الخميس 5 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 6 فبراير 2003 كشفت مجلة «تايم» الاميركية عن مبادرة سعودية لتجنب الحرب ترتكز على عزل صدام حسين الرئيس العراقي وتشجيع الاطاحة به عبر التلويح بالعفو عن كبار قادته. وفي مقابلة حصرية مع المجلة حدد الامير سعود الفيصل الخطوط العريضة للمبادرة التي ستقدمها بلاده للأمم المتحدة. وقال الوزير السعودي للمجلة ان المبادرة «تهدف الى تحقيق اذعان العراق لقرارات الامم المتحدة حول نزع اسلحته بدون اللجوء الى غزو من طرف واحد تقوده الولايات المتحدة ويمكن ان يؤدي الى تدمير العراق. وزعزعة الاستقرار في الشرق الاوسط واثارة المشاعر المعادية لاميركا في ارجاء المنطقة». واضاف الفيصل: «ستحقق المبادرة ذلك من خلال ابقاء خيار الحرب بيد الامم المتحدة وتشجيع الحكومة «التي تهيمن عليها السنّة» في العراق على حماية مصالحها من خلال التعاون مع الامم المتحدة وتنحية صدام جانباً اذا رفض التعاون». وقالت المجلة: «يرى السعوديون الوضع ان التحول في التركيز من التلويح بعصا الحرب الى تقديم جزرة الحماية يحمل فرصة افضل في تحقيق انتقال غير دموي نسبياً للسلطة في بغداد سيحظى بقبول اوسع في العالم العربي. وفي حديثه بعد اسبوع من الدبلوماسية النشطة، التي شملت محادثات مع الرئيس بوش والرئيس الفرنسي جاك شيراك ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، قال الامير سعود لـ «المجلة» إن المبادرة يمكن تضمينها في قرار الامم المتحدة المتوقع الذي يجيز استخدام القوة ضد نظام صدام. واضاف: «لقد حصلنا على تشجيع وشعرنا بوجود قبول عام للاقتراح الذي قدمناه. وكان الرئيس بوش متعاطفاً مع الاهداف». وقالت المجلة «من المتوقع ان يتم بحث المبادرة بصورة غير رسمية الاربعاء (امس) بين الاعضاء الدائمين في مجلس الامن الدولي بينما يقدّم وزير الخارجية الاميركي كولن باول دليلاً على ان العراق لايزال يخفي اسلحة دمار شامل. وجاء في مجلة «تايم»: «تكمن الآلية الرئيسية في المبادرة السعودية في عرض عفو عن المسئولين وضباط الجيش العراقيين الذين يبدون استعدادهم للتعاون مع الامم المتحدة من خلال الكشف عن معلومات حول اخفاء الاسلحة او من خلال اظهار اشارات واضحة اخرى على معارضتهم لعدم ادغان العراق لقرارات الامم المتحدة» واضافت المجلة: و«يعتقد السعوديون ان العفو سيكون عرضاً مغرياً، لأن المسئولين العراقيين متخوفون من احتمال ملاحقتهم ومحاكمتهم على كونهم جزءاً من نظام استخدام اسلحة دمار شامل ضد اعداء اجانب وضد شعبه كذلك. وأصرّ الامير سعود على ان المبادرة لا تستهدف «شخصيات بعينها»، ومع ذلك، فإن من الواضح ان هدفها الرئيسي هو عزل صدام عن طريق منح قادته العسكريين حافزاً مغرياً للتعاون مع الامم المتحدة والاطاحة برئيسهم». وفسر الامير سعود الامر بقوله: «ان افضل طريقة هي تقديم العفو لحكومة العراق، بابلاغها مواصلة اداء واجباتها في حفظ النظام. وبدلاً من العزف باستمرار على مقولة: اذا لم تفعلوا ما نريد، فسنلاحقكم، يتوجب عليكم قول العكس: «اذا فعلتم ما نريد، فلن تتم ملاحقتكم، وستؤمنون انفسكم ومستقبلكم. انا لا ارى كيف يمكن للعراقيين ان يرفضوا هذا التوجه في مواجهة تدمير معين». واضاف الامير سعود قائلاً: «ان فكرتنا هي تحويل الجهد العسكري للأمم المتحدة من جهد عسكري يسعى الى الاحتلال، والى الحاق الاذى بالعراق، الى جهد يستهدف ضمان امن ووحدة اراضي العراق. والجزء الاساسي فيها هو ان تستمر الحكومة العراقية في ممارسة عملها كحكومة فاعلة وافساح المجال امام الانتقال السلمي للسلطة». وعبر الامير سعود ايضاً عن امله بأن يساعد تحويل التركيز الى حماية العراقيين بدلاً من مهاجمتهم في انهاء الانشقاق داخل مجلس الامن الدولي عن طريق تشجيع فرنسا وروسيا والصين على دعم القرار الذي يجيز استخدام القوة. وقال الامير سعود: «واذا ما حدثت المواجهة، فنحن نعتقد انها ينبغي ان نكون عبر آلية الامم المتحدة. اما بالطريقة التي تسير فيها الامور، فاننا نرى اختلافاً في الآراء داخل مجلس الامن. وذلك سيشجع صدام حسين على الاعتقاد بما يلي: «اذا كان هناك انقسام، فبمقدوري ان اشوّش الامور ولا افعل شيئاً وانجو بفعلتي». وهذا سيقود حتماً الى شن حرب على العراق بقيادة الولايات المتحدة». ورفض الامير سعود الانتقاد القائل بأن الاقتراح سعى الى تقويض الاستعدادات الاميركية للحرب، مشيراً الى ان التهديد بهجوم عسكري وشيك يحمل فرصة حقيقية بتغيير الولاءات في بغداد. وقال بهذا الخصوص: «استطيع ان اتخيل قيام عناصر في النظام بعدم الانصياع لأمر من شأنه ان يعرض استقرار وأمن العراق للخطر. وأنا لا اعتقد ان العراقيين أقل وطنية من شعب اي بلد اخر. تخيل انك جنرالاً وتأتي الأمم المتحدة وتقول لك انها ستمنحك الحماية اذا نفذت واجبك. وعلى الفور، وحالما تتلقى ذلك العرض، فإن الثقة بأولئك الذين يعارضون تنفيذ قرارات الامم المتحدة ستختفي». وعلى الرغم انه من المستحيل التنبؤ برد فعل الجنرالات العراقيين على عرض العفو، الا ان افضل السيناريوهات تتراوح بين مشاهدتهم يقدمون لمفتشي الاسلحة ادلة دامغة واطاحتهم لصدام ربما بدعم عسكري من الامم المتحدة. وفسر سعود الأمر بقوله: «اطلق على ذلك العامل النفسي. فلا احد يعرف صديقه من عدوه. وشعب العراق لا يعرف ما اذا كانت اميركا قادمة لسرقة النفط او لاعادة الامبريالية الى المنطقة ام لا. اما اذا جاء القرار من الامم المتحدة، فإن المفاهيم ستتغير. وهذا هو الاقتراح الذي تقدمه لأولئك الذين يريدون التعاون، وللعراقيين الذين لا يريدون ان يروا بلادهم تدمّر، وللناس الذين يريدون حلاً سلمياً وللناس الذين لا يريدون اسلحة الدمار الشامل للعراق وانما يريدون بلداً موحداً وسائراً على طريق الرخاء والازدهار». وقال سعود في المقابلة ان الاقتراح جاء بدافع من القلق من ان يؤدي انهيار النظام المركزي في العراق الى احداث حمام دم اهلي وصراع اقليمي، ربما يجر دولاً مجاورة مثل تركيا وايران. وتهدف المبادرة السعودية كذلك الى منع حدوث اي حرب تتخذ شكل العمل الاميركي الاحادي الجانب والذي من شأنه ان يلهب المشاعر القومية العربية ويقوّض بالتالي الوضع الداخلي لحلفاء اميركا من العرب ومن ضمنهم السعودية. وقال سعود: «يا الهي، ان فكرة احتلال بغداد من قبل قوات مسلحة للولايات المتحدة لا يمكن تصورها. انها عاصمة هارون الرشيد، الذي كان يتفاوض مع شارلمان. ولقد كانت زهرة الحضارة العربية. من هو هذا الجنرال الذي سيحتل بغداد؟ كيف يمكن ان يعتبر صديقاً للعالم العربي؟ ولكن الولايات المتحدة ليست قوة امبريالية وسجلها يثبت ذلك». وبعد ان قالت المجلة ان بعض المحللين يبدون شكوكهم بنجاح الخطة السعودية في الاطاحة بصدام، نقلت عن الامير سعود قوله انه وجد تفهماً للمبادئ الكامنة وراءها في اوساط قادة اميركا وفرنسا وبريطانيا. وقال بهذا الخصوص: «اننا متفقون جميعاً حول العديد من الامور. اولاً، ان الامم المتحدة ينبغي ان تكون الهيئة المكلفة بالقضية. ثانياً، اننا جميعاً متخوفون من عواقب العمل العسكري الذي لا يأخذ بعين الاعتبار امن العراق ووحدة اراضيه والنظام المدني داخله. والامر لا يقتصر على الفرنسيين فحسب، وانما يشمل البريطانيين والاميركيين ايضاً الذين يقرون بأن هذه العناصر تكتسب اهمية عميقة بالنسبة لمستقبل المنطقة». وافاد الامير سعود بأن السعودية تقترح ايضاً منح القادة العرب فرصة اخيرة، حالما يتم تبني قرار يجيز القوة ضد العراق، وهم مزودون بعرض بالعفو مؤيد من الامم المتحدة، لتشجيع العراقيين على ضمان اذعان حكومتهم لقرارات الامم المتحدة قبل ان تبدأ القنابل بالتساقط على العراق. وقال ان الموقف العربي من المبادرة السعودية لن يتم الاتفاق بشأنه على الأرجح حتى يتخذ مجلس الأمن قراره. واضاف قائلاً: «اننا (الحكومات العربية) نتفق جميعاً بأن علينا ان نعمل من اجل الحفاظ على وحدة وسلامة اراضي العراق. ونتفق على ان العراق يجب ان يصبح خالياً من الاسلحة وان يقدّم ما لديه منها. ونحن جميعاً نريد ان نفعل كل ما في وسعنا لمنع وقوع الحرب».