الشك يؤول لصالح المتهم. وقال «مسلم» ان العراق بالتأكيد لديه صواريخ، ولكن لا يعني ابداً ان صاروخاً لدى دولة لا يتعدى مداه المئة وخمسين كيلومتراً المقررة دولياً ان يكون من ذلك خروج على القوانين الدولية. واشار الى أن حديث «باول» عن وجود مصانع مستقلة لتصنيع الاسلحة البيولوجية في العراق هو دليل اخر على تحميل الامور اكثر من طبيعتها، وتساءل لماذا لم يخبر الاميركان المفتشين في وقت حصولهم على هذه المعلومات المدعاة ـ مؤكداً ان الحديث عن قيام العراقيين باخفاء الاسلحة قبل لحظات من وصول المفتشين الى مواقعها «هو امر غير مقبول. وغير مقنع». متسائلاً: ألم يكن الاميركيون يستطيعون اخبار المفتشين في نفس وقت وقوع هذه الاحداث؟! واضاف ان الاسلحة البيولوجية يمكن انتاجها في اماكن مختلفة، سواء أكانت متنقلة أم ثابتة. موضحاً انه يمكن انتاج هذه الاسلحة في المعامل المدرسية او معامل التحاليل الطبية، ولكن السؤال ـ والكلام للواء مسلم ـ هو كيف يمكن استخدام هذه الاسلحة، وكيف يمكن توصيلها الى اهدافها؟ موضحاً ان السيارات والمعامل المتحركة لا تجدي في اطلاق هذه الاسلحة. وأكد «مسلم» ان العراق ومنذ اعلان «حسين كامل» عن الاسلحة التي كانت لديه لم يكتشف اي جهاز تفتيش وجود اسلحة محرمة لديه، الى جانب ان العراق ادرك ان امتلاكه مثل هذه الاسلحة هو امر يضيره ولا ينفعه اطلاقاً. مشيراً الى ان العراق قام بتحديث نفسه، صنع تقدماً علمياً ليس بالهين في فترة ما قبل الحصار. وتساءل مسلم: هل يمكن للعراق ان يقوم باخفاء 500 طن من الاسلحة كما ادعى باول في تقريره؟ مؤكداً ان حديث باول ايضاً عن برنامج نووي عراقي يخالف تقارير البرادعي وبليكس في هذا الشأن، ويؤكد التلفيق الاميركي في التقرير. واوضح ان الحديث ايضاً عن طائرة تقوم برش اسلحة بيولوجية امر غير مقنع ايضاً، لأن الصور المزعومة لم توضح الطائرة او الطيار. واختتم اللواء طلعت مسلم بالاشارة الى ان ذهاب كولن باول لمجلس الامن دليل جديد على فشل الادارة الاميركية في حشد الدعم الدولي اللازم لنواياها العدوانية تجاه العراق. ووصف اللواء فؤاد علام ـ نائب رئيس جهاز امن الدولة الاسبق في مصر والخبير في الحركات الاصولية ـ بيان كولن باول بأنه «مسرحية هزلية مضحكة ضعيفة الاخراج بشكل مخزي». وقال اللواد علام لـ «البيان»: اذا كانت الولايات المتحدة راقبت هواتف المسئولين العراقيين الى الحد الذي اكتشفت فيه علاقة العراق بتنظيم القاعدة، فلماذا لم ترصد هذه العلاقة قبل (11) سبتمبر؟! وتساءل اللواء فؤاد علام: لماذا لم ترصد الولايات المتحدة الاخ الاردني «ابو مصعب الزرقاوي» من قبل، هل صعب عليهم القبض عليه في الاردن او في اي مكان اخر عندما كان يتحرك بحرية؟! واضاف: هذا كلام غير مقنع، وغير متماسك. واستطرد الخبير الامني قائلاً: «الولايات المتحدة، كجهاز سياسي.. وكجهاز امني، افلست تماماً بمثل هذه المقولات المضحكة». وحول علاقة عناصر من تنظيم (حماس) بالعراق، قال اللواء فؤاد علام: ما الذي يمنع «حماس» ان تكون لها علاقة بأي دولة، ماهو المحظور في علاقة حماس او غيرها بأي دولة؟!. اسرائيل تعلن انها تحصل على اليورانيوم المخضب من جنوب افريقيا، كوريا تعلن ان لديها اسلحة دمار شامل.. فلماذا ترك هذا كله، وتم التركيز على العراق ومنظمات المقاومة الفلسطينية؟! وحول الدعم الذي قدمه العراق لعناصر من تنظيم «القاعدة» أكد اللواء «علام» ان الارضية الفكرية والايديولوجية بين العراق وتنظيم «القاعدة» مختلفة ومتناقضة، فالقاعدة يدعون انهم يعملون من اجل الاسلام، والعراق اقرب الى اليسار ـ وربما الشيوعية ـ فكيف لهما ان يلتقيا وهما يحملان هذا التناقض الفكري التام؟ وفي لقاء لـ «البيان» مع اللواء دكتور عبدالرحمن رشدي الهواري، الخبير في الدراسات الاستراتيجية وصف بيان كولن باول: بأنه يحمل وجهة النظر الاميركية وليس وجهة نظر مجلس الامن، والبيان يستند الى ادعاءات اميركية تتجه الى ان يكون العراق واقعاً تحت ذرائع الحرب الاميركية. وقال اللواء الهواري: ان الصور الجوية التي تحدث عنها كولن باول وقيل انها اخذت في منتصف عام 2002 ـ اي انها صورت قبل وصول المفتشين ـ هذه الصور تستدعي متخصصين في مجال الصور الجوية، فعندما تقول الصور ان هذا مستودع كيماوي، وهذا فنطاس وقود يحمل مواد كيميائية.. لا يجب ان يكون مجالها مجلس الامن، وانما مجالها للمتخصصين، اذا كانت هناك نية للحل السلمي. وحول مقولات قيام العراق باخفاء الاجهزة والآليات في اكثر من 30 موقعاً تتعلق بتطوير الصواريخ البالستية، وان العراق لديه 7 معامل متنقلة لانتاج الاسلحة البيولوجية، و 18 شاحنة تنتقل في انحاء البلاد لانتاج مواد كيميائية محظورة، قال «الهواري»: 18 شاحنة تنتقل في انحاء البلاد يقصد بها معامل متحركة، والسؤال هنا: لماذا يخفي العراق هذه المعامل وهو الامر الذي قد يعرضه لأخطار جسيمة؟، هل يحتاج العراق ان ينتج هذه المواد الكيميائية المحظورة في سيارات (معامل) متنقلة مع افتراض امكانية ان تلوث المنطقة بالكامل وتكون دليل ادانة ضد العراق؟! مؤكداًانه لا يوجد شيء اسمه معامل متحركة، وانما يوجد شيء اسمه معامل متنقلة ميدانياً، ويكون هدفها انتاج مواد لمعالجة المتضررين من الاثار الكيماوية. ان معملاً متحركاً ينتج مواد كيميائية محظورة هو امرلا نستطيع ان نجزم به، وتساءل اللواء الهواري: لماذا لم يصل المفتشون لهذه المعامل الكيميائية التي يتحدث عنها كولن باول. وزاد لماذا ايضاً لم يصل المفتشون الى 30 موقعاً لانتاج الصواريخ التي تحدث عنها باول، وهو لديه حوالي 300 من المفتشين، لماذا لم يذهبوا فوراً الى هذه المواقع ويطلعوا عليها ويدللوا ان العراق ينقل المصانع، هذا القول ليس معقولاً وصعب التصديق. وتساءل اللواء الهواري: من يدري ان هذه الصور الجوية حديثة، الذي يؤكد هذا هم محللو الصور وهم الذين يقولون لنا تاريخ التقاطها الذي ربما يعود الى عام 1991، لماذا لا تعطى هذه الصور الى الخبراء الروس في تحليل الصور الجوية ويقولوا لنا هل هي صور (مفبركة) ام صحيحة، وتساءل ايضاً، لماذا لم يعد المفتشون كمائن على الطرق للسيارات المتحركة التي يتحدث عنها باول. وحول قيام العراق بتطوير طائرة من طراز (ايه يو 6) قال اللواء الهواري: وماذا في ذلك، الطائرة (ايه يو 6) طائرة صغيرة، اي دولة تستطيع ان تمتلكها لاغراض مدنية، هي طائرات مثل طائرات الرش وفيها خزانات مجهزة، مثلها مثل الطائرة (سي 130) مثلاً، طائرة عادية يمكن ان تجهز بتجهيزات للرش الكيماوي او البيولوجي، وبالطبع والعراق واقع تحت سيطرة جوية او سيادة جوية ان تقوم هذه الطائرات بعمليات رش. وحول رفض العراق لاستخدام المفتشين للطائرة (يو 2) قال اللواء الهواري: هي طائرة تجسس استخدمتها الولايات المتحدة ابان حرب فيتنام، واستخدمت فوق القناة في السبعينيات، وتحصل هذه الطائرة على معلومات عن مراكز القيادة، ومحطات الارسال، والاستقبال، والرادارات، والولايات المتحدة تعلم ان العراق سيرفض استخدام هذه الطائرة، والعراق طلب ان يتم ايقاف العمل في مناطق الحظر الجوي اذا ارادت الولايات المتحدة ان تحلق الطائرة (يو 2) في اجوائها. ومن هذا يتضح ان العراق سيقيد العمل في الدفاع الجوي في مناطق الحظر حتى لا تحلق الطائرة وتحلق وراءها الطائرات الاميركية والبريطانية وتضرب ضرباتها المفاجئة، وسيغلق العراق ايضاً في هذه الحالة مراكز القيادة ومحطات الارسال والاستقبال، ويغلق الرادارات لفترة زمنية تحلق فيها الطائرة. القاهرة ـ من نور الهدى زكي ومحيي الدين سعيد: